Accessibility links

في ظلال أربعة ملوك... الجماعة والنظام في الأردن


مقر جماعة الإخوان المسلمين في الأردن بعد إغلاقه بالشمع الأحمر الأربعاء.

بقلم عريب الرنتاوي/

السؤال حول راهن العلاقة بين النظام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين ومستقبلها، لا يغيب عن ساحات الجدل والسجال السياسي في الأردن، حتى يقفز إلى السطح من جديد... ولقد عاود هذا السؤال ظهوره بقوة في السنوات الخمس الفائتة، بعد سقوط نظام الرئيس الإخواني محمد مرسي في مصر منتصف العام 2013، ومع اشتداد حملات الاستهداف التي تعرضت لها الجماعة من قبل محور عربي وازن (السعودية، مصر والإمارات)، وهي دول حليفة للأردن، وصديقة للولايات المتحدة والغرب عموما.

إن فهم راهن هذه العلاقة، وسبر أغوار مستقبلها، غير ممكنين، من دون العودة إلى جذورها وبداياتها ومراحل تطورها، حيث تعاقب أربعة ملوك على حكم الأردن، منذ أن تم الترخيص للجماعة بمزاولة نشاطها في عهد الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، بعد أن استقباله وفودا من الجماعة الأم في مصر أواسط أربعينيات القرن الماضي، ورعى بنفسه افتتاح المقر الرئيسي للجماعة في وسط العاصمة الأردنية، ودشن مع الجماعة لـ "شهر عسل" طويل، سيستمر لقرابة الخمسة عقود.

كان من المفهوم تماما، أن تسعى الجماعة لتوسيع نطاق انتشارها ونفوذها، وهي التي نشأت في أعقاب سقوط الخلافة، وربما كبديل عنها، أو ساع لاستعادتها، لكن قلة من المراقبين، بحثوا في الدوافع التي حفزت الملك المؤسس لاحتضان الجماعة وفتح أبواب الأردن أمام نشطائها ونشاطاتها. في ظني أن الملك، ذي الخلفية الدينية، الذي استند في "شرعيته الدينية" إلى "النسب الهاشمي الشريف"، وجد في الجماعة، حاملا اجتماعيا لتطلعاته وطموحاته، في استعادة حكم الهاشميين على المشرق العربي، بعدما نكثت بريطانيا بعهدها لوالده بتمكينه من حكم هذه البلاد على اتساعها، إثر نجاح الثورة العربية الكبرى في إنهاء حكم العثمانيين عليها في العام 1916.

جاء "الربيع العربي" بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فالجماعة أظهرت حماسة فائضة لانتصارات الإخوان في عدة أقطار عربية

كانت أنظار الملك المؤسس، وفقا لما تقول الوثائق البريطانية على نحو خاص، تتجه لاستعادة الحكم الهاشمي على سورية، ومد سلطانه إلى فلسطين التي كانت تقترب من لحظة الصدام الكبرى بين الحركة الوطنية الفلسطينية والحركة الصهيونية. ووجد الملك في الجماعة، حاملا شعبيا اجتماعيا مناسبا تماما، فالجماعة التي نشأت على مفهوم "الأمة الإسلامية"، لم تكن معنية بمسألة الهويات الوطنية والقومية، ولا تعترف بحدود بين الدول العربية أو الإسلامية على اتساعها، ووجدت في طموحات الملك، ما يمكن أن يخدم أهدافها في "جمع شمل الأمة"، بصرف النظر عن هوية الحاكم، أو طبيعة نظام الحكم، طالما أن هدفها النهائي هو العودة إلى نظام "الخلافة الإسلامية الراشدة".

اقرأ للكاتب أيضا: هل يستطيع أردوغان أكل نصف الرغيف والاحتفاظ به كاملا؟

وسيتمدد شهر العسل الذي استمر منذ التأسيس حتى لحظة انتقال الملك في الأردن، إلى الملك طلال، ومن بعده إلى الملك الحسين، والذي سيتزامن وصوله إلى العرش، مع سلسلة من الانقلابات العسكرية والثورات في العالم العربي، التي ستأتي بأنظمة ثورية في كل من مصر وسورية والعراق، ولاحقا في جنوب اليمن وليبيا، متحالفة مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، زمن الحرب الباردة. وسيتعزز التحالف بين النظام السياسي الأردني وجماعة الإخوان في مواجهة "التهديد المشترك" سواء من قبل الشيوعيين والناصرين والبعثيين والقوميين على المستوى المحلي والإقليمي، أو من قبل الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي على المستوى الدولي.

وسيجد الملك حسين، كما وجد جده الملك عبد الله الأول، في جماعة الإخوان المسلمين، حليفا موثوقا في مواجهة نزعات الاستقلال و"تقرير المصير" التي سادت أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية، قبل العام 1948 بقيادة الحاج أمين الحسيني، وبعد أواسط الستينيات بقيادة ياسر عرفات على رأس منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، عامودها الفقري.

وفي المقابل، ستحصد الجماعة بنتيجة هذا التحالف، مكاسب عميقة، وسيترك لها المجال رحبا لتعزيز نفوذها وقواعدها الشعبية، وإرساء بنية تحتية صلبة لهذا النفوذ، متمثلة في شبكة المدارس والمعاهد والجامعات وشبكات اجتماعية وصحية، وستفتح لها أبواب وزارة التربية والتعليم، وسيطلق لها العنان في الجامعة الأردنية (الجامعة الوحيدة آنذاك)، وستتحول جمعية المركز الإسلامي، إلى واحدة من أهم الأذرع الدعوية والاجتماعية للجماعة، قبل أن تضع الحكومة يدها على الجمعية في العام 2006.

بانتهاء الحرب الباردة، وسقوط المعسكر الاشتراكي، وتآكل "الأنظمة والحركات الثورية في العالم العربي" وتراجع مكانة منظمة التحرير والحركة الوطنية الفلسطينية في أعقاب اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، اهتزت العلاقات واضطربت التحالفات، بين كثير مما يسمى بـ "دول الاعتدال العربي" والجماعات الإخوانية في بلدانها، لكنها في الحالة الأردنية، حافظت على استمراريتها. فالجانب الرسمي والإخواني في الأردن، اتخذا الموقف ذاته، من حرب الخليج الثانية وغزو العراق للكويت، قبل أن يدخل الأردن في عملية السلام، ويوقع معاهدة وادي عربة مع إسرائيل، لتبدأ العلاقة بالفتور، وليحدث الافتراق المتدرج في التحالف الذي كان قد مضى على نسج خيوطه الأولى، ما يقرب من نصف القرن.

لم يقطع الملك الراحل خيوط الود مع الجماعة، برغم إدراكه العميق، بأن عوامل الافتراق باتت أقوى وأكثر تأثيرا من شبكة المصالح والتفاهمات المشتركة... ظل الملك حسين يراهن على الجماعة بوصفها مفتاحا لاستعادة الضفة الغربية إلى عرشه، في مواجهة الحركة الاستقلالية الفلسطينية، عندما تأتي لحظة إنهاء الاحتلال لها، ووصول قطار السلام والتسوية التفاوضية إلى محطته الأخيرة.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف يتلطى الاستبداد في بلادنا، وبِمَ؟

أبعد من ذلك، فقد احتضن الأردن في عهد الملك الراحل المقر القيادي لحركة حماس، التي كانت نشأت في العام 1987، بوصفها فرعا فلسطينيا للجماعة، وذراعا عسكريا لها، برغم إدراكه العميق، بحجم الفجوة التي تباعد الجماعة والحركة من جهة عن المواقف والسياسات التي ينتهجها الأردن من جهة ثانية...

فالأردن، بقيادة الملك الراحل، كان له دورا رياديا في عملية السلام، وأنجز معاهدة مع إسرائيل، ودعم مسار أوسلو وقيام السلطة، في الوقت الذي كانت فيه حماس، تنفذ أوسع وأكثر العمليات الانتحارية ضد أهداف إسرائيلية، الأمر الذي كان من بين عوامل أخرى، سببا في انهيار هذه العملية على المسار الفلسطيني.

سيكون قرار إغلاق مكاتب حماس في عمان وإبعاد قادتها إلى قطر، من بين أول القرارات التي صدرت عن أول حكومة في عهد الملك عبدالله

سعت الجماعة للإبقاء على موطئ قدم لحماس في الأردن، حيث أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين، وعلى مبعدة كيلومترات قليلة من الضفة الغربية المحتلة، في حين كان الملك يراهن على "تدوير الزوايا الحادة" في مواقف الحركة والجماعة على حد سواء، وإن كان رهانه الأصلي ظل منعقدا على ما يمكن أن تقدمه الجماعة بفرعيها، الفلسطيني والأردني من خدمات، حين تحين لحظة القرار بشأن مستقبل العلاقة بين الضفة الغربية والأردن.

فالملك الراحل، الذي ورث حكم الضفتين، ظل يتطلع حتى آخر أيامه، بعودة الأمور إلى نصابها، قبل الاحتلال وقبل قيام منظمة التحرير، بالرغم من قرارات قمة الرباط 1974 والاعتراف العالمي بمنظمة التحرير وقرار فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية 1988.

لكن "العروة الوثقى" التي ربطت الجماعة بالنظام السياسي الأردني في عهد أول ثلاثة ملوك تعاقبوا على عرش المملكة، ستتخلخل بعد أشهر قلائل من تولي الملك عبد الله الثاني مقاليد الحكم في البلاد في العام 1999.

وسيكون قرار إغلاق مكاتب حماس في عمان وإبعاد قادتها إلى قطر، من بين أول القرارات التي صدرت عن أول حكومة يشكلها الملك في بواكير عهده الجديد. وستدخل العلاقة بين النظام والجماعة، طورا جديدا، مغايرا تماما، حيث سيحل النفور والتباعد محل التعاون وتبادل المنافع والخدمات، وسيحل "انعدام الثقة" محل "شراكات" الحرب الباردة ومرحلة صعود المنظمة وفصائلها.

ويمكن القول بقليل من المجازفة، بأنه ومنذ ذلك التاريخ، ندر أن تجد "موقفا مشتركا" بين النظام والجماعة، حيال أي من الملفات الكبرى في السياستين الداخلية والخارجية الأردنية...

الأردن دعم السلطة والمنظمة، من على قاعدة جديدة: "الأردن أردن، وفلسطين فلسطين"، فيما الجماعة تموضعت في خندق حماس و"المقاومة الإسلامية"، والأردن دعم العملية السياسية في "عراق ما بعد صدام"، فيما الجماعة ذهبت حد تخوين وتكفير من شارك فيها، ونظرت للوجود الأميركي في العراق بوصفه احتلالا يستوجب المقاومة...

والأردن دعم تحالف 14 آذار في لبنان المتشكل بعد جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، فيما الجماعة وقفت إلى جانب تحالف 8 آذار بقيادة حزب الله إلى أن اندلعت الأزمة السورية، حيث افترق الطرفان...

والأردن دعم التغيير في مصر في أوساط 2013، وتحالف مع نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، فيما الجماعة تقف كلية إلى جانب الجماعة الأم، وتتبنى خطابها... والأردن لاعب رئيس في الحرب على الإرهاب، فيما الجماعة تنظر بعيون الشك لمرامي هذه الحرب وأهدافها، وهي وإن كانت لا تدعم الإرهاب وتنخرط فيه مباشرة، إلا أنها لا تفعل شيئا لمحاربته ومقاومته.

لقد جاء "الربيع العربي" بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فالجماعة أظهرت حماسة فائضة لانتصارات الإخوان في عدة أقطار عربية، وصرح زعماء لها، بأنهم ليسوا أقل شأنا من إخوانهم في فلسطين وغزة وتونس وغيرها، وأن الأردن ليس استثناء عن السائد في الحالة العربية. ما قرع نواقيس الخطر في دوائر صنع القرار في المملكة، لتبدأ المواجهة مع الجماعة وحملات التضييق و"الشيطنة" سياسيا وإعلاميا وفكريا، ولتبدأ على مسار مواز، محاولات تفكيكها وتقسيمها، وصولا إلى حظر الجماعة واغلاق مكاتبها، والإبقاء على حزبها السياسي المرخص، حزب جبهة العمل الإسلامي، والسماح له بمزاولة نشاطاته، وفقا لضوابط وقيود صارمة للغاية.

لم يأخذ الأردن، حتى الآن على الأقل، بمقاربة "الإدماج" التي اتبعتها تونس والمغرب في تعاملهما مع حركات الإسلام السياسي، وإن كان لم يأخذ أيضا بالمقاربة "الإقصائية" التي انتهجتها مصر والإمارات والسعودية... المقاربة الأردنية جاءت في منزلة وسط بين هاتين المقاربتين: ممارسة أقصى الضغوط على الجماعة مع إبقاء الباب "مواربا" أمام مستويات معينة من المشاركة، بانتظار أن يعاد النظر جذريا في أسس العلاقة وقواعد اللعبة السياسية في البلاد.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG