Accessibility links

موعد مع الطائرة في ليلة رأس السنة


مراسل الحرة مع الفرقاء السودانيين

بقلم رابح فيلالي/

ثمة أحداث تعلق في الذاكرة بعيدا، حتى وإن مر عليها كثير من الزمن، بل ربما قد تجدها مقيمة في ذاكرتك بصفة يصعب الخلاص منها بسهولة.

في ذلك الشتاء كان العالم يحتفل بقدوم عام 2005 الجديد ويودع عاما مزدحما بالأحداث في تلك الفترة من تاريخه. وكان الناس يأملون رؤية عام أفضل من الذي سبق خاصة وأن الأيام الأخيرة من ذلك العام قد حملت للعالم صورا مؤلمة جدا من ذلك التسونامي الذي أحزن مدنا وأغرق بلدانا كاملة في بحار من المياه وأفقد آلافا حياتهم وبيوتهم وكل ما يملكون في الحياة وجعل من ذلك العنوان الرئيسي لكل قنوات الأخبار في كل جزء من العالم.

كان هذا المشهد في آسيا، وفي ذلك المشهد الذي كنت أعمل على الشهادة على تحوله التاريخي في مكان آخر من العالم وتحديدا في قلب إفريقيا عندما اجتمع الفرقاء السودانيون للتفاوض على مشروع اتفاق للسلام بين الشمال والجنوب بهدف إنهاء أطول حروب القارة السمراء والتي استمرت لنصف قرن من الزمن ونيف وأضاعت هي الأخرى آلافا من الأرواح والكثير من الممتلكات وشردت الملايين من الجنوبيين باتجاه دول الجوار وجعلت من الحياة في بلد مزدحم الثروات والخيرات كالسودان مطاردة يومية مستحيلة للحياة والعيش عند حد الكفاف بالنسبة لمواطنيه والسبب في كل ذلك هو تلك الحرب في الجنوب.

عدت من نفاشا تلك الضاحية السياحية التي تقع على مسافة ليست قصيرة من العاصمة الكينية نيروبي والتي كان الطريق إليها محفوفا دائما بمخاطر ومتعة التفرج على تلك الحيوانات البرية التي تقطع مسافات هائلة بحثا عن غذائها.

عدت من نفاشا بعد أسابيع طويلة من الجري وراء أخبار التفاوض الشاق إلى نيروبي بحثا عن مكان لأخد قسط من الراحة قبل العودة إلى الضاحية السياحية مرة أخرى لأن الاتحاد الإفريقي لم يكن يسمح لأي شخص من غير وفدي التفاوض بالدخول الى المنتجع السياحي فما بالك بالإقامة هناك.

كل ذلك طبعا قبل أن أعود مرة أخرى إلى مقر المفاوضات للشهادة على توقيع مراسيم الاتفاق النهائي بين الأشقاء الغرماء السودانيين.

بدا الوقت يضيق جدا أمام الجميع فالجنوبيون كانوا يحرصون أن يزفوا لمواطنيهم في الجنوب أخبارا سارة بمناسبة الاحتفال بأعياد الميلاد وبداية العام الجديد والشماليون بدوا مكرهين على الذهاب في هذا الخيار خاصة وأن كل أبناء السودان ولدوا وكبروا على فكرة السودان أكبر بلدان أفريقيا بشماله وجنوبه متحدين والوسطاء الدوليون من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الإيجاد والاتحاد الإفريقي بات جميعهم منشغل بإمكانية العودة إلى ديارهم للاحتفال مع ذويهم قبل الشهادة على أكبر اتفاق سلام في تاريخ إفريقيا خاصة وأن وزير الخارجية الأميركي حينها كولن باول أكبر وسيط بين طرفي الحرب في السودان وأكبر المانحين والضامنين للاتفاق لم يكن بإمكانه حضور الاحتفال في هذا التوقيت.

ضاق الوقت وشعر المفاوضون داخل ذلك المركب السياحي الأنيق بضغط إضافي وهم يحاولون وضع اللمسات الأخيرة على ملامح اتفاق يؤمن الطرفان صمتا أنه سيرسم صورة السودان الجديد وربما ستكون له انعكاساته على كامل القارة لاحقا.

عندما كنت أتناول العشاء في أحد فنادق العاصمة نيروبي مع بقية الزملاء المراسلين هاتفني عضو فريق التفاوض الجنوبي ياسر عرمان باتصال يبلغني فيه بتوصل الطرفين إلى اتفاق نهائي وأنه في هذه الساعات القليلة تم تسليم النص النهائي للوسيط الكيني في المفاوضات وأن الساعات الأولى من الصباح الموالي ستكون التوقيت المناسب لإعلان التوصل لاتفاق تاريخي لإنهاء الحرب في جنوب السودان.

أبلغت المحطة في واشنطن بهذا التطور المتسارع في نيروبي ولكن فرحتي بهذا السبق الصحافي لم تدم طويلا، والخبر الآخر الذي بلغني في ساعة ليل متأخرة من المفاوضين أن الوساطات الدولية رحبت باستقبال ملف الاتفاق لكن الاحتفال الرسمي لن يكون قبل بداية العام الجديد لاتفاق بين المعنيين يقضي بأن ينصرف الجميع إلى عائلاتهم على أن يحدد تاريخ آخر للاحتفال الرسمي بهذا المنجز التاريخي في مطلع العام الجديد.

السؤال لدي كان مختلفا تماما إن كان من الممكن لي أن اغادر إلى واشنطن في نفس الليلة وأعود بعد أيام إلى نيروبي إلا أن الوقت الضيق والمسافة البعيدة دفعت بزميلي المصور الكيني إيمانويل إلى تقديم اقتراح بأخذ قسط من الراحة في نيروبي لأن العاصمة الكينية جديره بالاكتشاف والمتعة بمناظرها الخلابة وانتظار تحديد تاريخ الاحتفال بالاتفاق.

ولأن الحياة لا تتوقف عن الحدوث بالصيغة التي ترغب فيها بصرف النظر عن مواقعنا ومواقفنا منها وفيما أنا أبحث خياري الأفضل مع فريق التصوير تهاتفني زوجتي من واشنطن لتخبرني أن طبيب العائلة أبلغها أن موعد وضع أولى بناتي سيكون في حدود الأسبوع الأول من العام الجديد وأنه سيكون من الضروري جدا، أن أعود سريعا وفي أول طائرة إلى واشنطن.

هاتفت مديري في المحطة على عجل وأبلغته بالطارئ العائلي الذي سيضطرني إلى مغادرة نيروبي في أول طائرة هذا إن كان الحظ بجانبي ووجدت رحلة من نيروبي إلى واشنطن عبر أية عاصمة أوروبية في هذا التوقيت المزدحم من كل عام.

في مطار نيروبي كانت أمامي فرصة واحدة وهي السفر إلى واشنطن على متن الخطوط الجوية البريطانية عبر لندن ولكن كل المواعيد محجوزة سلفا. كان علي أن أسافر في رحلة رأس السنة لأنها الفرصة الوحيدة المتاحة في هذا التوقيت.

"أي حظ هذا؟"، يقول زميلي المصور إيمانويل. "كيف لك أن تكون على متن الطائرة والعالم من حولك يحتفل بالعام الجديد؟". ضحكت عاليا وقلت سيكون شرفا لي أن أنهي العام السابق في أفريقيا وأستيقظ على العام الجديد في أميركا. وهي عادتي في البحث عن أي شيء إيجابي في كل الذي يحدث من حولي في الحياة.

غادرت نيروبي مسرعا على متن الرحلة المتوفرة، وقضيت رأس السنة الميلادية بين مطارات نيروبي ولندن وواشنطن قبل أن أصل إلى بيتي في أول أيام العام الجديد وواشنطن تمتلئ بالألوان الزاهية ابتهاجا بالعام الجديد.

عدت إلى بيتي لأدرك بعض الفرح المتأخر بالعام الجديد وأعيش لحظة انتظاري لقدوم أول طفلة في عائلتي وهو حدث لم يحدث منذ زمن بعيد على اعتبار أن جدتي وعماتي جميعهن قتلن على يد قوات الاحتلال الفرنسي لبلدي الأم الجزائر في منتصف القرن الماضي خلال حرب التحرير.

اختارت ابنتي التوقيت الذي يحلو لها في القدوم فهي تمارس سلوك الأميرات حتى قبل قدومها إلى هذا العالم لأكون مرغما وسط أجواء الفرحة بقدومها المبارك على مراقبة تطورات اتفاق السلام في جنوب السودان كما هو مبرمج له في نيروبي.

تلك مجرد بعض من ملامح حياة مراسل صحفي.

XS
SM
MD
LG