Accessibility links

بقلم كوليت بهنا/

أعلن مؤخراً في العاصمة السورية دمشق إطلاق أول مدينة إعلامية للإنتاج السينمائي والتلفزيوني وخدمات القنوات الفضائية، تقرر إنشاؤها في ريف دمشق على مساحة 25 ألف متر مربع. مشروع اقتصادي تبدو ملامحه واعدة مع إمكانية توفير آلاف من فرص العمل، خاصة لأصحاب المهن اليدوية الأكثر تضرراً منذ سبع سنوات. في الوقت ذاته، يُخشى أن تفقد الدراما السورية واحدة من أجمل مميزاتها وهي الديكورات الطبيعية التي اعتبرت دوماً واحدة من أبطال هذه الدراما وأحد أسباب نجاحها.

إلى زمن قريب، اعتبرت سورية (استديو كبيرا للتصوير) بتنوع طبيعتها الجغرافية وتمتعها بأربعة فصول مناخية، الأمر الذي جذب العديد من الجهات الإنتاجية العالمية والعربية للتصوير على الأرض السورية مع توفر التسهيلات اللوجستية وانخفاض الأسعار مقارنة بدول أخرى.

ومع ازدهار الإنتاج الدرامي في العقدين الأخيرين، حمل صنّاع الدراما كاميراتهم بحماس وانطلقوا نحو الجبال والوديان والبحيرات والصحراء، والأماكن ذات الخصوصية البيئية مثل مدينة حماه أو السويداء الجنوبية المتفردة بأحجارها السوداء وتربتها البركانية، والمدن الأثرية مثل تدمر وبصرى، وقلاع حلب والحصن والمرقب، والأسواق والخانات التاريخية في حلب ودمشق، والعديد من القصور الخاصة التاريخية والجوامع والكنائس والأديرة والمزارات والمعابد القديمة القائمة في عدد من المدن.

مسحٌ درامي يمكن توصيفه بأنه كان بمثابة إعادة استكشاف للجغرافيا والتاريخ، وأهم عملية توثيق لحفظ الذاكرة، ساهم بشكل كبير في إعادة الاعتبار لبعض المدن والمناطق المنسية، ولفت أنظار عشاق الدراما إلى جماليات بلادهم وتنوعها، ونشّط حركة السياحة الداخلية إلى أماكن التصوير ذاتها، كما حدث مع نجاح مسلسل (خان الحرير) في حلب، أو قرية (السمرا) النائية التي كانت أحد أبطال المسلسل الكوميدي (ضيعة ضايعة).

سحر الدراما وجاذبية نجومها سهّلا على فرق التصوير دخول الأحياء السكنية القديمة المحافظة في كل من دمشق وحلب، واستقبلت بترحاب في البيوت ذات الطراز المعماري القديم الخاص، الأمر الذي عزز صناعة ما يعرف بدراما البيئة بحميميته الخاصة، وساهم في نشر فرادة وجماليات هذه الأماكن واستثمارها لاحقاً اقتصادياً وسياحياً. كما رحب أصحاب البيوت الحديثة الفاخرة منها أو العادية بالتصوير في ممتلكاتهم الخاصة، وسُمح للممثلين باستعمال الأغراض الشخصية لأصحاب هذه البيوت ودخول غرف النوم والمطبخ والحمام واستعمال كل ما فيها لضرورات التصوير. تفاصيل عززت مصداقية العمل الفني وعدم غربته، وأثارت حماس أصحاب البيوت المميزة لعرض بيوتهم للتصوير، بغرض الاستفادة المالية والتفاخر اجتماعياً بأن المسلسل الفلاني تم تصويره في بيتهم.

يخشى أن معظم ما تقدم صار في خبر كان، إذ أحرقت الحرب أو شوهت أجمل المناطق الطبيعية، ودمرت عدداً كبيراً من الثروة السورية المادية التي لا تقدر بثمن، مثل تدمر وحمص القديمة وأسواق حلب وبيوتاتها التاريخية. كما طال التدمير عدداً من دور العبادة الأثرية، وعانت القلاع أضراراً جسيمة. مالم يطله التدمير الجزئي أو الكلي، تعرض للنهب والتهريب، وما تبقى منها ومازال قابلا للتصوير، يصعب الوصول إليه مع مخاطر الطرقات واستمرار العمليات الحربية.

الدراما السورية التي حررتها الكاميرا المحمولة من جدران استديوهات التلفزيون نهاية السبعينيات وأطلقتها في الفضاء السوري الثري، سيعود بعضها مرغماً إلى ديكورات الاستديوهات المفبركة بعد فقدان الكثير من الديكورات الطبيعية التي عاشت مئات السنين وتحولت ببضع سنوات إلى ديكورات خراب شامل، وهي تبدو متشابهة في مشهدية خرابها ووحشتها، استُعمل بعضها مؤخراً لتصوير أعمال سورية تحاكي الحرب، كما يمكن استعمالها لاحقاً لتصوير أفلام عالمية عن الحروب كخلفية لديكورات خراب حقيقية ستظل جاثمة وثقيلة في الذاكرة الجماعية للسوريين لأجل غير مسمى حتى لو رفعت الأنقاض وأعيد الإعمار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG