Accessibility links

فلنطرد من مشرقنا "كاسيوس" الذي لا يحب الموسيقى


جوقة الفرح الدمشقية

بقلم مالك العثامنة/

بيني وبين المعارض الأردني اللاجئ سياسيا في السويد الصحفي علاء الفزاع، تواصل على الإنترنت شبه دوري، ولم أكن أعرف علاء قبلا في الأردن، جمعتنا أوروبا هو حيث هو، وأنا حيث أنا في القارة البيضاء.

علاء معارض أردني شرس، وأذكر أول اتصال بيني وبينه حين قلت له، إن أوروبا كفيلة بتهذيب غضبه، وكل ما عليه أن يفعله أن يستمتع وأن يستمع إلى كثير من الموسيقى.

بالأمس، وقبل أن يبث حلقة من حلقاته الثورية المباشرة على موقع فيسبوك، كان لديه من الوقت ما يكفي ليرسل لي عبر الإنترنت، فقرة موسيقية أذهلته وسحرته، والفقرة هي لجوقة الفرح الدمشقية، وهي تغني في حفل خاص تكريما لفيروز والرحابنة كان اسمه "وسع السما"، وهي تسمية موفقة لحفل فيروزي يجعلك تشعر بكل هذه السعة بحجم السماء في صدرك ووجدانك.

فرقة جوقة الفرح الدمشقية، فرقة انطلقت عام 1977 بحوالي خمسين طفلا من مختلف الطوائف المسيحية بهدف تأدية أغاني الفرح وتراتيله في أعياد الميلاد المجيدة، واليوم هي فرقة محترفة مكتملة الأداء تضم 500 عضو من عمر سبع سنوات إلى سبعين سنة.

الجوقة التي بدأت من منصة انطلاق مسيحية في تعريف هويتها الذاتية، لم تتقوقع على المعتقد والدين، بل جعلت من مبادئ مسيحيتها المشرقية بمثابة رسالة ثقافية إنسانية، فإلى جانب هدفها المعلن بإحياء الطقوس الكنسية البيزنطية والمحافظة عليها ونشر ترانيمها، وهي مهمة أراها وطنية في مشرقنا العربي وبلاد الشام تحديدا، فجوقة الفرح الدمشقية أيضا تسعى لإحياء ترانيم دينية عربية عامة تخاطب كل مؤمن بالله إلى جانب إحياء التراث الموسيقي العربي. وفي أهدافها المعلنة وأدبياتها المنشورة تهدف جوقة الفرح في المحصلة إلى إنشاء خط يتبنى قضايا الإنسان عامة والإنسان العربي خاصة بإنشاد ما يعود له من حقّ في الحياة والكرامة والحرية والفرح.

لا أعرف جوقة الفرح بشكل شخصي، وكل ما أعرفه قراءات استطعت الحصول عليها من هنا وهناك، كمعجب بالموسيقى التراثية المشرقية العربية، وتقديمي لها بهذا الشكل ترويج للموسيقى التي نحتاجها لتهذيب كل هذا الغضب الكامن فينا وفي جغرافيا حلت عليها لعنة المقدس المنغلق، وقد نسيت تلك الجغرافيا أنها أصل كل مقدس منفتح على الإنسان.

وفي موسم الأعياد الذي نعيشه في أوروبا، أجد في تلك الموسيقى المنتشرة في كل مكان ابتهاجا بالموسم، حالة فرح لابد من إعادة إنتاجها في المشرق العربي من جديد.

يوجعني كمشرقي قادم من بلاد قدمت للعالم أوراق اعتماد الإيمان بمختلف صياغاته الدينية، كما قدمت للعالم فنون الموسيقى بأبهى اكتمالها الشرقي، أن أجد فرقا موسيقية عربية أو فنانين عربا يتم الاحتفال بهم بكل فرح في كل أنحاء الكوكب، بينما هم في عالمنا العربي أسرى صناعة ترفيه تلفزيوني لا أكثر، فلا يجدون مسارح ولا منصات مفتوحة لتقديم كل هذا الفرح.

وأذكر جيدا مثلا، أن فنانة ملتزمة و مثقفة مثل مكادي نحاس، ألهبت مسارح بروكسل وغنت وأمستردام بتقديمها تراث الشام والعراق وبحفلات مشتركة مع فرق ومغنين أوروبيين، لكنها لم تستطع اختراق حملات العلاقات العامة في كارتيل صناعة الترفيه العربي الخاضع لتدمير الذوق الفني برمته، ومثل مكادي نحاس كثيرون.

جوقة الفرح الدمشقية التي تهدف إلى الانفتاح، دأبت منذ مطلع الألفية على مبدأ مشاركة أمسيات إخاء مسيحي إسلامي مع رابطة منشدي مسجد بني أمية، التي أسسها المرحوم الشيخ حمزة شكور، أحد أهم المنشدين الصوفيين والذي وجد في الأب إلياس زحلاوي مؤسس جوقة الفرح تلك الشراكة في نشر البهجة والفرح.

لقد أنفقت ملايين من الأموال وسفحت كثير من غالونات الحبر في مشاريع حوار الحضارات والأديان، وحتى اليوم لا نجد نتيجة حقيقية ملموسة في هذه الحوارات يمكن التعويل عليها بقدر ما نجدها في مشاريع الموسيقى التي توحد اللغات وتعيد الإنسان فينا إلى الواجهة بكل إنسانيته.

كنت أحدث الأصدقاء دوما عن طرفة صادفتها في الأردن حين كنت مع سائق تاكسي متدين تعاقدت معه لفترة لقضاء مشاويري، وكان يوقف سيارته وأنا فيها لأداء الصلاة في المسجد ويعتز بلحيته التي أطلقها هديا بالسنة، لكنه لم يتوقف أبدا عن الاستماع للسيدة فيروز طالما كانت سيارته على الطريق. والأطرف أنه كان يحب الاستماع بشغف لأغنية السيدة (لا تهملني لا تنساني يا شمس المساكين)، وحين أخبرته مرة أن الأغنية ترنيمة مسيحية تخاطب فيها السيدة بروحانية صوفية مذهلة يسوع المسيح، نظر إلي ومسح لحيته وقال: لقد جعلتني أحب الأغنية أكثر يا أستاذ.

لا أعرف شيئا عن السائق المذكور الآن، وكل ما أتمناه أن لا يكون القهر وبؤس العيش قد تملكا روحه فانصاع لحديث منابر العتمة، واستبدل موسيقى السيدة بخطابات الجهل والإقصاء والدم، لكن يظل رهاني على أن الروح التي تأسست على حب الموسيقى فيها بذرة حياة عصية على الموت.

لقد عبر سيد المسرح الإنكليزي وليام شكسبير عن عظمة تأثير الموسيقى في رائعته التاريخية الخالدة "يوليوس قيصر" وتحديدا في حوارية بين قيصر وربيبه أنطونيوس يستعرضان فيها أسماء من يمكن أن يتورطوا في اغتيال القيصر، فتوقفا عند اسم كاسيوس، الذي بنى المؤامرة فيما بعد، وسبب الاشتباه بكاسيوس حينها كان بسيطا وعميقا، كان كاسيوس مشروع متآمر وقاتل، لأنه ببساطة لا يحب الموسيقى!!

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG