Accessibility links

إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث 1


جانب من مظاهرة ثورة 1919

بقلم صامويل تادرس/

راسلني أحد الأصدقاء الأعزاء معترضا على بعض ما جاء في مقالتي الأخيرة "ماذا سيخسر الشرق الأوسط برحيل المسيحيين؟". بينما من المفهوم الدور الذي قام ويقوم به الإسلاميون من حسن البنا إلى أبو بكر البغدادي في إنهاء الوجود المسيحي في المشرق، بدا لصديقي إقحام أسماء مثل أحمد لطفي السيد وعباس محمود العقاد في المقالة غريبا. الاعتراض مفهوم. لطفي السيد بالذات مازال مخلدا في الذاكرة الجمعية المصرية كأحد أهم رواد التنوير والنهضة. دور أحمد لطفي السيد لا يمكن إنكاره. الرجل لم يكن فقط مفكرا هاما بل هو يستحق أن يوصف بالأب المؤسس للقومية المصرية. من خلال كتاباته العديدة في "الجريدة"، تأسيسه لحزب الأمة ورئاسته للجامعة المصرية صاغ لطفي السيد أفكار أجيال متعاقبة من المصريين.

يبقى دور لطفي السيد وأصدقائه تجاه الأقباط في مصر. هذا الدور لم يحظ باهتمام المؤرخين المصريين والأجانب. يبرز البعض مواقف حزب الأحرار الدستوريين الذي كان من أهم مؤسسيه ومفكريه في إشعال فتيل كراهية الأقباط. من خلال صحيفته "السياسة" وفي خلال الحملات الانتخابية المتلاحقة منذ 1923، استخدم الحزب خطابا طائفيا بغيضا. اتهم حزب الوفد بأنه تحت سيطرة قبطية، صور الأقباط الوفديين بأنهم يهدفون إلى هضم حقوق الأكثرية المسلمة، وأنهم يسعون إلى السيطرة على البلاد من أجل تحقيق مصالحهم الذاتية.

لكن حتي أولئك الذين ذكروا مواقف الأحرار الدستوريين تجاه الأقباط، أجمعوا على أن الأمر مفسر بالسياسة لا بغيرها. هزم الأحرار الدستوريين في أول انتخابات برلمانية أمام شعبية سعد زغلول الطاغية. كانوا يمثلون النخبة الاقتصادية والفكرية في مصر. لم يتصوروا إمكانية الهزيمة في الانتخابات. جاءت النتيجة مفزعة. اكتساح وفدي. هزم كبار البلاد أمام مجموعة من الغوغاء. ما زالت الذاكرة المصرية تحتفظ بشعار المرحلة "لو رشح سعد حجرا لانتخبناه".

أمام هذه الهزيمة النكراء، اضطر أهم المفكرين الليبراليين إلى انتهاج الخطاب الطائفي البغيض لهزيمة الوفد. الأمر لا يشكل موقفا فكريا بل كان وليد السياسة، هكذا أجمع المؤرخون. هذا الاجماع ساهم في صياغته وتشكيله كتاب لمفكر إسلامي: طارق البشري. في دراسة طويلة تحت عنوان "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية" وضع البشري الأسس التي بنى عليها من أتى بعده.

الإطار الذي بناه البشري مفهوم من عنوان الكتاب. بعد صدمة هزيمة الثورة العرابية بدأت الجماعة الوطنية المصرية في التشكل. الحركة الوطنية المصرية رغم بعض الاختلافات الفكرية بداخلها هي ذات إطار جامع طوال تاريخها في بحث مستمر عن الاستقلال من مصطفى كامل الي سعد زغلول. خوفا من هذه الحركة الوطنية سعى الإنكليز بقيادة اللورد كرومر إلى تقسيمها عبر "اصطناع الخلاف بين المسلمين والأقباط". مقولة كرومر التي قصد منها إهانة الأقباط "الفرق الوحيد بين القبطي والمسلم أن الأول مصري يتعبد في كنيسة مسيحية بينما الأخر مصري يتعبد في مسجد محمدي" تم تحويلها إلى شعار يحتفي به ودليل الوحدة الوطنية المزعومة.

محاولات الإنكليز في تقسيم الصف الوطني نتج عنها حرب كلامية في الصحافة المصرية في عام 1908 بين صحيفتي "الوطن" و"مصر" القبطيتين وصحيفة "المؤيد" لعلي يوسف وجريدة الحزب الوطني "اللواء". تورط في هذه المعركة متطرفون من الأقباط والمسلمين، تفاقمت مع حادث اغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي باشا، ووصلت إلى أقصى خطورتها مع انعقاد المؤتمر القبطي في أسيوط في مارس 1911 بتشجيع من الإنكليز والإرساليات الأجنبية، ولكن وعي الحركة الوطنية المصرية بقيادة أحمد لطفي السيد أفشل المخطط في المؤتمر المصري الذي تبعه في أبريل من العام نفسه. هذا المؤتمر لم يكن طائفيا بل وطنيا، بل إن "جوهر قرارات المؤتمر المصري (الإسلامي) يماثل قرارات المؤتمر القبطي".

بعد فترة من الركود نتيجة ظروف الحرب العالمية الأولى، انطلقت الحركة الوطنية بقيادة سعد زغلول والوفد المصري. الملحمة المبهرة التي صاغها البشري تتوج بثورة 1919 حيث انصهر عنصرا الأمة في الدعوة للاستقلال هاتفين بوحدة الهلال مع الصليب. محاولات الإنكليز لتقسيم الحركة الوطنية لم تتوقف لكن الوعي المصري أفشل هذه المخططات. في عام 1923 حاول البعض طرح التمثيل النسبي للأقليات في لجنة الدستور ولكن الوطنيين المصريين، مسلمين وأقباطا رفضوا هذا الطرح.

هذا هو الإطار العام الذي صاغه طارق البشري في كتابه. في كتبه اللاحقة مثل "الجماعة الوطنية: العزلة والاندماج" و "الدولة والكنيسة" كان الرجل أكثر وضوحا في خطابه المعادي للأقباط ولكن الكتاب الأول لا يجب أن يقرأ ككتاب يعكس موقف التيار الإسلامي بل كانعكاس للخطاب الوطني المصري في موقفه تجاه الأقباط. إطار البشري تبعة كل من أرخ لتلك الفترة من بعده مثل مصطفى الفقي في كتابه عن مكرم عبيد، و هو نفس الإطار الذي تبنته سميرة بحر في كتابها "الأقباط في الحياة السياسية المصرية".

هذا الإطار وهذه القراءة للتاريخ المصري الحديث هي أقرب إلى الأساطير، تقدم تفسيرا مريحا للعقل الجمعي المصري لكنه ليس له أساس من الصحة. هو تفسير يغيب الحقيقة ويلغي صوت الأقباط من وصف واقع هذه الفترة التي شكلت مصر.

في المقالات القادمة سوف نعيد قراءة التاريخ المصري الحديث، سوف نتبع قصة الأقباط مع الحركة الوطنية المصرية. كيف كان واقع الأقباط مع بزوغ الدولة الحديثة؟ كيف كان حالهم تحت الاحتلال الإنكليزي؟ هل كان اغتيال بطرس غالي بعيدا عن الطائفية؟ ماذا كان موقف أحمد لطفي السيد وأصدقائه في حزب الأمة من الأقباط؟ لماذا انعقد المؤتمر القبطي وماذا كانت مطالبه؟ ماذا دار في المؤتمر المصري وهل كان حقا بعيدا عن الطائفية؟ لماذا انحاز الأقباط إلى سعد زغلول في خلافه مع الأحرار الدستوريين؟ وماذا دار في مناقشات الدستور المصري في 1923؟

القصة التي نتبعها هي قصة مؤلمة ولكنها قصة يجب أن تحكى.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG