Accessibility links

لا ناقة للسودان في حرب اليمن ولا جمل


دورية لجنود سوادنيين في اليمن (أرشيف)

بقلم بابكر فيصل بابكر/

في أعقاب تواتر الأنباء مؤخرا عن مقتل عشرات الجنود السودانيين الذين يحاربون ضمن تحالف "عاصفة الحزم" الذي تقوده السعودية في اليمن ضد الجماعة الحوثية المدعومة من إيران وتهديد الأخيرة بشن هجمات صاروخية على أراضي السودان، طالب نائب برلماني بالسحب الفوري للقوات السودانية، ولكن وزارة الدفاع سرعان ما أكدت الاستمرار في المشاركة في الحرب ووصفتها على لسان وزير الدولة بأنها "طبيعية".

وكان السودان قد أرسل آلافا من الجنود لليمن مبررا الخطوة على لسان الصوارمي أحمد سعد الناطق باسم القوات المسلحة حينها، بأﻥ "ﺷﻌﺐ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻟﻦ ﻳﺒﻘﻰ ﻣﻜﺘﻮﻑ ﺍﻷﻳﺪي، ﻭﺍﻟﺨﻄﺮ ﻳﺤﺪﻕ ﺑﻘﺒﻠﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﻣﻬﺒﻂ ﺍﻟﻮحي ﻭﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺍﻟﺨﺎﺗﻤﺔ"، وأضاف سعد أن "ﻣﺸﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ ﻋﺎﺻﻔﺔ ﺍﻟﺤﺰﻡ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺭﻏﺒﺔ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺎﺕ ﻭﻗﺒﻠﺔ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭهي ﻫﺒﺔ ﺃﻫﻠﻨﺎ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺃﺭﺽ ﺍﻟﺤﺮﻣﻴﻦ".

ولكن حقائق الأمور تقول إن الأمة السودانية لم تتم مشاورتها في قرار المشاركة في تلك الحرب لمعرفة مدى رغبتها فيها. ويدرك غالبية السودانيين أنها حرب سياسية وصراع على السيطرة والنفوذ بالدرجة الأولى، وهي ليست حربا دينية من أجل الدفاع عن أرض الحرمين ولو كانت كذلك لكان من الأجدر أن تشارك فيها دول عربية وإسلامية أخرى أكبر وأقوى من السودان.

لم يسبق للسودان منذ استقلاله عن بريطانيا عام 1956 التورط في حرب داخلية في أية دولة

لا يستطيع شخص عاقل أن يقع في الفخ الساذج الذي يحاول تصوير حرب اليمن بأنها حرب بين معسكر المسلمين السنة ومعسكر الشيعة "الروافض" بحسب المصطلح الوهابي، فهذه الحرب تقع في إطار الصراع الجيو ـ سياسي بين السعودية وإيران، وهي ليست حربا مذهبية بالمعنى الصحيح وهذا ما يؤكده التحالف الذي جمع قوات الرئيس السابق على عبد الله صالح بالحوثيين.

اقرأ للكاتب أيضا: الإعجاز العلمي في القرآن وأحكام عدة المرأة

من ناحية أخرى، فإن درس التاريخ يعلمنا أن السعودية كانت الداعم الأكبر للإمام "محمد البدر" إمام المملكة المتوكلية اليمنية، وهي مملكة شيعية زيدية، إبان حرب السنوات الثمانية بين الجمهوريين والملكيين 1962 ـ 1970 والتي انتهت بقيام الجمهورية، مما يعني أن السعودية لا تخوض حربا دينية ضد الشيعة بل هي تصارع النفوذ الإيراني، وبالأمس كانت تصارع فكرة الدستورية الملكية التي تؤسس لما حدث لاحقا أي الجمهورية.

ويدرك السودانيون كذلك أن حكومتهم التي يقف على رأسها "الإخوان المسلمين" ظلت منذ سيطرتها على الحكم عبر الانقلاب العسكري في عام 1989 وحتى عام 2014 الحليف الأكبر لإيران في المنطقة، إذ قامت الأخيرة بدعمها سياسيا واقتصاديا وكانت في مقدمة الدول التي أمدت الجيش السوداني بالسلاح، وأشرفت على برامج التصنيع الحربي وقامت بإنشاء الأجهزة الأمنية وتدريب الكادر الاستخباراتي للنظام الحاكم، فكيف إذن تحولت إيران بين عشية وضحاها لمهدد لقبلة المسلمين ومهبط الوحي؟

أما من الناحية العسكرية، فإن مجريات القتال في الحرب اليمنية المستمرة منذ ثلاث سنوات تشي بأنها من نوع الحروب التي لا يمكن حسمها بالآلة العسكرية، وأن الخسائر البشرية والمادية للأطراف المتحاربة ستكون مرتفعة للغاية، وهذا هو الدرس الذي استوعبته مصر من تاريخ مشاركتها في حرب الأعوام الثمانية، ولذلك رفضت المشاركة بقوات برية في هذه الحرب واكتفت بمشاركة جوية وبحرية رمزية.

وإذا كان الدفاع عن أمن الحرمين الشريفين هو الذي حدا بالسودان للمشاركة في حرب اليمن، فقد كان من الأولى أن تشارك فيها دولة مثل باكستان لديها اتفاقية للدفاع المشترك مع السعودية ولكنها لم تفعل ولم ترسل جنديا واحدا لأرض المعركة في اليمن (للقوات الباكستانية في السعودية مهام تدريبية).

وعندما أرسل رئيس الوزراء الباكستاني حينها نواز شريف، طلب السعودية لبلده المشاركة في حرب اليمن للبرلمان لمناقشته والتقرير فيه، رفض البرلمان المشاركة في الحرب، وقال البرلمانى المعارض، غلام أحمد بيلور: "جيشنا ليس جيشا للإيجار"، وهذا هو في واقع الأمر الإحساس الذي يطغى على السودانيين اليوم، فهم يشعرون أن جيشهم قد تم إيجاره ليقاتل في جبال وتلال اليمن مقابل أموال تدفع للجنود الذين يعانون أوضاعا معيشية صعبة في بلدهم.

ويعلم السودانيون أيضا أن حكومتهم سعت للمشاركة في حرب اليمن من أجل فك طوق العزلة الإقليمية والدولية المضروب عليها، وحتى تغدق عليها دول الخليج الأموال التي تعينها على تسيير شؤون الدولة بعد الفشل الذريع الذي منيت به سياساتها الاقتصادية، ولكن يبدو أن تلك الأحلام لم تتحقق بعد أكثر من ثلاث سنوات من المشاركة في الحرب.

وللمفارقة فإن الدعم الذي قدمته السعودية ودول الخليج للسودان الذي يموت جنوده في اليمن بالمئات لم يبلغ عشر معشار ذلك الذي تم تقديمه لمصر التي لم تشارك في الحرب، وهو ما يشير من ناحية إلى عدم ثقة تلك الدول في مواقف النظام السوداني، التي يمكن أن تتبدل في أية لحظة، وهو من ناحية أخرى يؤكد أن تلك المشاركة لا تعدو كونها عملية مقاولة مدفوعة الأجر كما عبر عنها النائب الباكستاني في البرلمان.

يعلم السودانيون أن حكومتهم شاركت في حرب اليمن من أجل فك طوق العزلة الإقليمية والدولية المضروب عليها

لم يسبق للسودان، منذ استقلاله عن بريطانيا عام 1956، التورط في حرب داخلية في أية دولة، وقد اقتصر دور الجيش السوداني على المشاركة الرمزية في الحروب العربية ضد إسرائيل، وهذا أمر يتماشى وطبيعة القطر الذي يقع في هامش العالمين العربي والإسلامي، فهو ليس بلدا مركزيا، وبالتالي فإن أوضاعه وظروفه لا ترتب عليه أعباء مثل تلك التي يجب أن تتحملها الدول الكبرى في ذينك العالمين.

اقرأ للكاتب أيضا: داعشيات السودان العائدات

وفوق هذا وذاك فإن السودان موبوء بحروب داخلية متطاولة حصدت آلاف الأرواح وشردت ملايين، وأقعدت البلد الذي يتمتع بموارد مادية وبشرية كبيرة عن السير في طريق التنمية والازدهار، وهو كذلك يعاني من آفات الحكم الشمولي وما يترتب عليها من فساد وغياب الحريات والتداول السلمي للسلطة، وبالتالي فهو في غنى عن إرسال جنوده للمشاركة في حرب لن تجر عليه سوى مزيد من المشاكل.

قد ربطت السودانيين علاقات تاريخية ممتدة مع الشعب اليمني تميزت بالمحبة الكبيرة والتداخل والمصاهرة وتبادل المنافع ولم يعكر صفوها أية نوع من العداوات في أية وقت من الأوقات، إلى أن جاءت المشاركة الأخيرة للجيش السوداني في الحرب اليمنية، وهي مشاركة لا شك ستترك جراحات وندوبا في النفوس.

ولكن المؤمل ألا تتأثر العلاقات الشعبية بالمواقف السياسية المتغيرة للحكومات، وهو ما يتطلب من حكام السودان الإسراع بسحب القوات المشاركة في حرب اليمن في أقرب فرصة من أجل الحفاظ على الروابط الأخوية مع جميع أطياف الشعب اليمني، وحتى لا يسقط الجيش السوداني في مستنقع الحرب الذي لم تسلم منه القوات المصرية التي شاركت في حرب الثماني سنوات وما زالت آثاره ماثلة حتى اليوم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG