Accessibility links

صناعة عقل الإرهابي


تعتمد الجماعات المتطرفة على عدد من الخطوات لغسيل دماغ عناصرها

بقلم د. توفيق حميد

بعد أن شهد العالم أجمع آلاف العمليات الإرهابية والانتحارية التي تمت بأيدي المتطرفين الإسلاميين، وبعد أن سمع الجميع أنين ضحاياه، يتساءل كثيرون عن كيفية تحول آلاف الشباب صغار السن إلى إرهابيين، أو بمعنى آخر - هم يتساءلون كيف تستطيع الجماعات المتطرفة تغيير فكر إنسان ما - من بعد أن يكون مسالما - إلى كائن بليد المشاعر يفعل كل الجرائم باسم الدين والإله.

ولشرح خطوات غسيل الدماغ التي تتم داخل الكثير من هذه الجماعات المتطرفة، ليس علي إلا أن أتذكر ما حدث لي شخصيا، إذ أنني وبالرغم من نشأتي في عائلة قد يصفها البعض بقمة التعليم والليبرالية، فلقد تم غسيل دماغي وعقلي في بضعة أشهر فقط منذ انضمامي إلى الجماعة الإسلامية المصرية في كلية طب القصر العيني عام 1978.

لم أزل أتذكر أول خطوة تمت معي وكانت إحباط قدرتي -أو نهيي عن - "التفكير النقدي"، وكان ذلك في أول يوم ذهبت فيه للصلاة في مسجد الجماعة الإسلامية حينذاك في الكلية، حين قال لي من دعاني للانضمام لتلك الجماعة وبالنص الصريح "الفكر كفر"، وساق لي مثالا وهو أنه لو كان لدي دابة استخدمتها للوصول إلى قصر السلطان)، أو الدين (فهل إذا دخلت القصر سآخذ دابتي) أو عقلي! (معي أم أنني سأدخل بدونها لأقابل السلطان. وكان بذلك يرمي إلى أنني علي أن أنحي عقلي جانبا إن أردت أتباع الدين. وللأسف نجح في إقناعي بأن ألغي عقلي وأتبع ما يقولونه لي بدون تفكير.

وكانت الخطوة الثانية هي استخدام "عذاب جهنم" لإحباط أي تفكير في الاعتراض على ما يدرسونه لي. فكلما تساءل عقلي عن - أو اعترض على - ما يقولونه لي في الدين استحضرت آيات العذاب مثل "فالذين كفروا قطعتْ لهمْ ثِيابٌ من نَّارٍ يصبُّ مِن فوْقِ رءوسِهِم الْحمِيم يصْهر بِهِ ما فِي بطونِهِمْ والْجلود ولهم مَّقامِع مِنْ حدِيدٍ كلَّما أرادوا أن يخْرجوا مِنْها مِنْ غم أعِيدوا فِيها وذوقوا عذاب الْحرِيقِ" أو " كلَّما نضِجتْ جلودهم بدَّلْناهمْ جلودًا غيْرها لِيذوقوا الْعذاب"، فأستغفر الله حتى عن محاولة التفكير في ما يقولون. وتكون النتيجة أن اتبعهم في كل ما يلقنونه لي أو يضعونه في عقلي. وكنت كلما تذكرت المشاكل التي كانت يعاني منها بلدي الأم مصر في ذاك الوقت من زحام وضعف اقتصادي، تذكرت شعارهم ألا وهو أن "الإسلام هو الحل"، فكنت أظن أن تطبيق الشريعة بمفهومِهم سوف يحل كل مشاكلنا الاقتصادية في لمح البصر، وبصورةٍ سحرية. للأسف لم يكن فشل الشريعة الإسلامية في جلب الرخاء للشعوب واضحا كما نراه اليوم في داعش وأفغانستان والسودان وغيرها من الدول، ولذا كان من السهل عليهم إقناعنا بهذا المبدأ الوهمي.

وبالإضافة لكلِ ذلك فلقد كان يتم التأكيد علينا دائما بأن هذه الحياة الدنيا لا قيمة لها، وأن هدفنا يجب أن يكون الآخرة وفقط الآخرة. وساقوا لنا ما ساقوا من المفاهيم الدينية التي تدعم ذلك، وتؤكد أنه لا ضمان لنا في الجنة والعتق من عذاب النار إلا الموت شهداء ونحن نقاتل "أعداء الله"، كما كانوا يصورونهم لنا. و لم يكن الأمر عسيراً عليهم لإقناعنا بذلك فكل ما عليهم كان استخدام آياتٍ بعينها مثل "ولا تحْسبنَّ الَّذِين قتِلوا فِي سبِيلِ اللَّه أمْواتًا بلْ أحْياءٌ عِند ربهِمْ يرْزقون"، وغيرها من الآيات الداعية للقتال، وما كان علينا إلا أن نطيع ونتبع وإلا دخلنا جهنم لأبد الآبدين.

أما الوسيلة الأخيرة التي كانت تستخدم وبقوة فكانت الوعود الجنسية في الجنة.

فلقد كنا كطلاب ونحن في أوج رغبتنا الجنسية غير قادرين على الزواج لأسباب اقتصادية واجتماعية يطول شرحها. وكنا في ذات الحين مرعوبين من إقامة إي علاقة جنسية خارج إطار الزواج، لأن عقوبة ذلك الخلود في جهنم كما كانوا يقولون لنا، ويستشهدون على ذلك بآيات مثل "ولا يزْنون ومن يفْعلْ ذلِك يلْق أثامًا يضاعفْ له الْعذاب يوْم الْقِيامةِ ويخْلدْ فِيهِ مهانًا". وكانت شهوتنا الجنسية تصل إلى ذروتها ومنتهاها كلما قرأنا في الكتب الدينية عن مفاتن النساء التي تنتظرنا في الجنة، وكان وصف مفاتن نساء الجنة وقدرتهن على الممارسة الجنسية في هذه الكتب وصفا تفصيليا يجعلنا نشعر وكأننا نشاهد فيلما جنسيا - ونحن محرومون حتى من لمس يد امرأة. ويزداد الكبت الجنسي ضراوة حين يفكر أحدنا أن يمارس العادة السرية ليطفئ نار شهوته فيتذكر أنها محرمة عند معظم الفقهاء وأنها في نظر بعض علماء الدين تصل إلى درجة الكبائر. وقد وصل الأمر بالكثير منا أن تمنينا الموت كشهداء لنرث الجنة لا لشيء، إلا لأن نمارس الجنس هناك.

وباختصار، كان أسلوب قيادات الجماعة الإسلامية لغسيل عقولنا هو خليط من نهينا عن -أو إحباط قدرتنا على - الفكر، وترهيبنا بالعذاب، والوعود الوهمية بالحل الإسلامي لكل مشاكلنا، وجعل تفكيرنا يتجه إلى الآخرة فقط بدلا من البناء وعمل الخير في الدنيا، ثم بعد كل ذلك هو استغلال بل وزيادة كبتنا الجنسي ووعدنا في نفس الوقت بأعلى درجات النشوة الجنسية في الآخرة.

وفي نهاية الأمر أصبح الكثير منا ضحايا لفكرهم، وأكمل البعض منا المسيرة حتى وصلوا إلى أفغانستان.

ــــــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG