Accessibility links

قطر.. لماذا دعمت الإرهاب؟


أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني- أرشيف

بقلم د. توفيق حميد

حينما طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من قطر أن تتوقف عن دعم الإرهاب، تساءل كثيرون: ما الذى دعا قطر إلى دعم منظمات إرهابية فى محيطها الإقليمي. ولفهم هذا الأمر علينا إدراك أبعاد أخرى لهذه المسألة.

بدأت قصة دعم قطر للإرهاب برغبتها المحمومة فى المنافسة على سوق الطاقة الأوروبي الواعد وذلك فى ظل رغبة أوروبية فى تقليل الاعتماد على النفط الروسي.

وكان الحل الواقعي لقطر للمنافسة على هذا السوق الأوروبى هو مد أنابيب تمر من خلال سورية للوصول بالغاز القطري إلى تركيا حيث يتم تسييله ثم تصديره إلى الجانب الأوروبي. وكما هو متوقع فقد رفضت سورية (وهي حليف رئيسي لروسيا) تمرير هذه الأنابيب عبر أراضيها حتى لا تنافس قطر روسيا فى سوق الطاقة الأوروبي.

بعد هذا الرفض حاولت قطر بكل الوسائل إزاحة نظام الأسد من السلطة واستبداله بنظام حليف لها لكي تتمكن من مد هذه الأنابيب. ولذا لم تتردد قطر فى دعم العديد من المنظمات الإرهابية فى سورية مثل داعش وغيرها لتصل إلى هدفها المذكور.

و لم يقف الطموح القطري عند هذا الحد فقط بل حاولت قدر استطاعتها زعزعة الدول العربية الأخرى التى قد تنافسها مستقبلا في سوق الطاقة الأوروبي. فعلى سبيل المثال حاولت قطر السيطرة على مصر من خلال دعم الإخوان المسلمين المتحالفين معها ثم دعم منظمات إرهابية بداخل الدولة المصرية ولم تتردد قطر أيضاً في دعم قوى الإرهاب في ليبيا وفي العراق. فمصر تبعاً لما ذكرته جريدة نيويورك تايمز تمتلك واحداً من أكبر الاكتشافات البترولية في البحر المتوسط، تستطيع من خلاله منافسة قطر على سوق الطاقة الأوروبي. وتمتلك ليبيا خامس الاحتياطي العالمي من الصخور البترولية القابلة للاستغلال والذي يجعلها منافساً محتملاً- بل وشرساً - فى السوق الأوروبي خاصة مع قرب الحدود بين ليبيا وأوروبا. ولذا فكان إضعاف ليبيا من خلال دعم قوى الإرهاب بها إحدى الوسائل للإطاحة بالمنافس الليبي المحتمل. أما دعم داعش فى العراق فكان يهدف إلى إقامة كيان سنى يعوق قدرة إيران (التي كانت منبوذة سياسياً واقتصادياً حينذاك!) من الحصول على منفذ للوصول بمنتجاتها البترولية للبحر المتوسط عبر العراق ثم سورية.

وتبعاً لهذه النظرية المدعومة بالكثير من الشواهد، فإن دعم الإرهاب فى سورية وفى مصر وليبيا والعراق أصبح هدفاً اقتصادياً وبعداً استراتيجياً للنظام القطري.

ومما ساعد قطر على تنفيذ هذا المخطط الجهنمي هو تحالفها مع الإخوان المسلمين، الذين هم من ناحية يحلمون بحكم مصر منذ أنشأهم حسن البنا عام 1928 ولديهم فيها قاعدة شعبية عريضة، ومن ناحية أخرى هم على علاقة طيبة بمعظم الجماعات الإسلامية المتطرفة فى عدة دول نظراً لانتمائهم جميعاً لفكر مفكر الإخوان المسلمين وفيلسوفهم "الأعظم" سيد قطب.

وتصادف فى الوقت نفسه أن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما كانت تحارب صناعة استخراج الطاقة من الصخر البترولي (الموجود بوفرة فى الولايات المتحدة) وذلك لأن نجاح هذه الصناعة سيقلل وبشدة من الاستثمار في "الطاقة البديلة" وهي التي يعتبرها نظام أوباما محوراً رئيسياً فى أجندتهم المستقبلية.

وكان وصول الغاز القطري إلى أوروبا بسعر منخفض عاملا مؤثراً وهاماً لإحباط الرغبة فى الاستثمار فى الصخور البترولية فى العقدين القادمين مما كان سيعطي الفرصة لنمو وتطوير "الطاقة البديلة" لكي تحل محل الطاقة المستخرجة من البترول. ولذا فليس من المستغرب أن نرى رغبة عارمة من نظام أوباما في القضاء على نظام بشار الأسد وذلك كما ذكرنا لكي يتم وصول الغاز القطري إلى أوروبا بسعر زهيد، مما كان سيقلل من اتجاه الأموال للاستثمار فى الصخر البترولي. والأخير بمقدوره وحده أن يمد العالم بالطاقة لعدة عقود مستقبلية وبالتالي يحبط تماماً اتجاه الاستثمار فى الطاقة البديلة.

وكان البديل الوحيد لوصول الغاز القطري إلى أوروبا بسعر رخيص فى حالة عدم سقوط نظام الأسد هو أن تتعاون قطر مع إيران لإيصال الغاز من الحقل القطري الإيراني فى منطقة الخليج العربي (وهو ما يعد أكبر حقل للغاز الطبيعي فى العالم) في أنابيب تمر عبر إيران لتصل عبر الحدود إلى تركيا ثم إلى أوروبا كما ذكرنا. وقد كان هذا الباب مغلقاً تماماً أمام قطر بسبب وجود حظر على التعامل مع إيران. ولذا فقد كانت قطر تحاول استخدام أي وسيلة لإسقاط الأسد لكي تستطيع مد هذه الأنابيب إلى أوروبا حتى لو دعاهم ذلك إلى دعم الإرهاب فى سورية.

وعلى ما يبدو، فإن إدارة أوباما بعد أن أدركت صعوبة إزاحة نظام الأسد قررت دعم الاتفاق النووي الإيراني والذى يخفض من العقوبات على إيران مما يسمح بوصول الغاز القطري من خلال أنابيب تمر عبر إيران لتصل إلى أوروبا بسعر مناسب.

وانتظر القطريون الانتخابات الأميركية على أمل أن تأتي هيلارى كلينتون لتكمل مسيرة أوباما فى إزاحة نظام الأسد أو على الأقل تبقي على الاتفاق مع إيران كحل بديل لوصول الغاز القطري إلى أوروبا. ولكن تأتي الرياح أحياناً بما لا تشتهي السفن فخسرت هيلارى وجاء ترامب رئيساً للولايات المتحدة.

وحدثت صدمة لقطر بعد مجيء إدارة الرئيس ترامب، فقد كان من الواضح أن إزاحة نظام الأسد لم تكن ضمن أولويات النظام الأميركي الجديد، ففقد النظام القطري أي بصيص أمل في إزاحة قريبة للأسد ومن ثمَّ ارتمى بكل ثقله في أحضان النظام الإيراني لمد أنابيب الغاز القطري من خلال إيران إلى تركيا ثم أوروبا كما أشرنا.

والمتابع للأحداث في المنطقة قد يستوعب الآن كيف أن قطر التي كانت تدعم القوى المناوئة للأسد والتي كانت تقاتل بشراسة القوى الإيرانية الداعمة له، تحولت بين عشيةٍ وضحاها إلى حليف لذلك "العدو" الإيراني الذي كانت تقاتله بالأمس القريب على الأراضي السورية.

والآن وبعد أن وضعت قطر كل رهانها على طهران تأتي الرياح مرةً أخرى بما لا تشتهى السفن القطرية ويعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفا جديدا للإدارة الأميركية من إيران وإشارات ضمنية لاحتمال تراجع أميركا عن الاتفاق النووي مع إيران.

وإن حدث ذلك – وهو الأرجح فى تقديري - فقد يصبح من الصعوبة بمكان إن لم يكن من المستحيل أن تُصَدّْر قطر غازها الطبيعي من خلال إيران (وهو الأمل الوحيد الباقي لها لتصدير الغاز القطرى إلى أوروبا!). و ستكون قطر فى هذه الحالة مضطرة إلى التراجع عن الكثير من مواقفها السابقة والاتجاه مرةً أخرى إلى التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي.

فهل ستكون قطر من الذكاء لتقرأ مجريات الأمور وتعود قريباً إلى الحضن الخليجي قبل فوات الأوان؟!

--------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG