Accessibility links

محاولة لفهم الاستراتيجية الروسية في سورية


جنود روس في سورية، أرشيف

بقلم إيلان بيرمان/

على ماذا تبني روسيا حساباتها في سورية؟ فمنذ قرارها الرسمي التدخل في الحرب الأهلية السورية في أيلول/سبتمبر 2015، أصبحت حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضامنا لاستقرار نظام الأسد، وكذلك طرفا أساسيا في صناعة أي حل ممكن للأزمة المستمرة هناك. ومع ذلك، ما تزال دوافع موسكو لمواصلة وجودها في سورية غير مفهومة على نحو واضح بالنسبة لمعظم المراقبين، سواء في الشرق الأوسط أم في الغرب.

أول هذه الدوافع هو البحث عن موقع استراتيجي.

فروسيا ترى نفسها قوة عظمى ولاعبا أساسيا في السياسة الدولية، وبالتالي تسعى لزيادة قدرتها الاستراتيجية على المناورة وتعزيز مكانتها العسكرية والسياسية كلما سمحت لها الأوضاع الدولية.

وقد شكلت المراحل المبكرة من الحرب الأهلية السورية تحديا لهذه الأولويات الروسية، إذ هددت معقل روسيا في شرق المتوسط، والذي تمحور منذ أوائل السبعينيات حول ميناء طرطوس. الحاجة إلى الحفاظ على تلك الوضعية الأساسية كان لها دور هام في اتخاذ روسيا عام 2015 قرارا بالتدخل في الأزمة السورية، ومنذ ذلك الحين، تركزت معظم جهود موسكو على تثبيت وجودها العسكري في بلاد الشام.

والنتائج كانت مدهشة. فقد نجحت روسيا خلال العامين الماضيين في تعزيز قاعدتها البحرية في طرطوس، وتأسيس قاعدة جوية جديدة في اللاذقية، (والبدء في بناء منشآت عسكرية أخرى) وكذلك نشر قوة بحرية أكبر في شرق المتوسط، وأخيرا تأمين عقد طويل الأمد لاستخدام قاعدة حميميم الجوية في شمال غرب سورية. والمحصلة هي أن وضع روسيا الاستراتيجي في سورية وقدرتها على استعراض قوتها في المنطقة أصبحا اليوم أفضل بكثير مما كانا عليه قبل عامين.

الدافع الثاني لوجود روسيا في سورية هو حاجتها المستمرة للحفاظ على زخمها السياسي.

فعلى كل حال، في الوقت الذي تدخلت فيه روسيا في سورية في سبتمبر 2015 كان الكرملين منخرطا في نزاع عسكري آخر أقرب للبلاد، في الجارة أوكرانيا. وساعد المسار الذي آل إليه ذلك النزاع في تشكيل نهج الحكومة الروسية تجاه سورية.

وبالتحديد، فإن مكاسب روسيا الاستراتيجية في ما يخص أوكرانيا، رغم التفاؤل الأولي، كانت أقل من المتوقع. كان سبب ذلك، جزئيا، هو القوة والمهنية المتناميان للجيش الأوكراني وكذلك المساعدة العسكرية التي خصصتها دول حلف الناتو لحكومة الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو. وجاء التدخل في سورية ليكون بالنسبة لكثير من المسؤولين الروس طريقة ملائمة لـ"تغيير مسار الحديث" بعيدا عن أوكرانيا وتقديم صورة للديناميكية الاستراتيجية الروسية على مسرح أحداث آخر.

وأخيرا فإن الاستراتيجية الروسية في سورية تم تصميمها بشكل كبير لمجابهة التيارات الإسلاموية.

روسيا بلد يعيش مخاض تحول ديموغرافي هائل، وهو أمر يجهله الغرب. فبينما يتراجع التعداد السكاني لروسيا الاتحادية إجمالا، يتزايد تعداد الأقلية المسلمة فيها وقد يبلغ قرابة خمس إجمالي السكان في الأعوام القليلة المقبلة.

هذه المجموعة البشرية المتنامية يتم الآن حشدها في إطار التطرف، وحسب تقديرات روسية رسمية فإن حوالي ثلث المقاتلين الأجانب الذي انضموا لتنظيم داعش في سورية والعراق، والذين يزيد عددهم على 30 ألفا، تدفقوا من روسيا الاتحادية ذاتها أو من دول في آسيا الوسطى. ويدرك الكرملين وجود هذا الفصيل الجهادي. وتدخل الكرملين في الأزمة السورية هو جزئيا على الأقل، استراتيجية دفاعية تهدف إلى التخلص من هؤلاء المتطرفين قبل عودتهم إلى الوطن.

وقد ساعدت هذه الاعتبارات خلال العامين الماضيين ساعدت في دفع روسيا للقيام بدور رئيسي في الأزمة السورية، واليوم، رغم ذلك، يواجه نهج موسكو عراقيل وفرصا سانحة، في آن واحد.

فمن ناحية، تراجع الدعم الذي كان يلقاه الكرملين من النخبة والشارع الروسيين تجاه الحملة السورية. وفي مسح أجراه مؤخرا مركز "ليفادا"، أحد مراكز استطلاع الرأي الروسية الموثوقة، قال نصف المشاركين إن تدخل الجيش الروسي في سورية يجب أن يتوقف وفي أقرب وقت. هذا الوضع يجعل الكرملين في حاجة ماسة، أكثر من أي وقت مضى، لنصر سياسي حاسم، ونجاح يمكن قياسه بمعايير الداخل الروسي.

ومن ناحية أخرى، فإن الوصول إلى تسوية في سورية، بما يتفق ومصالح روسيا الاستراتيجية على المدى البعيد، يبدو أقرب وأقرب إلى التحقق.

فمع انهيار تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسورية فإن وضع بشار الأسد الذي كان يوما ما متزعزعا أصبح الآن أكثر قوة، إلا أن الدكتاتور السوري سيحتاج، في المستقبل القريب، إلى دعم وتدخل دوليين لمواجهة المعارضة المتعددة لحكمه وكذلك لضمان وحدة أراضي الدولة السورية المتصدعة.

هذا الوضع يتيح للكرملين فرصة للمشاركة في وضع حل سياسي للأزمة الحالية. وإذا نجح في فعل ذلك سيكون الوجود الروسي الاستراتيجي طويل الأمد من دون شك جزءا من سورية الجديدة. وكذلك ستكون أيضا العمليات العسكرية في أنحاء البلاد وخارجها للتخلص من التهديدات التي تواجه الدولة الروسية ومصالحها.

ــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG