Accessibility links

مهمة قاسم سليماني الصعبة في بغداد


خلال فرز نتائج الانتخابات العراقية

بقلم د. عماد بوظو/

تحدثت مصادر إعلامية عن وجود قاسم سليماني، رجل المهمات الخاصة والحساسة للنظام الإيراني، في المنطقة الخضراء في بغداد ليقوم بما اعتاد القيام به خلال السنوات الماضية. فسليماني عمل سابقا، ويعمل حاليا، على ترتيب التحالفات لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة والعمل على حل الخلافات بين القوى السياسية المختلفة خصوصا القوى الشيعية وتنسيق جهودها على أمل تكوين تحالف انتخابي واسع يملك العدد الأكبر من مقاعد البرلمان العراقي ليستطيع حسب الدستور تشكيل الحكومة المقبلة. ونتيجة لثقة الأحزاب العراقية المرتبطة بإيران بقدرته على التأثير على القوى السياسية المختلفة صرح هشام الركابي المتحدث الإعلامي باسم رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي يوم 15 أيار/مايو الحالي بأنه خلال 48 ساعة سيتم الإعلان عن تشكيل تحالف أغلبية حول المشروع الذي يتبناه هذا الائتلاف حسب تعبيره.

في الأحوال العادية لا تواجه الجنرال سليماني صعوبات في إقناع مختلف الأطراف في العراق بوجهة نظره. ففي حالة مشابهة عام 2010 فازت القائمة الوطنية برئاسة إياد علاوي بالعدد الأكبر من مقاعد البرلمان (91 مقعدا) وهي قائمة ليبرالية عابرة للطوائف مقابل 89 مقعدا لقائمة دولة القانون برئاسة نوري المالكي والمكونة بشكل رئيسي من حزب الدعوة. استخدمت إيران نفوذها وشكلت تحالفا بين المالكي وأحزاب شيعية أخرى بحيث جعلت منهم كتلة برلمانية أكبر ومنحت المالكي رئاسة الحكومة مرة أخرى وسط تواطؤ غربي كما ذكرت وسائل الإعلام حينها.

فاجأت نتائج الانتخابات العراقية الجميع وأثار برنامج مقتدى الصدر الجريء مخاوف إيران والسياسيين الفاسدين

في عهد حكومة المالكي هذه حصل الانهيار الكبير للجيش العراقي واحتل تنظيم "داعش" مناطق واسعة من العراق. وخلال هذه الفترة أيضا أصبح قاسم سليماني أكبر من مجرد ممثل النظام الإيراني لدى العراق وتحول إلى قائد عسكري ميداني تظهر صوره في ساحات المعارك والبلدات المحررة بحيث توحي وكأنه هو صاحب الفضل فيما يحدث من انتصارات. ومع إنشاء الحشد الشعبي بقياداته القريبة من إيران أصبح من الصعب رد أي طلب لقاسم سليماني فقد كان نفوذه وتحكمه بالقرار العراقي واضحا لدرجة استفزت العراقيين.

اقرأ للكاتب أيضا: المأزق الذي يواجه "الإخوان المسلمين" في سورية

أتت الانتخابات العراقية هذه المرة في ظروف مختلفة وبوقت غير مناسب للنظام الإيراني. إذ سبقتها الاحتجاجات الشعبية داخل إيران نفسها والتي اندلعت نهاية العام الماضي ولا تزال مستمرة ولو بوتيرة أخف وبشكل متقطع. كشفت هذه الاحتجاجات عن عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعاني منها إيران، وهذا ما يعرفه العراقيون بحكم الحدود الطويلة بين البلدين والتداخل بين الشعبين. فالعراقيون هم الأكثر اطلاعا على حجم معاناة الشعب الإيراني.

كما جرت هذه الانتخابات في ظل إدارة أميركية جديدة وضعت في مقدمة أهدافها التصدي للسلوك الإيراني في منطقة الشرق الأوسط والحد من برنامجها الصاروخي بالإضافة لتجاوز الاتفاق النووي؛ وهي سياسة تختلف جوهريا عن سياسة الإدارة السابقة المتهمة بمحاباة، وحتى التواطؤ، مع النظام الإيراني.

وجرت هذه الانتخابات بعد القضاء على دولة الخلافة المزعومة "داعش"، والتي كان لجرائمها دور رئيسي في زيادة الشحن الطائفي في العراق ودفع الكثير من شيعة العراق نحو إيران. ومع هزيمة داعش أدرك العراقيون أن مصلحتهم وقدرهم أن يجدوا قواسم مشتركة للعيش معا في بلدهم الغني.

نتيجة لمجموع ما سبق كانت نتائج الانتخابات الأخيرة مختلفة عما سبقتها.

كان التيار الصدري الفائز الأول. ففي بغداد مثلا حصل على عدد من الأصوات قريب من مجموع أصوات قائمة الفتح برئاسة هادي العامري وقائمة دولة القانون برئاسة نوري المالكي. كما فاز بالمرتبة الأولى في معظم محافظات العراق ذات الأغلبية السكانية الشيعية.

أما المركز الثاني فقد تنافس عليه تحالف الفتح (الحشد الشعبي) القريب من إيران والنصر برئاسة حيدر العبادي. واستفاد هذان التحالفان من عوامل تتجاوز الخطاب السياسي. فالأول استفاد من دفعه رواتب لعشرات آلاف العائلات العراقية التي تطوع أبناؤها في الحشد الشعبي، وبالتالي فالأرقام التي حصلت عليها هذه القائمة لا تعكس تماما عدد مؤيدي سياساته بقدر ما تعكس عدد من ترتبط مصادر دخلهم مع هذا التشكيل المسلح بالإضافة لمن يخشون سطوة ميليشياته. أما الثاني فاستفاد وجوده في السلطة عند إجراء هذه الانتخابات وما لهذا من مميزات من ناحية العلاقة مع الجهاز التنفيذي والوظيفي للدولة. لكن كل هذا لم يكن كافيا ليحقق هذين التكتلين النتيجة التي كانوا يتوقعونها.

الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات كان ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي. فالتوقعات التي سبقت الانتخابات أشارت إلى أن المنافسة ستنحصر بين العبادي والمالكي لتشكيل الحكومة المقبلة. لكن النتائج أتت عكس ذلك. إذ انخفاض عدد أصوات تحالف دولة القانون في بغداد من أكثر من مليون صوت في الانتخابات السابقة إلى مئتي ألف صوت في الجولة الحالية. أما عدد مقاعده فمن المتوقع أن تتراجع من 95 مقعدا في برلمان 2014 إلى 25 مقعدا فقط في البرلمان الحالي. ومن أسباب هذا التراجع، إلى جانب الممارسات والسياسات التي اتبعها المالكي والاتهامات بالفساد التي طالت حكوماته، كان الموقف الذي اتخذته المرجعية الشيعية العراقية الممثلة بالسيد السيستاني ضد المالكي تلميحا أو بشكل مباشر.

كما أن هناك نقطة لها دلالة خاصة، وهي البرنامج الذي فاز على أساسه تيار الصدر بهذه النتيجة الكبيرة، إذ خاض هذا التيار حملته الانتخابية اعتمادا على مجموعة من الخطوط العريضة أولها مكافحة الفساد ومحاسبة اللصوص الذين نهبوا عشرات مليارات الدولارات من أموال العراق خلال الحكومات السابقة، وثانيها رفض تبعية العراق لأي دولة أجنبية والمقصود بشكل رئيسي هنا هو إيران.

وقد أكد مقتدى الصدر على توجهه الاستقلالي بزيارته الهامة للسعودية في نهاية شهر تموز/يوليو 2017، وكذلك في رفضه تدخل الميليشيات العراقية في سورية وموقفه المختلف في الموضوع السوري عن الموقف الإيراني. كما أنه يطالب بإلغاء المحاصصات الحزبية والطائفية عند تأليف الحكومة ويدعوا لتشكيل حكومة تكنوقراط يكون معيار الانضمام إليها الكفاءة والخبرة والمؤهلات العلمية وليس الولاء الحزبي أو الشخصي. وذكر الصدر أن الإسلاميين، والمقصود حزب الدعوة وأمثاله من الأحزاب السياسية، قد فشلوا في حل مشاكل العراق. وأصر الصدر على ضرورة تجديد الوجوه السياسية والتي لم تتغير خلال العقد ونصف العقد الماضي. وقد خرج بعض أتباعه بتظاهرات فور إعلان النتائج الأولية للانتخابات للاحتفال بهذا النصر وهتف بعضهم مطالبا بخروج إيران من العراق.

فاجأت نتائج الانتخابات العراقية الجميع وأثار برنامج مقتدى الصدر الجريء مخاوف إيران والسياسيين الفاسدين، ولذلك سارعت إيران بإرسال قاسم سليماني إلى بغداد، لتدارك ذلك والعمل على تشكيل التحالف الواسع بين العامري والمالكي والعبادي لتشكيل الحكومة المقبلة. لكن العبادي يعرف توجهات المزاج الشعبي العراقي ومن المستبعد أن يسير مع المطالب الإيرانية خصوصا أن إيران فضلت عليه قبل الانتخابات العامري والمالكي والذين امتدت حملتهما الانتخابية إلى الداخل الإيراني ووصلت إلى مدينة قم.

أكدت الانتخابات العراقية على أن الديمقراطية قادرة على معالجة أزماتها وتصحيح أخطائها

كما أن المكون السني والكردي في العراق يعتبر التيار الصدري البعيد بشعاراته عن الطائفية والتعصب القومي أقرب إليه من الأحزاب الموالية لإيران والتحالف معه ينسجم مع المزاج الشعبي في المناطق السنية والكردية. وحتى لو نجح سليماني في مهمته، وهذا مستبعد، فإن هذا سيزيد من احتقان الشارع العراقي ومن الحساسية الشعبية تجاه التدخلات الإيرانية وقد ينتقل الصراع السياسي إلى الشارع في تظاهرات ليس من المستبعد أن يدعو إليها الصدر إذا نجحت المناورات الإيرانية في حرمانه من حقه بتشكيل الحكومة المقبلة. ومن الطبيعي، حينها، أن تصبح مطالبه أكثر حدة تجاه رفض الهيمنة الإيرانية. ومن العوامل التي ستعزز موقف التيار الصدري، النفوذ المتزايد للمرجعية الشيعية في النجف الأشرف وموقفها الاستقلالي إذ تشير المعطيات الحالية إلى عودة دورها القيادي التاريخي وتباين مواقفها عن المرجعية في قم وبعض سياسات الجمهورية الإسلامية في إيران.

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة البابا فرنسيس ومحاكم التفتيش الأزهرية

تترافق المشاورات العراقية الحالية مع مواقف إقليمية ودولية أكثر حدة تجاه السلوك الإيراني في الشرق الأوسط، كان آخرها سلسلة العقوبات الأميركية ـ الخليجية المنسقة تجاه حزب الله اللبناني باعتباره الذراع الأقوى لإيران إقليميا ودوليا، والتي أعقبت نتائج الانتخابات اللبنانية الأخيرة. وكانت هذه الانتخابات قد زادت من سيطرة حزب الله على لبنان بسبب خسارة تيار المستقبل لأكثر من ثلث مقاعده لحساب حلفاء هذا الحزب. وهذه العقوبات ليست سوى بداية لسياسة منسقة تصاعدية تقودها الإدارة الأميركية الحالية تستهدف الضغط على إيران لتغيير سلوكها الإقليمي.

لهذه الأسباب والمؤشرات، فمن غير المتوقع أن يكتب النجاح لمحاولة قاسم سليماني، وستكون هذه المرة الأولى التي سيفشل فيها خصوصا مع ما تم تناقله إعلاميا عن أن رئيس الوزراء حيدر العبادي لم يحضر شخصيا اللقاء الذي دعا إليه سليماني، بل أرسل مندوبين عنه. وبذلك من غير المستبعد أن تكون الحكومة العراقية المقبلة أقل تبعية لإيران. وإذا ما تحقق ذلك فإنه سيكون بداية لوضع إقليمي جديد مختلف عما سبقه. وفي كل الأحوال فقد أكدت هذه الانتخابات على أن الديمقراطية قادرة على معالجة أزماتها وتصحيح أخطائها وتصويب توجهاتها طالما أن صندوق الاقتراع هو الحكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG