Accessibility links

الدولة المدنية في الأردن... حزب قادم للسلطة مع وقف التنفيذ


استطاع التيار المدني من الفوز بمقعدين نيابيين في الانتخابات الأخيرة (أرشيف)

بقلم مالك العثامنة/

هنالك حزب جديد يتم تأسيسه في الأردن.

هذه عبارة أكثر من عادية تشبه إطلاق عبارة "أكل الولد التفاحة"، لولا أن ما يحدث الآن في الأردن بخصوص هذا الحزب "الجديد الذي يتم تأسيسه" تحديدا أكبر من عادي، لتصبح العبارة ربما غير تقليدية لتكون "ابتلعت التفاحة الولد".

تجربتي مع الأحزاب الأردنية كانت تاريخيا مثل الأحزاب نفسها، تجربة بائسة والسبب هو ما آلت إليه الدولة الأردنية من مزيج عشائري ـ إسلاموي في قبضة أمنية غير خفية، أو كما يطلق عليها الدكتور المؤرخ خيري جانبيك: "الأمنقراطية".

كانت الأحزاب الأردنية عموما إما: مرتبطة بشخصية عامة ما ومرتهنة بمزاجه الشخصي، أو مخلفات اليسار التي لا تتفق إلا على كلمة "رفيق" وتترحم بأسى على الاتحاد السوفيتي ونظريات لينين، أو التيار الإسلامي الذي كان الأكثر تنظيما كتيار يجمع "أخوية دينية ـ مصلحية" أكثر منه حزبا ديموقراطيا ببرامج إصلاح تسعى لتطبيقها في الحكم.

لكن، منذ بدايات الصيف الماضي، وأنا مشتبك مع الصديق الصحفي رمزي خوري في حوارات طويلة لساعات أحيانا، ينقل لي فيها تفاصيل حالة ولادة نوعية جديدة منبثقة عن تيار سياسي رافق الانتخابات النيابية الأخيرة في الأردن، واستطاع هذا التيار الذي يريد بشدة أن يصل إلى الدولة المدنية أن يحصل على مقعدين في البرلمان.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

يخبرني الأصدقاء من العاصمة الأردنية عمان، أن آخر الاجتماعات التأسيسية لحزب أردني قادم، يطالب بالسلطة من خلال أدوات الديموقراطية، قرر مؤسسوه وأغلبهم من الشباب من كل الأطياف والمستويات، أن يلغوا الألقاب بالمطلق، رغم أن بين المشاركين في الاجتماعات أصحاب ألقاب علمية مثل الدكتور فلان أو ذوات يحملون ألقابا فخرية مثل معالي فلان، واتفق المجتمعون وطبقوا الاتفاق ـ وما زالوا ـ أن ينادى على الجميع باسمه الأول... هكذا بدون حفظ الألقاب بل رميها في سلة مهملات خارج مكان الاجتماع.

إقرأ للكاتب أيضا: هل كانت 'سايكس ـ بيكو' اتفاقية تقسيم للعرب فعلا؟

لكن هل يكفي هذا لبناء حزب حقيقي في بلد استطاعت السلطة فيه أن تجعل الأحزاب فكرة خاوية إلى حد أن النقابات المهنية ملأت فراغ الحياة السياسية وتحولت من هيئات تنظيم للمهن إلى ساحات سياسية يتنافس على قياداتها مختلف ألوان الطيف السياسي القومي والإسلامي؟

كثير من المؤشرات تشير إلى أن الملك الأردني عبد الله الثاني يقف خلف فكرة الحزب المدني الجديد

"الدولة المدنية تصون المعتقدات" هكذا بدأ مروان المعشر حديثه معي في مكالمة هاتفية بين بروكسل وواشنطن حول ما يحدث في عمان. والمعشر، ابن العائلة المسيحية الأردنية العريقة، هو نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق وأحد أعيان الملك السابقين ونائب رئيس البنك الدولي للشؤون الخارجية والذي يشغل حاليا منصب نائب رئيس مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يعتبر أحد عرابي الحزب متعدد الرؤوس بلا رأس منفرد. ويضيف المعشر أن الحزب المنوي تأسيسه على أساس تيار الدولة المدنية هو أول محاولة جادة وواقعية لترجمة الأوراق النقاشية التي دونها الملك وأطلقها للنقاش، خصوصا الورقة السادسة. ويوضح السياسي الأردني أن المدنية الديموقراطية التي يدعو إليها الحزب هي ببساطة مفردتين متلازمتين تعنيان بوضوح سيادة القانون على الجميع وتوازن السلطات.

حماس المعشر للحزب ومستقبله كتنظيم طامح لتولي السلطة وخوض الانتخابات بناء على برامج حقيقية للحكم، لم يكن ذات الحماس عند النائب السابق والكاتب السياسي جميل النمري الذي كان لديه حذر في استقطاب كل مكونات المجتمع الأردني للحزب الوليد، لكنه يرى في حديث هاتفي متصل بالسياق نفسه أن إنشاء الحزب الجديد يعيد ترتيب المساحة الحزبية من أجل الانتخابات المقبلة.

النمري المتحمس لفكرة التحالف المدني أكثر من الحزب في المرحلة الراهنة، يقول إنه كان يملك حدسا بأن فكرة التحالف المدني ستكون جاذبة. مؤكدا أنه وسبق واشترك في مشاريع توحيدية سابقة للتيار الديموقراطي لم تنجح في تحقيق الاختراق المطلوب.

أما مشروع التحالف المدني ـ برأي النمري ـ فيبدأ من الصفر متوجها إلى الأغلبية الساحقة من الشباب التي ليس لها أي تاريخ حزبي وتحت عنوان واحد مختصر ومركز هو الدولة المدنية.

النمري الحذر بطبعه، لم يخف هذا الحذر في حديثه معي، قائلا إن التوجه إلى الشباب لا يعني إهمال بقية شرائح المجتمع، فيجب أن يشعر الجميع بأن فكرة الدولة المدنية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية هي في مصلحته. ويستطرد النائب السابق والسياسي ذو الخلفية اليسارية، بأن فكرة الدولة المدنية تجذب مباشرة الفئات التي تخاف من التمييز والتمايز تحت أي عنوان ولديها هاجس المواطنة المتساوية بغض النظر عن الانتماءات الفرعية الدينية أو الجهوية أو الديموغرافية. والتحدي برأيه، هو في أن تكون الفكرة جاذبة للجميع وأنها في مصلحة الجميع باستثناء الفئات المستفيدة من الأوضاع السابقة والآليات القديمة لإدارة السلطة، والتي تعارض الإصلاح عموما.

يشكل وجود حزب مدني مواز للتيار الإسلامي ويخوض الانتخابات المقبلة، حلا مناسبا لأزمات المملكة والعرش

تحذيرات النمري (والذي كان دبلوماسيا في حديثه إلى أقصى حد) محقة في رأيي وفي محلها، خصوصا أمام خندقة قبائلية تقوقعت داخل مؤسسة العشيرة بدعم "مخابراتي" وإسناد قوى سياسية محافظة، جعلت الأردنيين من شرق النهر يبحثون في ملاذات العشيرة عن سواتر ترابية وهمية في مواجهة أوهام الوطن البديل المفترض، وكل ذلك في سياق إثارة نزعات إقليمية جعلت الفلسطيني خصما على الدوام في دولة تبحث عن "مدنيتها" عبر توزيع الأرقام الوطنية وسحبها ـ لتسقط المواطنة عن كل من لا عشيرة له ـ وحسب المزاج الأمني.

انتهى حديث النمري وقد وضع أمامي تساؤلات توالدية جعلتني أتصور ولادة مبكرة ربما للحزب. ولتكون هذه الولادة طبيعية، ونرى مولودا بصحة جيدة، يجب أن يسبقها ترتيبات سياسية واجتماعية، وهو ما يجعل من فكرة أن يأخذ التحالف المدني مداه الطبيعي في المجتمع بدون بتره مبكرا ويتحول إلى حزب فكرة منطقية وواقعية.

إقرأ للكاتب ايضا: ربيع أميركا الثوري: تكريس فكرة نعي التاريخ ودفنه في متحف!

كثير من المؤشرات تشير إلى أن الملك الأردني عبد الله الثاني يقف خلف فكرة الحزب المدني الجديد، أو على الأقل تتقاطع مصلحته كملك يحافظ على إرث العرش مع مصلحة الدولة المدنية ضمن محيط من المعطيات المحلية والإقليمية التي تجعل وجود حزب مدني مواز للتيار الإسلامي ويخوض الانتخابات المقبلة مقابله، حلا مناسبا لأزمات المملكة والعرش. ولعل ما يعزز ذلك هو أن الملك نفسه شخصية حداثية، رغم أن التعديلات الدستورية التي جرت في عهده قبل سنوات وزادت من صلاحياته الدستورية في التعيين والعزل تطرح تساؤلات كثيرة عما إذا كان الملك يبحث عن دور كشيخ مشايخ قبيلة أو كرأس لدولة مدنية.

الملك نفسه حسم السؤال بجواب من لدنه، في لقائه الأخير بطلاب الدراسات الدولية في الجامعة الأردنية، وأشار بوضوح لا التباس فيه أنه يسعى لانتخابات قادمة تشارك بها الأحزاب، مضمنا ملاحظاته ما يكفي من إشارات إلى التيار المدني كحزب يفترض الملك نفسه وجوده في الساحة السياسية.

ولأن الملك ـ كأي وريث عرش لسلالة ملكية ـ هو شخصية لا تتبع المنهجية السياسية بل مهمته دوما أن يحافظ على إرثه وملكه فإن الرهانات تظل على شخصيته الحداثية كطوق نجاة يسعف تيار الدولة المدنية في الأردن ويحملها إلى بر... السلطة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG