Accessibility links

لا أحد جاهز للتعامل مع 'العائدين من داعش'


أحد مقاتلي قوات سورية الديموقراطية في الرقة بعد تحريرها من تنظيم داعش

بقلم حازم الأمين/

"العائدون من سورية والعراق"، الموجة الخامسة من العائدين من "الجهاد"، وهي هذه المرة مضاف إليها مزيد من المفارقات. الأرقام مضاعفة، والجنسيات أيضاً، والإقامة في دولة الخلافة تسببت بزيجات ومواليد جدداً غير مندرجين في منطق "العائلة الوطنية"، لم يُسجلوا في بلدان أهلهم، وعدد كبير منهم قُتل آباؤهم، وهم اليوم في رعاية أم من غير جنسية الأب، ومن غير بلده.

و"العائدون من سورية والعراق" ليسوا بالضرورة عائدين. هذه التسمية أقرب إلى أن تكون تصنيفاً اجتماعياً وسياسياً، وهي انعقدت بفعل سقوط المدن التي كان "داعش" يسيطر عليها. آلاف من "المهاجرين" اختفوا. بعضهم قتل، وبعضهم أُسر، ومن تبقى اختفى في الصحراء. إذاً لا بد من اسم لهؤلاء، وافتراض سعيهم للعودة إلى بلادهم هو أقرب احتمال يمكن أن تستخرج منه صفة تتحول اسماً. ألم تلصق بأسلافهم الأُول تسمية "العائدون من أفغانستان"، و"العائدون من ألبانيا" وبعدها كانت الموجة الأولى من العائدين من العراق. إذاً سنكون قريباً جداً أمام ظاهرة "العائدون من العراق وسورية"، وستتخبط بلادنا بالتعامل مع الظاهرة، ذاك أنها هذه المرة ستصل إلينا مشحونة بقدر مضاعف من الحيرة بأصحابها وبمصائرهم. إنهم عناصر "داعش" وقد عادوا إلينا مهزومين، ولكن حاملين أيضاً احتمالات "الجهاد" وما ينطوي عليه من توقعات.

قال تقرير دولي أن أعداد التوانسة منهم نحو ثلاثة آلاف، وهناك عدد مماثل من الأردنيين وكذلك من السعوديين. وقال أيضاً أن عناصر "داعش" الروس هم الأكثر عدداً، وثمة خليط من لبنانيين ومصريين وفلسطينيين وجزائريين. وثمة سبعة آلاف منهم ما زالوا حاملين السلاح مع التنظيم في مناطق على الحدود بين سورية والعراق.

ثمة حكومات اعتقدت أنها تخففت منهم حين سهلت لهم سبل المغادرة. لم تدرك أن أثقال عودتهم ستكون أفدح، وأن من خرج مراهقاً من بلده سيعود إليه وقد ترسخ في "الجهاد"، وصار القتال كفاءته الوحيدة. ومن خرج من دون زوجة وأطفال ها هو عائد معهم أو هم عائدون من دونه بعد أن قتل هناك. في مدينة الرقة التي زرت ريفها قبل أشهر قليلة قال لي مسؤول في قوات سورية الديموقراطية إنهم يحاولون التواصل مع حكومات دول ثمة مواطنين منها في سجون الأكراد وثمة عائلات لهم في مخيمات اللاجئين، لكن الحكومات لم تستجب. هذه الحكومات غضت النظر عن مغادرة هؤلاء إلى سورية عبر مطاراتها، وها هي اليوم لا ترغب في عودة "مواطنيها". هناك في مخيم عين عيسى امرأة لبنانية قتل زوجها الأول مع "داعش"، وأسر زوجها الثاني، وهي اليوم هناك مع ثلاثة أطفال لها، لا ترغب الحكومة اللبنانية باستقبالهم. عندما التقيتها، ولاحقاً عندما التقيت أهلها في مدينة طرابلس تذكرت ما قاله لي مسؤول رسمي لبناني قبل سنوات عندما سألته عن عفو عام شمل مسجونين إسلاميين ضمن صفقة سياسية داخلية، قال يومها أن معظم المفرج عنهم سيغادرون لبنان فور الإفراج عنهم إلى سورية، ولهذا لن يشكل هؤلاء خطراً على لبنان. تكرر هذا الأمر في تونس، ففي أعقاب الثورة فُتحت السجون، وخرج "السلفيون الجهاديون" إلى الشارع وإلى المساجد، فارتأت حكومة النهضة في حينها فتح الحدود والمطارات لهؤلاء، وغادر معظمهم إلى ليبيا وسورية والعراق. السلطات في الأردن لم تكن في منأى عن هذه الممارسة، وفي السعودية أيضاً، والذروة كانت في تركيا، ذاك أنها إلى جانب كونها معبراً سهلاً لـ"المجاهدين" المتوجهين إلى سورية، كانت أيضاً مستقراً لهم. في مستشفياتها جرى علاج الجرحى منهم، وفي مساجدها أنشأوا شبكات دعم وتهريب وتسهيل للعبور، وفي محيط هذه المساجد تشكلت بيئة "جهاد" تركية أثبتت الوقائع أن أنقرة لن تنجو منها.

"داعش" في أحد وجوهه كان عملية تَهربٍ كبرى من مسؤوليات الحكومات عن أمراض مجتمعاتها وقذف هذه الأمراض على غيرها من الدول والجماعات. كان التنظيم مصفاة أخطاء هائلة. واليوم يبدو أن الاستحقاق اقترب، وستجد الحكومات والمجتمعات نفسها أمام صيغة مطورة من الأمراض التي اعتقدت أنها ألقتها على السوريين والعراقيين.

ثمة وجه آخر للمأساة وهو حين اختارت دول خاضت الحرب في سورية لحماية النظام واختارت أن ترسل إليها "مجاهديها"، تخففت منهم في أراضيها، وأهدتهم للنظام السوري بصفتهم قرينة "الإرهاب" الذي يدعي أنه يقاتله. روسيا فعلت ذلك على نحو سافر وموثق. وكالة رويترز حصلت على وثائق المفاوضات بين المخابرات الروسية وبين "المجاهدين الشيشان". وثائق سفر للمغادرة إلى سورية، في مقابل وعود مكتوبة بعدم العودة. والنتيجة اليوم مئآت من عائلات دول الاتحاد الروسي يقيم أفرادها في مخيمات في محيط الرقة، ومواقع القوات الروسية لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عنهم، وترفض القوات الروسية مفاوضة الأكراد على تسلمهم.

"العائدون من سورية والعراق" سيمثلون فضيحة لمعادلة إلقاء دول وحكومات ومجتمعات تبعات إخفاقاتها وانهياراتها على دول ومجتمعات أخرى أصابتها حرب فانقض عليها الجميع.

ولا يبدو أن أحداً يعد نفسه لاستحقاقات الفضيحة ولارتدادات العودة.

---------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG