Accessibility links

مجزرة المسجد في سيناء: الفكر الجهادي الساقط في هاوية دون قعر


داخل مسجد الروضة في سيناء بعد الهجوم

بقلم حسن منيمنة/

حتى الساعة، لم يصدر أي بيان أو تسجيل عن "ولاية سيناء"، فرع تنظيم الدولة الإسلامية الناشط في شبه الجزيرة، يعلن المسؤولية عن الجريمة المروعة التي حصدت مئات الضحايا من المصلين. والامتناع عن الإشهار بالمسؤولية عن الأعمال المروّعة ليس معتادا لدى تنظيم الدولة، ولكنه سبق أن حصل في أكثر من حالة. فإن تسارع وسائل الإعلام المساندة لهذا التنظيم بالتلميح أو التصريح بأن المستفيد وبالتالي الفاعل هو السلطات المصرية أمر لا يعوّل عليه البتة. ورغم شح المعطيات القاطعة بهذا الشأن، فإن مراجعة ما شهده تنظيم الدولة من سجالات داخلية يفيد بالفعل أن مرتكبي جريمة المسجد هم من "ولاية سيناء"، بل يرجح أن تكون العلاقة بين التنظيم الأم، وهو الذي استنزفته المعارك في العراق وسورية، وبين فرعه في سيناء قد استهلكت بدورها.

«الأصل في النفس الآدمية العصمة»، هي الصيغة التي اعتمدها السلف من علماء الدين المسلمين، بمن فيهم ابن تيمية الذي يعول على مواقفه المتشددة جهاديو اليوم، للتأكيد على الحق المبدئي للإنسان بالحياة. أي أن هذا السلف اعتبر أن أرواح الناس مصانة ابتداءً، وأورد لذلك شواهد من الكتاب والسنة، وغلّظ على من فرّط بهذا الاعتبار. والخروج عن هذه القاعدة لديهم هو ما يتطلب الدليل المحكم. طبعاً، هؤلاء العلماء استفاضوا في ذكر الحالات التي تهدر فيها الدماء، حربا أو حدا أو تعزيرا، إلا أن العصمة الأصلية للنفس بقيت هي المنطلق.

وإذ يلحظ ثمة تراجع عن هذا الأصل لدى أئمة الدعوة النجدية، فإن استكمال نقض العصمة الأصلية للنفس قد تحقق في أوساط الحركة الجهادية المعاصرة. يذكر هنا أنه حتى تنظيم القاعدة، على قطعيته وتشدده، لم يبلغ تمام النقص بل سعى للاستحصال على الفتاوى من علماء شتى لتحليل قتله للمدنيين الأميركيين (ونال بالفعل فتاوى تشرّع له قتل ثلاثة ملايين منهم، بناء على حسابات مبنية على المماثلة، وتفترض أن الولايات المتحدة مسؤولة عن مقتل ثلاثة ملايين من المسلمين). الجيل الأول من "المجاهدين" المعاصرين، أي خريجو الجهاد الأفغاني، حاول تطويع مفاهيم التترس والبيات لتبرير قتل غير المقاتلين، بل استنبط، كما في الجزائر، مفاهيم جديدة من خلال توسيع العمل بفتاوى من قرون خالية، ولاسيما منها مقولة البعث على النيات، حيث يقتل المجاهد من شاء، وعلى رب العالمين ثواب الصالح وعقاب الطالح في دار البقاء. وإذا كان الغلو في هذه الأفكار قد أدّى إلى إنكارها، فإن الجيل التالي من "المجاهدين"، تدرج خلال جهاد البوسنة ثم الشيشان وصولاً إلى جهاد العراق، ليستقر على مقولة أن النفس معصومة بأحد أربعة: الإسلام أو الذمة أو العهد أو الأمان، أي أن أصالة عصمة النفس زالت، ولم يعد الحق بالحياة أساسيا.

ومع إعلان الدولة الإسلامية في العراق، فإن التصرف بالذمة والعهد والأمان أصبح لديها محصورا بها، لاسيما مع التوسع في مسائل أحكام الديار، والتي تم بناءً عليها تكفير كافة الحكام المسلمين للدول التي يغلب على أهلها الإسلام، ومعهم كل من آزرهم في مؤسسات الحكم والقوى الأمنية، مع قدر من الإبهام في الحكم على العامة في دولهم بالكفر.

ومع إعلان الخلافة، وعلى الرغم من التصور السائد بأن الدولة الإسلامية هي عند مطلق التشدد والتطرف والغلو، فإن قادتها قد انتهجوا نهجا «وسطياً» بين «غلاة الإرجاء» الذين يقرّون بإسلام العامة، وبين «غلاة التشدد» والذين يصرّون على اعتبار أن الأصل بهم الكفر، فكان موقف قادة الدولة أنهم يعاملون العامة معاملة المسلمين ما لم يظهروا ناقضاً من نواقض الإسلام. وما أسهل أن ينسب للعامي إظهار الناقض. فكم من رؤوس قطعت بتهمة سب الذات الإلهية، وكم من أرواح أزهقت بتهم الكفر والشرك والردة والسحر. فالدولة الإسلامية رست على اعتبار الجاهل كافرا، إلا أنها أقرّت استتابته وإخضاعه للدورات الشرعية، فإن عاد الكرّة قتل. إلا أن ثمة مجاهدين من جنود الدولة، وجلّهم من المهاجرين، ولا سيما من المصريين ومن دول الاتحاد السوفييتي السابق، من ساءه التراخي في تطبيق حد الردة والكفر، فكثيرا ما قتلوا أهل البلاد على عجالة إذا لم يحسن هؤلاء الأداء عند استجوابهم بأمور دينهم. واستأنس هؤلاء بأقوال بعض علماء الجهاد والذين وصلوا حتى إلى تكفير مجهول الحال. ومع انهزام تنظيم الدولة في الأشهر الماضية، اشتدت الأزمة بين الجانبين، «البغداديين» العاذرين بالجهل من جهة، و «الحازميين» المكفّرين به من جهة أخرى. وبعد مواجهات ومنازعات، خسر الحازميون مواقعهم القيادية والإعلامية وانكفأوا إلى الأطراف. إلا أن رجحان البغداديين على الحازميين لا ينسحب على ولاية سيناء، بل صدر عنها ما يشير إلى أن النهج التكفيري المتشدد هو الغالب. وإذا كان الصراع بين الجناحين لم يحسم في سيناء، فإن صمت تنظيم الدولة في إعلامه «البغدادي» عن مجزرة المسجد قد يكون دليلا على أن التكفيريين هم أصحاب اليد العليا.

من غرائب المفارقات أن يكون تنظيم الدولة هنا، وهو الذي اجترح فنون التحريق والتغريق والقطع والبتر والنحر، ونسف إنسانية الإنسان وجعل من مشاهد القتل ترفيها منحطا بحجة شفاء الصدور، هو «المتراخي».

مراجعة سريعة تلخيصا لـ "الإبداع" الجديد في الفكر الجهادي المعاصر: الابتداء كان أن الأصل عصمة النفس، أي أن الحياة مصانة، ثم أمست عصمة النفس رهنا بالإسلام، فالكافر يقتل إباحة أو استحبابا أو واجبا. وكان الإسلام أصلا على من يقول أنه مسلم، فأمسى رهنا بألا يرى فيه «الشرعي»، وهو القائم مقام العالم في التنظيمات الجهادية، ناقضا. أي أن المسلم هو وحسب من يشهد له الشرعي أنه مسلم. وكان حكم مجهول الحال حكم المسلمين، فأمسى لدى البعض في حكم الكفار. أي أن القتل أمسى الأصل بحق الناس كافة، إلا من رأى أرباب الجهاد ألا يقتلونه.

من المسؤول عن مجزرة سيناء؟ القتلة من تنظيم الدولة على الأرجح، حازميوهم أو بغداديوهم لا فرق، والفكر الجهادي المعاصر الذي أطّر القتل. غير أن استسهال إسقاط المسؤولية على الإسلام إطلاقا يعمّي مسؤوليات أخرى أدخلت هذا الفكر ومن يعتنقه إلى هاوية دون قعر. أن تحوي اللغة العربية، أو أية لغة أخرى، شتائم، لا يذمّ اللغة العربية بل يذمّ الشاتم والمجتمع الذي أنتجه. والإسلام هو لغة مجاهدي اليوم، فيه شدة غالبة ولكن فيه كذلك قدر غير ضئيل من اللين والرحمة. فالسؤال ليس كيف أن الإسلام ولّد هذا الفكر الجهادي الشاذ، بل كيف أن المجتمعات المسلمة قد أنتجت من يولّده من الإسلام. هي مجتمعات، بنظمها وساساتها، افتقدت الإقرار بالحق بالحياة والحق بالحرية والحق بالكرامة. قال أحد حكامها في زمن غابر: من والانا عذبناه، ومن عادانا قتلناه، ومن تأفف في قبره رحلناه، والسعيد السعيد من لا يرانا ولا نراه. أما مدى الاختلاف بين ذاك الزمان ويومنا هذا، فمسألة فيها نظر. وقصارى القول أن من لا يرى جريمة في رابعة لن ينجح بتجنب سيناء أخرى.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG