Accessibility links

من هنا يبدأ الإصلاح في عالمنا العربي والإسلامي


"مسيرة الإصلاح ستبدأ حينما ندرك أن الفكر ليس كفر"

بقلم د. توفيق حميد

لا يختلف كثيرون اليوم على الواقعِ المؤلم في عالمنا العربي والإسلامي. فمن ناحيةٍ أصبحنا أكبر مصدر لفكر التطرف والإرهاب في العالم، ومن ناحيةٍ أخرى أصبحنا منغمسين في صراعات طائفية وعرقية قد تأتي على الأخضر واليابس.

ويطرح كثيرون سؤالاً بديهياً: من أين نبدأ لكي تنجح عملية الإصلاح الفكري المطلوبة؟

في الحقيقة سنبدأ مسيرة الإصلاح حينما ندرك أن الـ"فِكر" ليس "كُفر" كما وصفه المتطرفون، بل أن الفكر في حقيقة الأمر هو أساس كينونتنا وهو أملنا الوحيد في مستقبل افضل.

سنبدأ حينما ننظر إلى أنفسنا في المرآة ونقول الصدق حتى لو كان على أنفسنا أو على مجتمعاتنا أو على عشائرنا.

سنبدأ حينما نسأل أنفسنا: لو خيرنا آخرون بين أن نؤمن بفكرهم أو بدينهم بالقوة وأن ندفع لهم "جزية" وبين أن يقتلونا ويسبوا نساءنا - هل كنا سنصفُ فكرهم أو دينهم هذا بأنه دين سلام؟

سنبدأ حينما نحترم حق الآخرين في إبداء رأيهم حتى لو كنا نختلف معهم - كما نريد نحن أن يحترم الآخرون حقَنا في إبداء رأينا.

سنبدأ عندما نشرع في معاملة الأقليات الدينية والفكرية التي تعيش بيننا كما نريد نحن أن يعاملنا الآخرون حين نعيش عندهم كأقليات.

سنبدأ حينما نرفض تعليق مشاكلنا على شماعة الآخرين، ونواجه هذه المشاكل بموضوعية وحيادية وأمانة تحتم علينا اتخاذ الخطوات الصحيحة لحل هذه المشاكل.

سنبدأ عندما ندرك أن قتل أكثر من مائة ألف مسلم في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي على أيدي المتطرفين من الجماعة السلفية الجزائرية و أن ذبح السنة للشيعة في العراق و تفجير أسواقهم ودور عبادتهم وأن تفجير السلفيين لمساجد الصوفيين في باكستان وأن تدمير داعش للآثار البابلية والآشورية واغتصاب نساء من يخالفهم فكرياً وعقائدياً من المسيحيين والأيزيديين وغيرهم من الأقليات في العراقِ وفي سورية - ليس له علاقة، لا من قريب ولا من بعيد، بالصراع العربي الإسرائيلي.

سنبدأ حينما ندرك أن أميركا ودول أوروبا التي استقبلت آلاف المهاجرين المسلمين في العقود الأخيرة وسمحت بوجود، بل ودعمت بناء آلاف المساجد والمكتبات الإسلامية على أراضيها هي دول لا تعادى الإسلام كما علمونا.

سنبدأ حينما ندرك أن استضعاف الأقليات وأن حرق كنائسهم و دور عبادتهم في بلادنا- ليس شجاعة بل جبناً.

سنبدأ حينما نعرف أن الإرهاب هو سبب الفقر في الكثير من الدول الإسلامية وليس العكس. ولنا أن نتصور - ولو للحظة واحدة - ماذا كان الحال سيكون في أفغانستان وفي العراق وسورية وليبيا وغيرها من الدول الإسلامية التي تعانى من أوضاع اقتصادية سيئة -إن لم يكن لديهم الفكر الداعي للإرهاب. بالقطع ومن دون أدنى شك كانت هذه الدول ستنعم برخاء ورغد يحسدهم عليه الكثيرون. ولقد رأينا كيف أن الإرهاب في دولة مثل مصر دمر صناعة السياحة في البلاد و تسبب في زيادة الفقر الذي يتسبب بدوره في زيادة الإرهاب. هي حلقة مفرغة لن نستطيع الخروج منها أو معالجتها إلا إذا عالجنا قضية الفكر والإرهاب أولاً- فمهما أنفقنا على علاج الفقر سيذهب جهدنا سُدى إن لم نعالج الإرهاب المتسبب فيه. وأنا لا أنكر بذلك وجود أسباب أخرى للفقر في عالمنا العربي والإسلامي ولكن وددتُ أن اُلقى الضوء على عامل رئيسي يتم إغفاله دائماً ألا وهو دور الإرهاب الديني في صناعة الفقر في منطقتنا.

وسنبدأ الإصلاح حينما نسأل أنفسنا هذه التساؤلات لنعرف من أين نبدأ وكيف نبدأ.

سنبدأ حينما نرى في الاعتراف بالخطأ فضيلة وفى قول الصدق غاية وفي قول الحق جمالاً وفى احترام العهود شرفاً.

وسنبدأ حينما نعلم أنه ليس من حقنا كبشر محاسبة الناس أو غيرنا على ما يؤمنون به أو على فكرهم طالما لم يستخدموا العنف كوسيلة.

حينئذٍ -وحينئذٍ فقط - نستطيع أن نقول أننا بدأنا على الدرب وعلى الطريق الصحيح لعملية الإصلاح في مجتمعاتنا وشعوبنا.

------------------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG