Accessibility links

البعد الرابع للقرار السعودي   


سيدات سعوديات ينزلن من سيارة في الرياض-أرشيف

بقلم د. توفيق حميد/

أخَذ قرار السعودية السماح للمرأة بقيادة السيارة حيزاً ليس هيناً في الإعلام المحلي والدولي على السواء. وككلمة حق، فإن القيادة السعودية التى أصدرت هذا القرار تستحق كل الاحترام والتقدير والتأييد في هذه الخطوة الرائعة التي تحتوي في ثناياها على الكثير من الأبعاد.

أحد هذه الأبعاد هو أن القرار يدل على رغبة المملكة الجادة في تغيير الاتجاه الفكري إلى التقدم والحداثة. وتغيير الاتجاه يكون غالباً أصعب بكثير من زيادة التحرك في نفس الاتجاه لأنه قد يواجه الكثير من المعوقات المجتمعية خاصة من دعاة الرجعية.

فعلى سبيل المثال، لو أن دولة "ليبرالية" أخذت قراراً بإعطاء المرأة المزيد من الحقوق فإن الأمر سيكون أسهل بكثير من أخذ قرار مشابه فى دولة "محافظة"، لأن القرار فى الدولة الأولى يسير فى نفس الاتجاه الفكرى السابق أما فى الحالة الثانية فهو معاكس له، و لذا فإن ما حدث فى المملكة إن كان يدل على شيء فإنما يدل على رغبة صادقة و عزيمة حقيقية فى التغيير إلى الأفضل.

أما البعد الثاني الذي يمكننا رؤيته فى هذا القرار فهو القدرة على إدارة الأمر والإعداد له بأسلوب بارع بل وعبقرى. فقبل اتخاذ هذا القرار التاريخى تم تقليص سلطات "جماعة الأمر و النهي" حتى لا يتسببوا فى حدوث مشاكل مجتمعية بعد صدور القرار و لم يقف الأمر عند ذلك الحد بل أخذت السلطات السعودية حديثاً موقفاً قانونياً قويا ضد دعاة التطرف الرافضين للتغيير. وقد مهد ذلك لاتخاذ القرار الأخير ووضعه فى حقل التنفيذ بأقل مشاكل ممكنة. كل ذلك تم فى إطار واضح من رغبة المملكة فى مقاومة التطرف ودعاة الكراهية كما أعرب عن ذلك أكثر من مرة وفي أكثر من موقف جلالة الملك سلمان. و القرار الأخير للمملكة بخصوص قيادة المرأة يعبر بوضوح عن هذا التوجه.

أما البعد الثالث فى هذا القرار فهو التأييد الشعبى الجارف له والذي وضح في منتديات التواصل الاجتماعى عبر الإنترنت. فمن الواضح أن القرار السعودى الأخير كان معبراً عن رغبة غالبية المجتمع السعودي و ليس فقط عن رغبة فرد أو حفنة قليلة من الأفراد.

والتقدم الملحوظ للهاشتاغات المؤيدة للملك وللقرار فور صدوره أظهر بوضوح أن الأغلبية فى المملكة راغبة فى التغيير إلى الأمام والتقدم وأن نسبة هؤلاء تفوق بمراحل نسبة من لا يريدون التغيير. و ذلك يعطي دفعة أكبر لقيادات المملكة لاتخاذ خطوات أخرى فى نفس الاتجاه التقدمي. و قد كان شيئاً جميلاً أن نرى كيف أن تفاعل الإنترنت أظهر التأييد الشعبى لهذا القرار و بهذه السرعة.

و الآن سأنتقل للبعد الرابع لهذا القرار والذي قد يكون بعداً غير مرئي للكثيرين. و هذا البعد هو تأثير هذا القرار على طريقة التفكير الدينية التقليدية فى العالم الإسلامى. فالكثير فى عالمنا الإسلامي يرى الأمور الدينية بصورة مطلقة فهي إن كانت "حلالاً" فى تصوره فقد يفعلها حتى وإن خالفت ضميره أو إن لم تكن مناسبة للواقع الذي يعيش فيه. والقرار الأخير للمملكة سيسمح ويساعد على تغيير طريقة التفكير الدينية من المطلق إلى النسبي، فما كان "حراماً" بالأمس تبعاً لبعض المفاهيم الدينية فقد يصبح "حلالاً" اليوم فى ظل ظروف أو متغيرات أخرى وتبعاً لمفاهيم دينية جديدة.

و لذا فإن هذا البعد أو البعد الرابع للقرار قد يفتح المجال للتغيير الإيجابي فى طريقة التفكير الدينية عند البعض - إن لم يكن عند الكثيرين - في العالم الإسلامي.

و قد تكون للقرار أبعاد كثيرة أخرى مثل البعد الاقتصادي، فإن هذا القرار قد يتسبب فى توفير مليارات الريالات للشعب السعودي بدلاً من إنفاقها على عمالة وافدة وبصورة شبه إجبارية لاستقدام سائقين (رجال) للنساء فى المملكة. و بالإضافة إلى ذلك فإن القرار سيحسن من صورة المملكة العربية السعودية في أنحاء المعمورة كافة.

ويبقى بعد ذلك أهم سؤال ألا وهو هل ستأخذ المملكة خطوات تقدمية أخرى و هل ستواجه بصرامة المفاهيم الدينية المنتشرة والتي تساعد التطرف و تدعم الإرهاب؟ المؤشرات الأولية تدل على أن المملكة قد تقوم بالفعل بهذا الدور الذي قد يغير وجه التاريخ إلى الأفضل.

و باختصار شديد فإن التداعيات والتأثيرات الإيجابية لقرار المملكة العربية السعودية بالسماح للمرأة بقيادة السيارة لا تقف فقط عند حدود القيادة و إنما تتخطاها لأبعاد أخرى وتفتح بابا من الأمل و التغيير الإيجابي المنشود في العالم الإسلامي.
ــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG