Accessibility links

كيف فشلت الدول الإسلامية في تحدي داعش؟


جنود عراقيون يحملون علم داعش مقلوبا في إشارة إلى هزيمة التنظيم في الموصل_أرشيف

بقلم د. رضوان زيادة

عندما ظهرت بدايات داعش في العراق، اعتقد الجميع أن هذه المنظمة الإرهابية الجديدة التي اعتدنا على رؤية أمثالها في منطقة الشرق الأوسط ستكون صغيرة جداً، محدودة التأثير والعدد، والأهم أن أيديولوجيتها السياسية ستكون منعدمة التأثير على عقول وقلوب الشباب العربي الذي لن ينساق إلى أمثال هذا النوع من الخطاب.

اعتمد تنظيم داعش في البداية على فكرة التمايز، تمييز نفسه عن كل المنظمات التي سبقته، والأهم المزايدة عليها في العنف والتطرف عبر تبني خطاب يعتمد على فكرة الانفصال الكامل عن المجتمعات "الكافرة"، وهو ما من شأنه أن يزيد نقاء عقيدته بنظر أتباعه ومريديه، ثم بدأ يلعب على فكرة الانهيار السياسي في كل من سورية والعراق، ومن ثم ليبيا كي يبني جمهوره الناقم على الفوضى التي وصلت إلى هذه البلدان، وكي يكون هو نفسه أكبر مستفيد من الفوضى السياسية والاجتماعية.

الرد السياسي والاجتماعي على التنظيم من المجتمعات العربية كان في الحقيقة متناقضاً وغريبا بعض الشيء، فمع ازدياد قوة وحجم داعش خاصة بعد سيطرته على الموصل ومن ثم الرقة، اللتين أصبحتا عاصمتين لداعش في العراق وسورية على التوالي، وبدأ داعش في مسرحيات العنف الأعمى التي يمارسها بحق الصحافيين الأجانب أو ناشطي الإغاثة المدنيين من الدول الغربية، ازداد الحنق العربي والإسلامي ضده، لكن أفعاله ضد المدنيين الأبرياء من جنسيات غربية غالبا ما كانت تحظى بالصمت أو بالأحق التواطؤ.

خلال أشهر قليلة تضاعف عديد داعش في كل من سورية والعراق وأصبح التنظيم جاذبا لكل متطرف أو مهووس بفكرة الخلافة الكاذبة في كل أنحاء العالم، لذلك لم تخطئ الإحصاءات عند القول إن تعداد الجنسيات التي انضمت لداعش فاق 114، وهو ما يشكل علامة إنذار فاضحة على مدى الفشل الذي بنيت عليه الدولة العربية الحديثة، حتى تسمح بظهور تنظيم على هذا المستوى من التطرف والماضوية بالوجود بين ظهرانينا في القرن الحادي والعشرين.

والعلامة الأخرى التي تبعث على الصدمة كانت القدرة الجاذبة لفكرة إعلان الخلافة من جديد لهذا العدد الكبير من الشباب "المهاجر" من كل أنحاء العالم إلى عاصمة الخلافة في الموصل، ليعلن ولاءه لخليفة مجهول ليس له أي سمة علمية أو سياسية سوى أنه أعلن نفسه خليفة وطالب المسلمين المهووسين بمبايعته.

وبنفس الوقت أظهر داعش قدرة رهيبة على إدماج فكرة التعددية اللغوية والإثنية داخلها، فبالرغم من ممانعة الفكرة الداعشية للتعددية الدينية، واشتراطها الصفاء والتوحد الأيديولوجي العقيم مع فكرتها في فهم الدين الإسلامي، إلا أنه نجح في دمج قوميات وشعوب من جنسيات وإثنيات أخرى بنجاح مذهل، وهو ما يؤشر مرة أخرى على أن فكرة التعليم الديني في مجتمعاتنا العربية ما زالت في حدها الأدنى، أو لنقولها بجرأة أكبر أن التعليم الديني في مجتمعاتنا، والمؤسسات الدينية تعتبر هي المُلام الأول على ظهور داعش. فظهور التنظيم فشل كامل للخطاب الديني وقدرته على تحييد هذا النوع من الخطاب الماضوي والتدميري لفكرة الإسلام ذاتها.

فالقدرة التدميرية التي ألحقه داعش بالإسلام تفوق قدرة كل وسائل الإعلام الغربية مجتمعة على تشويه صورة الإسلام كما تدعي الأدبيات العربية والإسلامية دوماً.

الآن، ومع الأيام الأخيرة لداعش في كل من العراق وسورية مع السيطرة على كل من الموصل وقريبا الرقة، مؤشر الفشل في القضاء على داعش يبدو ذاته مع الأيام الأولى لفكرة ظهور التنظيم، فلم تنجح القوات العربية والإسلامية عسكريا في القضاء على داعش، وإنما تم ذلك بالاعتماد فقط على قوات التحالف الدولي التي تقودها الولايات المتحدة، وبالتالي المسؤولية العربية والإسلامية بقيت في الحد الأدنى.

أما سياسيا فعدنا إلى الوضع ذاته ما قبل ظهور داعش، فالفوضى السياسية في العراق عمقت "المسألة السنية" واستمرار نظام الأسد في سورية والهجمات العشوائية ضد المدنيين تدفعنا جميعا إلى القول ما هو اسم التنظيم الإرهابي الجديد الذي سيخلف داعش، فبعد القاعدة وجدنا داعش وربما التنظيم الجديد يملك قدرة تدميرية تفوق قدرتنا على التخيل إذا لم ننجح في القضاء على داعش فكريا وسياسيا وعسكريا بنفس الوقت .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG