Accessibility links

الطريق إلى برشلونة


شموع لضحايا حادث الدهس الذي شهدته برشلونة

بقلم نيرڤانا محمود

في العام 1010 في الأندلس، طلب محمد الثاني )المهدي بالله( العون من زعيمين كتالونيين هما كونت برشلونة وكونت أورغل، من أجل استعادة قرطبة من سيطرة منافسه سليمان. وكانت الحرب الأهلية آخذة بالاشتعال في قرطبة. وكان محمد الثاني قبل عام واحد قد أطاح بابن عمه الخليفة هشام الثاني (المؤيد بالله) ولكن جنرالات الأمازيغ في جيش الدولة الأموية فضلوا عليه سليمان. انتصر محمد الثاني بمساعدة الكتالونيين ولكنه اغتيل في ما بعد واستمرت الحرب الأهلية أو "الفتنة" لأعوام حتى قضت على حكم بني أمية في قرطبة.

أعاد الهجوم الإرهابي المروع في برشلونة الأسبوع الماضي، إلى الذاكرة نقاشات خضتها في الماضي مع كثير من الإسلاميين. وعلى العموم، لا يخلو حديث مع أي إسلامي بغض النظر عن انتمائه من ذكر كلمة "الأندلس".

خلال أولمبياد برشلونة عام 1992، لم يرُق لمرافقي المسلم مدحي للمدينة، وأثار الأمر جدلا طويلا بيننا حول مواضيع شتى، ابتداء من سبب التحريم على النساء ارتداء الأزياء الرياضية الكاشفة، وصولا إلى الأسباب التي توجب علينا كمسلمين ألا ننبهر بالغرب. وبالطبع جاء ذكر الأندلس مصحوبا بالحنين الرومانسي المعتاد للعصر الذهبي، ولكن مرافقي أضاف على نحو عابر جملة ملفتة للانتباه: "حتى الكتالونيين قتلوا المسلمين".

كلفني اكتشاف الأصول التاريخية لهذه المزاعم الملتوية سنوات طويلة. لا يرى في هذا الحدث التاريخي مثالا على قتل المسيحيين للمسلمين سوى مرضى العقول. فالانقسامات بين العرب أنفسهم، وبينهم وبين الأمازيغ كانت السبب الرئيسي وراء الحرب الأهلية في قرطبة، وكان دور المسيحيين فيها، سواء الكتلان أم غيرهم، ثانويا.

المفهوم الخاطئ السائد في العالم العربي، هو أن الفكر المتطرف لا يمت لهم بصلة، ولكن هذا ليس صحيحا تماما. فبالرغم من أن المنفذين الفعليين لهجوم برشلونة الإرهابي قد يكونون جهلة فإن الإسلاميين المتطرفين يستندون في أفعالهم إلى قاعدة أيديولوجية إسلامية عريضة ومتينة، لها تفسيراتها الخاصة للتاريخ الإسلامي، وهي مهووسة على نحو خاص بالأندلس.

قبل حوالي شهرين، وبالتحديد في 11 حزيران/يونيو تحدث الإسلامي المصري أيمن خميس عبر قناة "مكملين"، مصرية تابعة للإخوان المسلمين ومقرها تركيا، واصفا الأندلس بأنها أرض محتلة، مضيفا قوله: "يجب أن نستعيد الأندلس من إسبانيا كما يجب أن نستعيد فلسطين من اليهود".

في سعيهم للهيمنة على المشهد السياسي، احتاج الإسلاميون مثالا من الماضي لدعم ادعائهم بأن الحكم بالشريعة يمكن أن يسمح بتعدد الثقافات وأن ينجح. ولهذه الغاية، أصبحت الأندلس دعامة أساسية في الآلة الدعائية للإسلاميين.

يجمل الإسلاميون الماضي وينتقون تفاصيل تاريخية محددة، ويعززون مزاعمهم بالكثير من التبريرات الدينية.

لا تعمل آلة الدعاية هذه في الفراغ، فالإسلاميون يستثمرون نزعة حنين سائدة على نحو أوسع بين العامة من العرب، إلى ما يعتبرونه "العصر الذهبي" للإسلام. ولكن في الوقت الذي يفخر فيه بسطاء المسلمين بالتاريخ المنفتح والمتسامح لعصر الأندلسي بقصائده الرومانسية وعمارته وموسيقاه، يركز الإسلاميون السياسيون على الهيمنة الدينية، وكيف كانت ذات يوم طريقا للتمكين.

وفي خضم الاضطرابات السياسية المتواصلة في الشرق الأوسط، يرى كثيرون أن هذا الحنين إلى الأندلس ممارسة غير مؤذية بل ضرورية لشحذ معنويات العرب ومساعدتهم على استعادة الثقة في قدراتهم.

إلا أن الهجمات الإرهابية في برشلونة يجب أن تضع تلك الفرضية الساذجة. فالطريق إلى برشلونة بدأ منذ زمن بعيد كحنين حميد إلى أرض المجد، الأندلس، ثم تطور إلى هوس مقيم في الماضي عند الإسلاميين، وأخذ الآن منحى خطيرا وعنيفا على أيدي الجماعات الأصولية.

لدينا نحن العرب كل الحق في أن نفخر بحضارات ماضينا، ولكن لا يجب أن ندع فخرنا يعيقنا عن فهم التاريخ. حضاراتنا لم تكن مثالية، الأندلس كانت أرضا للحب والرومانسية لكنها كانت أرضا لسفك الدماء والخيانة، كذلك.

دخل العرب شبه الجزيرة الأيبيرية في ظل حالة انعدام ثقة بينهم وبين ضباطهم الأمازيغ، أدت في النهاية إلى حرب أهلية مدمرة قضت عمليا على الحكم الأموي ومهدت الطريق إلى زواله.

يتوقف السياح العرب بسرور لالتقاط الصور أمام قصر الحمراء الخلاب في قرطبة، ولكن زيارة إلى أطلال مدينة الزهراء وحكايتها المؤسفة الشاهدة على الحرب الأهلية قد تساعدهم على إكمال الصورة.

تنشأ الإمبراطوريات ثم تنتهي، والأندلس ليست استثناء. إنها ليست نموذجا قابلا للاستنساخ.

من المستحيل محاكاة السياق الذي وجدت فيه الأندلس في زماننا الحالي، ولا يجب أن ندع الإسلاميين يستغلون مشاعرنا.

رمنسة الماضي لن تعيده، ولن تجلب مستقبلا أفضل للعالم العربي.

--------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG