Accessibility links

الإشارة الضوئية خضراء والطريق مفتوح


الناشطة السعودية منال الشريف وهي تقود السيارة،أرشيف

بقلم كوليت بهنا/

قوبل القرار الملكي السعودي الذي سمح قبل أيام لنساء المملكة بقيادة السيارات بترحيب دولي عام غير مفاجئ، إذ جاء هذا القرار الايجابي تتويجاً لجهود وإصرار نساء شجاعات امتد لسنوات. كذلك بسبب مطالبات غير علنية تكررت لسنوات – كنصائح- في الكواليس الدولية، أو مطالبات معلنة ومباشرة قادتها منظمات حقوقية عالمية لحثّ المملكة على تغيير صورتها النمطية التي ارتبطت بها منذ عقود على أنها الدولة الوحيدة التي تمنع نساءها من ممارسة هذا الحق البسيط. أضف أن قراراً تاريخياً كهذا لم يكن ليرى النور لولا الضرورات الحتمية التي حملتها رياح التغيرات العميقة التي تشهدها منذ بضع سنوات دول المنطقة والجوار، تغيرات أو تحولات جذرية أشبه بإعادة التشكيل القائم على مواكبة الحداثة العالمية والتي إن لم تُصِب، أو استعصت على تغييرات سياسية رئيسة، فهي على الأقل ستطال البنى الاقتصادية والفكرية والاجتماعية وتمهد للتغيرات السياسية. وفي الحقل الاجتماعي يندرج القرار السعودي الأخير الذي يبدو للعالم – ظاهرياً - كحق بسيط للغاية، إلا أنه بمعرفة طبيعة البنية الاجتماعية السعودية العنيدة، يمكن اعتباره مؤشراً مبشراً لمكاسب وحقوق إنسان أخرى قادمة بات من الصعب تفاديها، وهو بيت القصيد.

لا تختلف مطالبات المرأة السعودية عن مطالبات كل نساء العام بحقوقهن، وفي متابعة لتطورات الأحوال النسائية في المملكة، لا يتسع المجال هنا لسرد الكثير من الإنجازات الحقيقية التي حققتها سيدات سعوديات نجحن وبرزن محلياً وإقليمياً ودولياُ في العقدين الأخيرين في مجالات حيوية عدة كالأدب والفن التشكيلي وإدارة الأعمال والقانون والصحة وقطاع البنوك والإعلام والاقتصاد والصناعة وبشكل أقل في السياسة، إنجازات يمكن اعتبارها المفخرة الحقيقية التي تستحق الإضاءة، والتي أسست ومهدت البيئة المناسبة لقرار السماح بقيادة السيارة. لكن يطرح السؤال نفسه هنا، إلى أين ستقود المرأة السعودية سيارتها؟ للتسوق والنزهة فقط؟ هل هذا هو طموحها لا أكثر، أم أنها تحفر بصبر منذ سنوات طرقاتها الجديدة وتمهدها لتصل إلى مركز عملها، هدفها الحقيقي؟

قيادة السيارة، من فعل قاد، يفسر بدهياً تعنّت المتشددين وتصديهم له، إذ لا تتقبل العقلية الذكورية فكرة قيادة المرأة في أي من مناحي الحياة، لا السيارة ولا حتى السكوتر. وفعل القيادة عدا عن أنه سلب أو مشاركة للسلطات المطلقة التي يستأثر بها الذكور منذ آلاف السنين، هي أيضاً نسف لمبدأ عدم الثقة بقيادتها، والذي تم ترسيخه باستمرار من قبل المتنفذين وأولياء الأمر اجتماعياً ودينياً وفكرياً، كما شاركت بترسيخه نساء دون إدراك منهن. فالثقة بالطبيب الرجل ومهارته ومقدرته على التطبيب أكبر بكثير من مقدرة الطبيبة المرأة، والمحامي أكثر شطارة من المحامية المرأة، والكاتب الرجل أوسع إدراكاً من الكاتبة المرأة، والأمثلة كثيرة لاتعد ولا تحصى في هذا المضمار. والنساء مهما تفوقن تغلب عليهن عواطفن، و"ناقصات عقل ودين"، وعند الضرورة يتم الاستشهاد بالأبحاث العلمية التي أثبتت أن دماغ المرأة اقل بنسبة 8% من دماغ الرجل، دون متابعة الحديث عما أكدته آخر هذه الأبحاث بأن حجم البنية لا يؤثر على كفاءة الأداء.

وللإنصاف، تستوي العقلية الذكورية في هذا التمييز على أساس نوع الجنس في معظم دول العالم، إذ ما إن صدر القرار السعودي بالسماح للمرأة بالقيادة، حتى انهالت على مواقع التواصل الاجتماعي التعليقات الساخرة والاستشهاد بأمثلة كثيرة عن عدم كفاءة المرأة أو مهارتها في قيادة السيارة، رغم أن بعض احصائيات إدارات المرور وشركات التأمين العالمية أكدت أن النساء يقدن على نحو أكثر أماناً، وأن الرجال يتورطون بحوادث سير أكبر بكثير من النساء.

مبارك لَكنّ فعل القيادة نساء السعودية، الإشارة الضوئية خضراء، والطريق مفتوح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG