Accessibility links

سورية والاتفاق النووي مع إيران


ترامب يوقع على قرار إعادة العمل في العقوبات ضد إيران

بقلم عبد الحفيظ شرف/

وفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بما كان يعتبر لفترة قريبة وعدا انتخابيا في برنامجه الرئاسي لجذب أصوات الناخبين، فانسحب سيد البيت الأبيض، بدون تردد، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران وطبق من جديد حزمة من العقوبات الاقتصادية والتي قد تطيح بالاقتصاد الإيراني وتكبل قدرات طهران في أكثر من مجال.

ورغم أن البعض شكك في التزام ترامب بتنفيذ وعده الانتخابي باعتبار الاتفاق النووي اتفاقا دوليا لا يمكن الرجوع عنه؛ إلا أن الرئيس الأميركي الذي انتقد الاتفاق بأقوى العبارات مثل أنه أحد أسوأ الاتفاقات التي وقعتها الولايات المتحدة، ترجم التزامه اللفظي أفعالا عملية.

لا شك أن الاتفاق النووي وفر لإيران مئات مليارات الدولارات نقدا وأعطاها قبلة الحياة بعد أن أنهكتها العقوبات الاقتصادية. تنازل الرئيس السابق أوباما في أغلب القضايا الإقليمية لصالح إيران وابتعد عن حلفاء أميركا التقليديين حتى يحصل على هذا الاتفاق الذي كان يعتبره نصرا تاريخيا واختراقا دبلوماسيا كبيرا. وجاءت النتيجة، منذ توقيع الاتفاق، مزيدا من النفوذ الإيراني في المنطقة والتخريب والدمار وانتشار الميليشيات المدعومة إيرانيا ومزيدا من المآسي في سورية.

خطر النفوذ الإيراني في سورية ولبنان واليمن والعراق يوازي الخطر النووي

سورية، الحاضرة الغائبة في هذا الاتفاق، كانت ضحية الاتفاق النووي الذي تنازل بشكل ضمني عنها لصالح إيران وروسيا وأعطى الضوء الأخضر لاستخدام الميليشيات ودخول سليماني وفيلق القدس وقادته إلى بلاد الشام من دون أن ينص على ذلك بشكل واضح. وبنتيجة الاتفاق تم غض النظر عن كل ما تقوم به إيران من انتهاكات في هذا البلد الجميل.

اقرأ للكاتب أيضا: شيزوفرنيا الأمة

أبرم الاتفاق النووي مع إيران بشكل مستعجل ليسوق على أنه إنجاز تاريخي للرئيس أوباما وكان ذلك على حساب القضايا الإقليمية الملحة ولا شك أنه أعطى جرعة تفاؤل كبيرة ليس لسورية وحلفاء أميركا في منطقة الشرق الأوسط ولكن لإيران وميليشياتها ولحزب الله في لبنان الذي انتعش بعد أن كبدته الأزمة السورية الكثير من الخسائر اقتصاديا وبشريا وعلى مستوى التجهيز.

وفي مقاربات سريعة للمواقف نجد أن الدول العربية وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي ومن خلفها مصر لم تخرج عن دائرة مصالحها مع الرئيس الأميركي ورغبتها بالدفع بواشنطن لأن تكون في معسكر المواجهة السياسية مجددا مع طهران فمهما تبدلت المتغيرات وتصاعدت لن ينتهي الخصام العربي الإيراني طالما كان هناك مطامع لإيران في السيطرة على المنطقة العربية والتدخل في أحوالها.

السعودية باركت، البحرين هنأت، الإمارات أشادت، وبالتأكيد مصر في مقدمة المؤيدين للخطوة ولكن لكل أهواؤه وسياساته ولا شك أن السوريين هم من أكبر المستفيدين من هذا القرار الذي ضرب إيران في مقتل. وقد بدأت آثار هذا القرار بالظهور على الاقتصاد الإيراني إذ خسر الريال الإيراني ما يقارب من ربع قيمته السوقية وفي هذا خسارة كبيرة جدا لإيران قد تفوق ما تحصلت عليه من أموال مع بداية الاتفاق النووي.

أما العقوبات الاقتصادية فهي الآن على أعلى مستوى وقد رأينا العديد من الشركات تنسحب من السوق الإيرانية وهذا سيترك أثرا بالغا على طهران. وبهذه الخطوة ستنتقل المعركة السياسية من الإقليم المجاور لإيران في سورية ولبنان واليمن والعراق إلى طهران، التي ستتأثر اقتصاديا بشكل كبير وقد تضطر للانسحاب تدريجيا من مناطق النفوذ لأنها مكلفة اقتصاديا وبشريا؛ رغم أن طهران لا تكترث بالكلفة البشرية وإنما سيكون تركيزها وألمها الأكبر اقتصاديا.

كانت قد ارتاحت إيران لبعض الوقت من كل هذه الأعباء بعد رفع العقوبات عليها من قبل واشنطن وأوروبا مما ترجم توسعا في مخططاتها في اليمن وسورية والعراق ولبنان ومناطق أخرى من البلاد العربية. وعليه فستختار إيران بين دمشق وبين طهران وسيكون الخيار صعبا فلن يقبل الشعب الإيراني بعد العقوبات وتدهور الاقتصاد أن تحافظ إيران على تدخلاتها التي كبدت الشعب الإيراني الكثير من الخسائر الاقتصادية والبشرية والتي باتت تنعكس وبشكل واضح على المواطن البسيط وحياته اليومية في إيران.

سورية، الحاضرة الغائبة في الاتفاق النووي كانت ضحية الاتفاق الذي تنازل بشكل ضمني عنها لصالح إيران وروسيا

أما أوروبا، فإنها مرتبكة. لم تأخذ بعد موقفا واضحا من القرار الأمريكي المنفرد بالانسحاب. ويبدو أن القارة العجوز، وخصوصا دولها الصانعة للقرار والمشاركة ضمن مجموعة 5+1 والمشاركة في صياغة الاتفاق النووي مع إيران والتي استفادت اقتصاديا بشكل كبير، لم تتوصل بعد إلى رؤية واضحة من استمرار العمل بالاتفاق أو الاصطفاف إلى جانب ترامب في موقفه.

اقرأ للكاتب أيضا: الائتلاف الوطني السوري على فراش الموت

وبالتالي، فإن أوروبا لا تزال في مرحلة حساب تبعات أي اتجاه ستسير به، خصوصا في الجانب الاقتصادي. وقد عبر وزير الخارجية الإيراني عن هذا الأمر عند طالب أوروبا بتعويض الخسائر الناجمة عن قرار واشنطن، دون أن يحدد الخطوات التي ستقوم بها بلاده في حال امتنعت أوروبا عن تعويض الخسائر. لكن محمد جواد ظريف، قال إن قرار طهران في المرحلة المقبلة قد يكون تسريع برنامجها النووي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ستلعب أوروبا دورا فعالا في إعادة صياغة اتفاق نووي جديد يشمل المستجدات والقضايا الإقليمية بالإضافة إلى برنامج طهران النووي؟ فخطر النفوذ الإيراني في سورية لبنان واليمن والعراق في نظر الكثيرين يوازي الخطر النووي.

أعتقد أن هناك الكثير من النتائج الإيجابية التي ستساعد على استقرار المنطقة بشكل عام وسورية بشكل خاص. فهذا البلد قد عانى كثيرا جدا من تدخلات إيران التي ساندت ديكتاتورا مجرما قتل أبناء شعبه وهجرهم بالملايين إلى دول الجوار. والانسحاب الأمريكي يعطي رسالة قوية جدا لطهران ولموسكو بأن هذه الإدارة الأميركية لن ترضى مطلقا أن تصبح سورية دولة تابعة لطهران بأي شكل من الأشكال ولعل موسكوا فهمت الرسالة.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG