Accessibility links

هركول بوارو على قطار الشرق


جريمة في قطار الشرق السريع

بقلم رياض عصمت/

لا شك أن المرء سيطرح على نفسه السؤال وهو ذاهب لحضور فيلم "جريمة على قطار الشرق السريع" (2017) عما دفع المخرج/الممثل البريطاني الشهير كينيث براناه ليعيد صنع فيلم عن هذه الرواية التي سبق أن أنتجت للسينما في أربع نسخ على أقل تقدير؟ وكيف تجرأ المنتجون على صنع فيلم جديد لإحدى أبرز روايات سيدة الجريمة في القرن العشرين أغاثا كريستي بعد فيلم المخرج سيدني لوميت في عام 1974، الذي ضم نخبة من كبار نجوم ذلك الزمان، ونال تقديراً قدره 7.3 درجات؟ ثم، هل يا ترى سينجح كينيث براناه كممثل في تجسيد شخصية المحقق البلجيكي هركول بوارو، الذي رسمت كريستي ملامحه وتصرفاته الغريبة بدقة ومهارة استثنائيتين، وذلك بعد أن جسده بنجاح نجوم كبار نذكر من بينهم ألبرت فيني، بيتر أوستينوف وديفيد سوشيت، وفشل في تجسيده آخرون؟

يبدو أن لكل عقدٍ أو جيل هركول بوارو الخاص به. مرَّ على تجسيد هذه الشخصية ثلاثة عشر ممثلاً بين 1931 و 2017، وبالتالي فإن كينيث براناه يحمل الرقم 13، ونأمل ألا يكون الرقم مشؤوماً، إذ أن تقدير فيلمه "جريمة على قطار الشرق السريع" لم يتجاوز 6.8 درجات فقط. أبدعت أغاثا كريستي كمية هائلة من الروايات والقصص البوليسية، تصدى لحل ألغاز معظمها إما المحقق البلجيكي هركول بوارو، أو العجوز الذكية مس ماربل. كتبت كريستي أيضاً بضع أعمال نادرة من دون وجود أي من هذين البطلين، مثل "عشرة هنود صغار"، التي أنتجت سينمائياً وتلفزيونياً عديداً من المرات، ومثل مسرحيتها التي تعرض في لندن منذ 65 عاماً حتى الآن: "مصيدة الفئران".

هناك أكثر من فارق بين سيناريو فيلم 2017 الذي ألفه مايكل غرين (صاحب سيناريوهات "لوغان"، "بليد رنر" و"المصباح الأخضر")، وسيناريو فيلم 1974 الذي ألفه بول ديهن (صاحب "الإصبع الذهبية"، "ليلة الجنرالات"، وعديد من أفلام "كوكب القرود")، الفارق الأهم هو في زيادة جرعة التشويق الحركي في الفيلم الجديد، وإن كان الفضل في حبكة الفيلمين البارعة يعزى من دون شك إلى موهبة أغاثا كريستي، التي تعتبر أغزر كاتبة أدب بوليسي على الإطلاق في التاريخ من حيث إقبال المنتجين على صنع أفلام سينمائية وتلفزيونية، بل ومسرحيات، مقتبسة عن رواياتها. يليها في ذلك سير آرثر كونان دويل وقصص بطله الشهير شرلوك هولمز.

يبدأ فيلم "جريمة على قطار الشرق السريع" (2017) بمشهد لم يرد في الفيلم الأقدم. نرى ثلاثة متهمين بسرقة صندوق أثري ثمين ومقدس يمثلون أمام "حائط المبكى" في القدس أمام الجماهير الثائرة، هم قسيس وحاخام وشيخ. أما المحقق الذي استدعي لحل اللغز واكتشاف الفاعل فليس سوى هركول بوارو وقد تضخم شاربه وصفف بطريقة غريبة ولافتة للنظر. سرعان ما يعلن بوارو أن السارق ليس أياً من أولئك الرموز الدينية الثلاثة، وإنما هو الضابط البريطاني المسؤول. ما يلبث الضابط البريطاني أن يفر هارباً فيثبت أنه السارق، لكنه يصطدم خلال ركضه بعصا بوارو التي غرسها في أحجار جدار المبكى، ويلقى القبض عليه لينال عقابه. يا له من مشهد غريب المغزى والدلالة فعلاً، جاء في زمن ليس بعيد عن ذكرى "وعد بلفور"! إنها افتتاحية رمزية مبتكرة للفيلم قبيل الانتقال بحراً على متن قارب، والوصول إلى اسطنبول حيث سينطلق قطار الشرق السريع منها بركابه عبر كرواتيا (يوغسلافيا سابقاً). يعلق القطار في الطريق بسبب انهيار الثلوج، وترتكب فيه جريمة قتل ثري أمريكي باثنتي عشرة طعنة في جسده، ويُكلَّف هركول بوارو من صديقه مسؤول السكك الحديدية بحل اللغز واكتشاف القاتل بين اثني عشر راكباً تحوم حولهم الشكوك. لا شك أن معظم الجمهور يعرف سر تلك الجريمة، فكثير قرأوا رواية أغاثا كريستي، ومعظم من لم يقرأها سبق أن شاهد أحد الأفلام السابقة التي أنتجت عنها. لكن المشوق والممتع يبقى معالجة هذا المخرج أو ذاك، هؤلاء الممثلين أو أولئك، لتفاصيل الحكاية المشوقة.

بالرغم من براعة تصوير هانز زامبرلونكوس الذي صور الفيلم بعدسة 65 مم بناء على طلب المخرج الذي سبق أن فعل ذلك في فيلمه الشكسبيري "هاملت"، ليعرض بتقنية 70 مم التي تمنح نقاءاً للصورة على الشاشة الفضية، وبالرغم من مونتاج نيك آندسلاي المتقن وموسيقا باتريك دويل الرائعة، فإن البطل الحقيقي في الفيلم هو التمثيل. وبالرغم من أن فيلم 1974 القديم ضم نجوماً مثل لورين باكال، فانيسا ريدغريف، ريتشارد ويدمارك، شون كونري، إنغريد برغمان، أنتوني بيركنز وجون غيلغود، فإن فيلم 2017 ضم نجوماً لا يقلون مستوى وبراعة، نذكر منهم ميشيل فايفر، بنيلوبي كروز، جودي دنش، جوني ديب، ديريك جاكوبي، ويلم دافو، إضافة لعدد من المواهب الشابة الصاعدة بسرعة وجدارة، تتصدرها الممثلة اللامعة ديزي ريدلي، الممثل الأسود لسلي أودوم جونيور وجوش غود. يقودنا هذا إلى التساؤل التالي المشروع: ما هو مدى نجاح كينيث براناه في تقمص شخصية المحقق البلجيكي الشهير هركول بوارو؟ وكيف يقارن بالنجوم الآخرين الذين أدوا هذه الشخصية؟ أعترف أنني - بغض النظر عن موهبة ألبرت فيني المشهود له بها في أفلام عديدة أخرى – لم أجده جذاباً ومقنعاً في أدائه اليتيم لشخصية هركول بوارو. يحكى أن أغاثا كريستي نفسها علقت منتقدة شاربه بإيحاء ذكي يوم حضرت عرض فيلم 1974، وربما من الطريف أن جزءاً كبيراً من انتقاد معجبي أغاثا كريستي انصب على شارب كينيث براناه في دور بوارو. لكن، دعونا لا ننسى نظرية أعظم ممثلي المسرح في القرن العشرين لورنس أوليفييه، (الذي جسد كينيث براناه شخصيته في فيلم "أسبوعي مع مارلين"،) حين قال إنه ينطلق في تجسيد أية شخصية من الأنف، وهذا سر تفوقه في أداء شخصية ريتشارد الثالث. أعتقد أن براناه في هذا اتبع طريقة أوليفييه، لكنه انطلق من تجسيد الشخصية من الشارب.

سبق أن نال ممثلان ممتازان لشخصية هركول بوارو الإعجاب والنجاح. الأول هو بيتر أوستينوف، الذي أضفى طرافة وخفة ظل على الشخصية، مثيراً الابتسام - إن لم نقل الضحك - في سلسلة من الأفلام الجماهيرية. أما الثاني، فهو ديفيد سوشيت، الذي جسد الشخصية عبر سلسلة أفلام تلفزيونية طويلة بين عامي (2013-1989)، وكان متميزاً بجديته المفرطة وغرابة أطواره. لا شك أن نجاح هذين الممثلين الكبيرين في سلسلة من الأفلام يعقد الأمر أمام كينيث براناه. هل يفعل مثل روان أتكينز حين تخلى عن شخصية مستر بين الكوميدية المحببة وتقمص شخصية بطل جورج سيمنون المفتش ميغريه؟ أم يفعل مثل كثير ممن تصدوا لأداء شخصية شرلوك هولمز، فأضفى كل منهم طابعه الشخصي على الشخصية؟ إذا كان لكل ممثل لعب دور هركول بوارو سمته الغالبة الخاصة، فإن سمة كينيث براناه المختارة هي إنسانيته. أحسن براناه الذي أخرج 21 فيلماً حتى 2017 إدارة نفسه كممثل في فيلم "جريمة على قطار الشرق السريع". بدأ براناه الإخراج السينمائي انطلاقاً من الشكسبيريات ولعب الأدوار المحورية فيها، مثل "هاملت"، "جعجعة بلا طحن"، "خاب سعي العشاق"، "ماكبث" و"هنري الخامس"، ثم انتقل لإخراج أفلام سينمائية مختلفة الأنواع، نذكر منها "جاك رايان: عميل الظل"، "ثور" و"سندريللا". تدريجياً، حرص كينيث براناه على تمويه خلفيته المسرحية بمشهدية سينمائية مبهرة، وأدار بعض بطلات وأبطال فيلمه الجديد هذا - مثل جوني ديب، ميشيل فيفر، بنيلوبي كروز، وحتى الممثل المسرحي ديريك جاكوبي - ليؤدوا بأسلوب سينمائي خالص. لكن بعض لمسات الحضور المسرحي هو، في الواقع، ما أغنى أداء هؤلاء الممثلين جميعاً، وبالأخص كينيث براناه نفسه في تجسيده شخصية هركول بوارو فيما بدا فاتحة لسلسلة جديدة مقتبسة عن روائع أغاثا كريستي، إذ أن بوارو يستدعى في اللقطة الأخيرة من الفيلم لحل لغز "جريمة على النيل".

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG