Accessibility links

سؤالان برسم مشروع 'نيوم'


مشاركون في مؤتمر بالرياض يشاهدون فيلما عن مشروع نيوم

بقلم عريب الرنتاوي/

لا تفارقك الدهشة وأنت تقرأ عن مشروع "نيوم" الذي أطلقه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لكأنك أمام واحدٍ من أفلام الخيال العلمي، فكل ما في المشروع "غير مسبوق"، وكل تفصيل من تفاصيله، يحظى بقصب السبق والريادة، كلفته فلكية، وسيدخل موسوعة جينيس من عدة مداخل وأبواب، وسيحتل مساحات بارزة في عشرات الصفحات. خلاياه الضوئية أطول من سور الصين العظيم، والروبوتات أكثر من البشر في المشروع. شواطئ وجزر تمتد لأكثر من 460 كيلومترا، منطقة خاصة على امتداد ثلاث دول، ليس مشروعاً اقتصادياً متكاملاً فحسب، بل نمط حياة اقتصادية وثقافية واجتماعية. إن صحت المعطيات بشأنه، فهو كفيل بنقل المملكة إلى مرحلة ما بعد الصناعة وما بعد الحداثة، ومن حق كثيرين في هذه المنطقة أن يقلقوا، فالمشروع منافس قوي لكل ما تم إنجازه حتى الآن من مدن خليجية أدهشت العالم من حيث سرعة تطورها ومواكبتها وريادتها.

لا نعرف الكثير عن تفاصيل المشروع بعد، لكن مما نشر حوله، وهو كثير، يمكننا فهم (وإن بأثر رجعي) بعض الخطوات والسياسات والإجراءات التي اتخذتها المملكة في غضون العامين أو الثلاثة أعوام الأخيرة. اليوم، بتنا نفهم على نحو أفضل، سر الإصرار السعودي على "سعودية" جزيرتين غير مأهولتين في البحر الأحمر: تيران وصنافير، فللجزيرتين موقع استراتيجي في قلب المشروع، خصوصاً لجهة ربط مصر بالسعودية وآسيا بأفريقيا. نفهم "الثورة الثقافية" التي يشنها ولي العهد السعودي على المتشددين الوهابيين (الصحوة) والمطاوعة وحديثه المتكرر عن تدمير التطرف والمتطرفين. نفهم رياح الانفتاح و"الترفيه" التي بدأت تهب على المملكة وبقوة مزلزلة، ليست قيادة المرأة للسيارات سوى فصل من فصولها. نفهم خطة 2030 بما هي انتقال من الدولة الريعية إلى "اللبرلة الاقتصادية" مع كل ما تثيره من مخاوف وآمال. نفهم الاستعداد السعودي النشط للتقارب والتقرب من إسرائيل، سواء عبر قنوات اقتصادية أو من خلال شخصيات حملت ألقاباً وشغلت مناصب رفيعة في السابق، إلى غير ما هنالك.

ولأنه مشروع أقرب للحلم منه إلى الحقيقة، فهو يثير من الأسئلة أكثر مما يوفر من الأجوبة. وسنكتفي هنا بإثارة سؤالين اثنين فقط: هل تحتمل بنية المملكة وإرثها الاجتماعي والديني مثل هذه النقلة؟ وما هو موقع إسرائيل ودورها في مشروع "نيوم"؟

الإجابة على التساؤل الأول، تتسم بانعدام اليقين، ذلك أن المراقبين وخبراء الشؤون السعودية ينقسمون بين متفائل بفرص تنفيذ المشروع وتذليل العقبات الثقافية والدينية والاجتماعية التي تعترضه، دع عنك العوائق الاقتصادية والمالية وغيرها مما هو معروف ومعتاد في مثل هذه الحالات. وآخر متشائم يعتقد أن المملكة لم تجهز بعد لنقلة من هذا النوع وبهذا الحجم، وأن المشروع مع كل ما يستوجبه من تحضيرات وتغييرات في العقلية والثقافة السائدتين والدور التاريخي لـ "المؤسسة الدينية العميقة" ضاربة الجذور في المجتمع السعودي، ستجعل منه مغامرة وتحديا، بدل أن يكون فرصة ونافذة أمل.

عند هذه النقطة بالذات، أجدني "متشائلاً"، فالمملكة في بنيتها الاجتماعية كما تشكلت طوال سنوات وعقود، تحتمل الأمرين معاً. ثمة قوة لا يستهان بها للمؤسسة التقليدية الدينية والاجتماعية قد تطيح بالمشروع وصاحبه من جهة، وثمة من جهة ثانية مجتمع شاب أكثر من 70 بالمائة من مواطنيه دون الثلاثين، وعشرات الألوف منهم درسوا في أهم الجامعات العالمية كنتيجة لاعتماد سياسة "الابتعاث" للخارج، وبكلف قدرت بمليارات الدولارت.

لكن ماذا عن موقع إسرائيل ودورها في هذا المشروع؟ لا شيء يذكر أو يقال عن هذه المسألة إلا في الصحف العبرية. هآرتس وجيروزاليم بوست تحدثتا عن اتصالات تمهيدية أجرتها شركات إسرائيل مع الصندوق السعودي للاستثمار. بعض المعلقين أبرز "ريادة" إسرائيل في العديد من محاور عمل المشروع التسعة. وبعضهم الآخر ذهب بعيداً ورأى أن مشروع وزير النقل والاستخبارات والطاقة الذرية الإسرائيلة يسرائيل كاتس للقطار العابر للشرق الأوسط، إنما يلاقي هذا المشروع ويتكامل معه. واكتفى آخرون بالتذكير بمشروع إسرائيلي قديم – متجدد لشق قناة للملاحة البحرية بين إيلات (على البحر الاحمر) وعسقلان (على البحر الأبيض)، تنافس قناة السويس وتتطلع لأخذ دورها. وأنا أعود بدوري لأذكر هنا بمشروع الجنرال جيورا آيلاند، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي في إسرائيل، والذي تضمن من ضمن ما تضمن، شق نفق تحت الأرض، يربط جنوب الأردن بشبه جزيرة سيناء، يكفي لنقل الأفراد والبضائع والطاقة بأشكالها في الاتجاهين، موازياً أو بديلاً لجسر الملك سلمان الذي يراد به ربط أفريقيا بآسيا كذلك، يكون جزءاً من التعويض الإسرائيلي عن أراضٍ مصرية في سيناء يراد ضمها إلى قطاع غزة، نظير ضم إسرائيل لمساحات واسعة نسبياً من الضفة الغربية.

لا يمكن لأي مشروع يشتمل على الدول الثلاث (مصر، الأردن والسعودية)، وأياً كان شكل الربط فيما بينها، فوق البحر أو تحت الأرض، إلا أن يشمل إسرائيل ويحظى بموافقتها... السعودية باستعادتها أو حصولها على جزيرتي تيران وصنافير، ورثت معهما التزامات مصر بموجب اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام، وهذا وحده، يكفي سبباً لدخول إسرائيل على خط المشروع، وحجز مقعد لها على مائدته.

هل سينتظر المشروع حل القضية الفلسطينية ليصبح التطبيع واسع النطاق، فوق الطاولة وليس تحتها، أمراً ممكناً؟ هل يصبح المشروع بحد ذاته، حافزاً لحل هذه القضية؟ هل يمكن "مدّه" إلى غزة بحدودها الحالية أو الموسعة مستقبلياً بموجب خطة "التبادل الإقليمي للأراضي" أو من ضمن "الإطار الإقليمي" للحل؟ كيف سيجري إدماج إسرائيل في هذا المشروع، ما الثمن وعلى حساب من؟ أسئلة وتساؤلات ما زالت تحلق في عالم الغيب تنتظر من يجيب عليها، إن لم يكن فوراً، فبعد حين.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG