Accessibility links

كم جائزة أوسكار تنتظر 'شكل الماء'؟


صناع فيلم شكل الماء

بقلم رياض عصمت/

مع حفل توزيع جوائز "غولدن غلوب" (التي تمثل الصحافة الأجنبية) في 7 يناير/كانون الثاني 2018، التي تعتبر مؤشراً إلى نتائج "الأوسكار" في 4 مارس/آذار 2018، يتراهن عشاق السينما متكهنين بالفيلم الذي سيفوز بأكبر عدد من الجوائز بين الأفلام المتنافسة في المسابقة السينمائية الأهم في العالم، ومن سينال جوائز الإخراج وأفضل ممثل وأفضل ممثلة وأفضل تصوير وأفضل مونتاج وأفضل موسيقى وسواها من الأوسكارات. اتضحت معالم الترشيحات لجوائز الأكاديمية الأميركية للسينما مع نهاية العام 2017.

أعتقد أن غاري أولدمان هو أحد أقوى المرشحين لجائزة أفضل ممثل عبر تقمصه الممتاز لشخصية ونستون تشرشل في فيلم "الساعة الأكثر ظلمة". أما المنافسة على جائزة أفضل ممثلة، فأعتقد أن المرشحة الأولى لها هي سالي هوكينز عن دورها في فيلم "شكل الماء"، لكن المنافسة ستكون قوية بلا شك بينها وبين فرانسيس ماكدورماند عن فيلم "ثلاثة ألواح خارج إيبينغ، ميسوري".

ربما كانت قائمة المخرجين المتنافسين أوسع، لكن غويليرمو ديل تورو يتصدرها دون شك عن فيلمه "شكل الماء"، فهو رغم إخراجه لأفلام متميزة مثل "الذروة القرمزية"، "مطِّهر بان"، "باسيفيك ريم"، "هِل بوي" وسواها، يقدم في فيلمه "شكل الماء" أفضل إخراجاته على الإطلاق. لكن مخرجين متمكنين آخرين يجعلون المنافسة شديدة الصعوبة، يتقدمهم ستيفن سبيلبرغ - الذي سبق أن فاز بأوسكار الإخراج مرتين - هذه المرة عن فيلمه السياسي "ذا بوست" The Post من بطولة ميريل ستريب وتوم هانكس. مهما كانت النتائج، فإن فيلم "شكل الماء" بلا شك أحد أهم إنجازات عام 2017 السينمائية. لهذا، فالاحتمال الأكبر أن ينال غويليرمو ديل تورو جائزة أفضل إخراج.

"شكل الماء" (2017) فيلم فريد من نوعه، غريب وساحر مثل جوهرة سوداء تشع أسطحها بألف لون ولون لتبهر الأنظار. كتب قصة الفيلم وأسهم في كتابة السيناريو مخرج الفيلم نفسه غويليرمو ديل تورو، بالتعاون لأول مرة في حياته مع كاتبة سيناريو تدعى فانيسا تايلور. "شكل الماء" فيلم حافل بالخيال وبالرومانسية، لكن المدهش أن قصة الحب فيه هي بين عاملة تنظيف بكماء ووحش مائي له قوام البشر. تدور أحداث الفيلم في حقبة الحرب الباردة مع الروس، وتتضمن حبكة الفيلم تشويقاً شديداً طيلة ساعتين دون أن يفقد الإيقاع أبداً. منذ أن نتعرف كمشاهدين إلى عاملة التنظيف إليزا (لعبت دورها باقتدار بالغ سالي هوكينز،) نلاحظ معاناتها من العزلة وتوقها إلى شريك حياة. إنها تعمل في منشأة أبحاث عسكرية سرية، وتعيش في شقة بائسة تقع فوق صالة سينما قديمة، لا أنيس ولا جليس لها سوى شخصين. أولهما جارها الكهل جايلز (أدى دوره ريتشارد جنكينز) الفنان الذي لا يجد من يهتم بمهارته المتميزة في الرسم. أما الشخص الثاني، فهي زميلتها عاملة التنظيف السوداء زيلدا (لعبت دورها أوكتافيا سبنسر) التي تعطف على صديقتها البكماء، تساندها أمام زميلات العمل، وتترجم لها لغة الإشارات إلى كلام مفهوم، وتثور لحمايتها حتى أمام وشاية زوجها عنها لضابط الأمن. في تلك المنشأة العسكرية السرية الحصينة، يجلب ذلك ضابط الأمن ريتشارد (لعب دوره الممثل القدير مايكل شانون) مخلوقاً تم أسره من غابات البرازيل ليجري عيله تجارب مختبرية (أدى دور المخلوق دوغ جونز،) وإن تتخذ التجارب شكل التعذيب بالضرب والصعق بالكهرباء لذلك المخلوق الذي يتغذى بالماء المالح والبروتين. رغم خطورة ذلك المخلوق الذي يقضم أصبعي سجانه ويكاد أن يقتله، لا تخاف منه عاملة التنظيف البكماء إليزا على الإطلاق، بل تدنو منه وتطعمه البيض المسلوق الذي تجلبه من بيتها، ثم ما تلبث أن تسمعه موسيقى من أسطوانة على بيك-أب، فتنشأ بينهما صداقة وطيدة خفية عن الأنظار. يتابع أخبار المخلوق البر-مائي ذي القدرات الخارقة عصبة من الجواسيس السوفييت، الذين يستغلون وجود عميل لهم داخل المنشأة يعمل كأبرز علمائها ويدعى الدكتور هوفستيتلر (لعب دوره مايكل ستوهلبرغ) فيأمرونه إما أن يقوم باختطاف المخلوق البر-مائي العجيب أو بإزهاق روحه بإبرة سامة. تتصاعد حبكة الفيلم عندما يتعاون كل من إليزا وجارها الفنان الكهل وصديقتها السوداء والعالم في تهريب المخلوق العجيب من الأسر إلى شقة إليزا، حيث يهيئون له بانيو الحمام ويذوبون فيه الملح والبروتين. تتطور الحبكة بحيث تنشأ علاقة حميمة بين إليزا وذلك المخلوق، الذي تكتشف وجارها الرسام أن قدراته تشفي الجراح وتتحدى طلقات الرصاص. في مشهد ساحر قبيل النهاية، صوره غويليرمو ديل تورو بالأسود والأبيض، تتخيل إليزا أنها تغني وترقص مع المخلوق كأنهما في فيلم ميوزيكال من الحقبة الذهبية لتلك الأفلام. خلال المطاردة الأخيرة في الفيلم، يقتل العالم والضابط، وتغرق إليزا مع صديقها المخلوق في الماء، إنما لتفتح عينيها فجأة وتسبح حية مع المخلوق العجيب في رقصة حب أبدية.

قام المخرج المبدع غويليرمو ديل تورو بتصوير فيلم "شكل الماء" خلال 12 أسبوعاً فقط، وكان يرغب في تصوير الفيلم بكامله بالأسود والأبيض لتحقيق مزيد من المصداقية إزاء الحقبة الزمنية التي يجري فيها، لكن التكلفة العالية لذلك حالت دونه ودون تحقيق حلمه، فاكتفى بالمشهد الساحر للرقصة والأغنية قبيل خاتمة الفيلم. هناك عدة مشاهد ساحرة في هذا الفيلم الاستثنائي، منها ملء إليزا لشقتها كلها بالماء لتسبح في أرجائها مع المخلوق إلى أن يتسرب الماء إلى صالة السينما، وينقذها جارها الرسام من الورطة. كذلك هو مشهد الرقصة بالأسود والأبيض، التي تذكر بقصة "الحسناء والوحش". استغرقت تجارب المكياج للوصول إلى شكل المخلوق تسعة أشهر، أي ما يماثل ولادة كائن بشري. فاز فيلم "شكل الماء" (2017) بالجائزة الكبرى لمهرجان فينيسيا، فكان أول فيلم ناطق بالإنكليزية يحظى بهذا الشرف. صرَّح غويليرمو ديل تورو إنه منذ وقعت عيناه على سالي هوكينز قرر أن يصنع فيلماً تلعب بطولته وتكون محوره. هكذا، خلق القصة، وأعطى سالي هوكينز شخصية الصبية البكماء ذات العينين الواسعتين والقلب الكبير. أما أوكتافيا سبنسر، التي سبق أن حازت أوسكار أفضل ممثلة مساعدة عن دورها في فيلم "الخادمة"، فقالت إنها مستعدة أن تقطع الكرة الأرضية مشياً كي تعمل مع المخرج غويليرمو ديل تورو، وأبدت انبهارها بالإكسسوارات الرائعة، حتى أنها استأذنت في أخذ بعضها. قام بتصوير الفيلم باقتدار بالغ مدير التصوير المخضرم دان لوستيسن، الذي سبق أن صور مع المخرج "الذروة القرمزية"، وأعتقد أنه أيضاً سيكون ضمن المرشحين لأوسكار أفضل تصوير. قام بمونتاج الفيلم سيدني ولينسكي، ووضع الموسيقى التصويرية له ألكسندر ديسبلات. تعزا أبرز عوامل نجاح الفيلم الأخرى إلى إجادة التمثيل بصدق وحرارة. أول المبدعين بالطبع هي سالي هوكينز، التي لعبت شخصية إنسانة بسيطة بكماء محرومة من كل مباهج الحياة، لكن روحها تطفح بعاطفة إنسانية غامرة تجعلها تخاطر بكل ما تملك كي تنقذ مخلوقاً عجيباً من الظلم، ثم تتوحد معه في علاقة حب متبادلة افتقدتها عند البشر الأنانيين والفظين. أعتقد أن هذه الممثلة البريطانية ستكون أقوى المرشحات لأوسكار أفضل ممثلة عن هذا الدور الاستثنائي المميز الذي تقمصته باقتدار. بدورها، أدت أوكتافيا سبنسر دوراً مميزاً كممثلة مساعدة، وكذلك فعل ريتشارد جنكنز، و من المتوقع أن يرشح كلاهما لجائزتي الممثلة والممثل المساعدين. أما دور الشر البارز في الفيلم، فقام به بإتقان الممثل القدير مايكل شانون، الذي سبق أن تألق في فيلم "حيوانات ليلية"، وهو الممثل الذي انطلق مسرحياً من شيكاغو ليتابع تألقه السينمائي عاماً بعد عام. باختصار، خلق المخرج ديل تورو في فيلم "شكل الماء" لوحة سينمائية مثلما تشكل لوحة الفسيفساء، فكل تفصيل صغير منها له علاقة متكاملة مع الأخر، بحيث يلهم المشاهدين مشاعر رومانسية مفتقدة من المحبة وسط عالم تهيمن عليه العزلة والحرمان.

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG