Accessibility links

نورا... حكاية واحدة وآلاف القتيلات


حكاية نورا السودانية تشبه آلاف الحكايا لنساء يقمن في سجون القهر الجسدي والنفسي

بقلم سناء العاجي/

تزويج قسري، اغتصاب زوجي وحكم بالإعدام. ثلاث بشاعات في قضية واحدة.

حكاية الشابة السودانية نورا تطرح أمامنا مجددا كل الأسئلة التي نسعى لتفاديها. شابة يقوم أهلها بتزويجها قسرا وهي في سن الـ16. حين بلغت الـ19، قرر الأب تنفيذ الزواج وانتقالها لبيت زوجها. هربت إلى بيت عمتها فأعادها والدها بعد أن أقنعها بأنه ألغى الزواج. عادت للبيت لتفاجأ باستعدادات "العرس" (عن أي "عرس" وأي "احتفال" نتحدث، حين تكون "العروس" مكرهة على هذا الزواج؟).

بعد انتقالها لبيت زوجها، رفضت نورا ممارسة العلاقة الجنسية معه. كرجل محترم، كان يفترض في "زوجها" إغراءها، تحبيبها فيه، إقناعها بحياة جديدة تسعدها. لكنه، وفي اليوم الخامس من زواج "لم يأخذ فيه حقه الشرعي"، استعان بأخيه وأبناء عمومته لتكتيف زوجته وإجبارها على ممارسة الجنس. ما دام قد تزوجها ودفع مهرا، فقد صارت ملكه يفعل بها ما يشاء.

أي علاقة جنسية تتم بدون رضى الطرفين، ومهما كانت موثقة بعقد زواج شرعي، فهي اغتصاب

علاقة حلال ما دامت "زوجته"، أليس كذلك؟ لكن، ألا يعد هذا اغتصابا؟ هل يكفي وجود عقد زواج (أو عقد نكاح كما يسميه البعض) لكي تكون العلاقة مقبولة؟ أي وثيقة دينية أو قانونية وأي عرف مجتمعي يجعلنا نقبل بعلاقة جنسية بين رجل و"زوجة" ترفضه؟

في اليوم التالي، وحين حاول "الزوج" اغتصاب زوجته مرة أخرى، طعنته بالسكين، فمات.

اقرأ للكاتبة أيضا: ازدراء الأديان: تهمة على المقاس

هربت نورا إلى بيت أهلها. لكن، ولأن مشاعرها وما تعرضت له من عنف لا يهم أمام سلطة الأب والقبيلة وأمام مفاهيم "الشرف"، فقد سلمها الأخير للشرطة وتبرأت منها كل الأسرة.

في المحكمة، صدر ضد نورا حكم بالإعدام، بانتظار قرار عائلة الزوج التي عليها أن تختار بين الدية وبين القصاص.

هل كان كل هذا ليحدث لو آمنا فقط بأن من حق نورا رفض الزواج من شخص لا تريده؟ هل كان كل هذا ليحدث لو تفهم الأب والزوج ومعهما المجتمع بأن الزواج، مهما كان شرعيا وقانونيا، فهو لا يمكن أن يكون مقبولا في ظل عدم قبول كلا الطرفين؟

أن تحب نورا شخصا لا ترضاه العائلة، فهذا تهديد لشرف القبيلة، قد يدفع لقتلها. لكن أن يتم تزويجها من شخص يبدو أنها لا تطيقه، فهذا أمر مقبول مجتمعيا ما دامت هناك وثيقة تسمح للزوج باغتصابها أنى شاء. وفي كلتا الحالتين، تقتل نورا. تقتل إن أحبت وتقتل إن صدت "زوجا" فرض عليها.

لكن نورا قتلت في الواقع قبل صدور حكم الإعدام. قتلت حين فرض عليها والدها زواجا لا تريده. قتلت حين فكر الزوج في العلاقة الجنسية قبل أن يفكر في العلاقة الإنسانية. قتلت حين ساهم وحوش العائلة في اغتصابها بشكل شرعي حلال من طرف ذاك الذي تربطها به وثيقة (لم توقعها برضاها) ولا تربطها به مشاعر.

هذا باختصار موجع ملخص الهمجية التي يتعامل بها مجتمعنا مع نورا وأمثالها. لكنها للأسف ليست حكاية فردية. حكاية نورا السودانية تشبه آلاف الحكايا لنساء يقمن في سجون القهر الجسدي والنفسي لمجتمعات تعتبر حقوق النساء ترفا وفسادا وكفرا.

نورا قتلت في الواقع قبل صدور حكم الإعدام حين فرض عليها والدها زواجا لا تريده

قضية نورا تطرح أمامنا سؤال الوصاية التي تمارس على المرأة في الزواج وفي معاملات أخرى كثيرة. لكنها تطرح أيضا سؤال التزويج القسري مقابل العلاقة الرضائية مهما كان شكلها. كيف نقبل، مجتمعيا، زواجا تكون فيه المرأة مكرهة؟ كيف نعاقب شخصين راشدين اختارا بعضهما عن حب واقتناع، ونقبل بعلاقة يرفضها أحد الطرفين، فقط لوجود العقد القانوني أو الشرعي؟ هل ما يحدد العلاقة هو الحب والتراضي أم الوثيقة الشرعية؟

اقرأ للكاتبة أيضا: حملة #مقاطعون: انتفاضة من نوع جديد؟

ثم، هل يكفي أن يكون هناك عقد زواج، لكي يستطيع الزوج ممارسة الجنس مع زوجته بدون رضاها؟ ألا يحق للزوجة رفض العلاقة الجنسية؟ وأي نشوة يشعر بها رجل على جسد امرأة ترفض تلك العلاقة الجنسية؟

لنقلها بشكل صريح: أي علاقة جنسية تتم بدون رضى الطرفين، ومهما كانت موثقة بعقد زواج شرعي، فهي اغتصاب.

هذا من دون الحديث عن أحكام الإعدام، التي تستوجب بالتأكيد مقالا منفردا للتطرق لها كعقوبة لا إنسانية علينا التفكير جديا في إلغائها.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG