Accessibility links

 العرب خارج طموح تسريبات 'بارادايس' رغم أنهم من نجومها


مبنى المكتب الدولي للمحاماة يحمل اسم "ابلباي" ومقره برمودا حيث سربت منه ملايين الوثائق المالية

بقلم حازم الأمين/

كنت من بين من دعاهم الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين للعمل في "وثائق بارادايس". كنا نحو 380 صحافياً من حول العالم من بينهم ستة صحافيين عرب. طرحت علينا هذه المشاركة تحديات مهنية كبرى، لكن الأهم أنها وضعتنا في موقع غريب، ذاك أن الصحافة كانت أمام اختبار قيمي هائل شعرنا نحن العرب أننا خارجه. ولهذا الشعور أسباب كثيرة، لعل أولها أننا واجهنا سؤالاً لم نشعر أن زملاءنا في الصحف ووسائل الإعلام العالمية قد طرح عليهم. جورج سورس ومن خلال مؤسساته هو أحد ممولي الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، واسمه ظهر في الوثائق بصفته أحد رجال الأعمال الذين يملكون شركات في الجنان الضريبية. لم يساور الزملاء في (ICIJ) أي شك ولم ييصيبهم أي تردد. الاسم في الوثائق يعني أن العمل يجب أن يشمل الرجل. وهذه هي المرة الثانية التي يرد فيها اسم سورس في وثائق كشفتها (ICIJ). الخطوة لم تنطوِ على تحد، كانت جزءاً طبيعياً من العمل الصحافي، وأحد لم يساوره شك في أن ردة فعل سورس على نشر اسمه سيؤدي إلى انكفائه عن مهمته في تمويل الاتحاد.

أرسل (ICIJ) أسئلة لسورس كما تقتضي شروط العمل الصحافي. محاموه لم يجيبوا في الوقت المحدد لهم، فوصلتنا عبارة المحامين التالية، وهي ما علينا اعتماده في تحقيقاتنا حول الرجل: " الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أرسل أسئلة للسيد سورس لكن الأخير لم يجب".

ما يمكن أن يلوح لصحافي عربي في لحظة كهذه، لن يكون أقل من يستعرض في ذاكرته المرات التي حالت فيها شروط التمويل أو الولاء من إكمال مهام أبسط من هذه بكثير. لا بل أن الأمر يمتد إلى أكثر من الممول المباشر، لتشمل الحصانة من التناول الإستقصائي دائرة الحلفاء والأصدقاء وأبناء المذهب والدين وحلفاءهم في الداخل والخارج، لا بل المرات التي تمكن فيها هذا الصحافي من إنجاز مهمة استقصائية لا تخدم خياراً سياسياً محدداً. المرات التي أنجز فيها صحافي عربي قصة ضد نفسه وضد خياراته، لا سيما وأن لعبة من هذا النوع بالإضافة إلى أنها شيقة، هي مهمة مساعدة على الشفاء من أوهام التسليم والإيمان المطلق بامتلاك الحق.

لكن الأمر لم يقتصر عند هذا الحد في تجربة "ملفات بارادايس" فأحد الموضوعات الرئيسة التي تولى كونسرتيوم الصحافيين البحث والتحقيق فيها كان الشراكة بين "فيسبوك" وبين رجال أعمال روس قريبين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وجاءت نتائج الاستقصاء في غير مصلحة شركة "فيسبوك"، وهذه الأخيرة منصة إعلامية قبل كل شيء، وهي ستنشر القصة الصحافية المزعجة والتي قد تؤدي إلى فتح تحقيقات تؤثر على مستقبل الشركة، وعلى أنشطتها. طبعاً "فيسبوك" لم يكن بوارد التحفظ على نشر القصة على صفحاته، وهي وصلته عشرات المرات في كل لغات العالم، وتصدرت عناوين بوستات عشرات ملايين أصحاب الحسابات.

المعادلة في هذه الحالة أن مارك زوكربرغ كان يتصفح موقعه على الإنترنت في وقت كان الأخير يتولى خوض معركة ضارية معه، ومارك بدوره لا يقوى على ضبط الهجوم وعلى حماية نفسه من عدوانية موقعه.

هذا درس تتعدى وظيفته التحديات التي تواجه الصحافي العربي. هو تعبير عن شل قدرة الممولين وأصحاب وسائل الإعلام عن التدخل في المادة الصحافية. نصر هائل للصحافي على مؤسسته. و"مارك زوكربرغ إذا ما قرر أن يحد من انتشار القصة التي تستهدفه على منصته سيعني ذلك خسائر هائلة ستصيبه، ذاك أنه يبيع بين ما يبيع الحرية المتاحة على "فيسبوك". والحرية حين تتمكن من ضبط الأسواق بمعاييرها تكتسب قدرات على ضبط جنوح هذه الأسواق إلى مزيد من الأرباح من دون الأسئلة الأخلاقية والقانونية. مارك زوكربرغ سيكون ضحية موقعه عندما يتيح لبوتين أن يكون شريكه. هذه تماماً مهمة "وثائق بارادايس".

وبهذا المعنى فإن دور الصحافة صار في ظل التحول الكبير الذي أحدثته الـ"سوشيل ميديا" أكبر، ووصل إلى مستويات غير مسبوقة في التأثير. لم يعد السبق الصحافي هو الهاجس، انما الانتقال منه إلى حقيقة أن الجهد الجماعي يمكن أن يتحول سلطة رقابية أشد ومتقدمة على مرتبة "السلطة الرابعة".

في عالمنا العربي ما زلنا دون هذه الأسئلة، طالما أن سؤال الحرية لم يصلنا بعد. والحرية هنا لا تقتصر على قدرتنا على كتابة قصتنا الصحافية، انما أيضاً تمتد لتشمل الأسواق، التي لا تنضبط في منظومة قيم ستخسر أرباحاً اذا لم تنضبط فيها، فالعرض والطلب في بلداننا خاضع أيضاً لمنطق الولاء للحاكم، وهذا الولاء لن يعيقه تجاوز القيم، لا بل يمكن أن يكون شرطه.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG