Accessibility links

مؤتمر الطيور


من العرض الأحدث لمسرحية "مؤتمر الطيور" في جامعة "كولومبيا" للفنون الدرامية(تصوير: ديفون غرين)

بقلم رياض عصمت/​

ماذا لو اجتمعت طيور العالم للبحث عن ملك يخلصها من تشتتها ونزاعاتها، من انقساماتها وضياعها؟ بالتأكيد، سوف يشكك في وجود ذلك القائد الملهم بعض الطيور. سوف تتخاذل البطة عن ترك بحيرتها والمضي في رحلة بحث طويلة شاقة ومضنية، وسوف يخاف الببغاء من تغيير نمط حياته خارج قضبان القفص، وسوف يتمختر الطاووس متباهيا بذيله مفضلا الإحجام على الإقدام، وسوف يتباكى مالك الحزين، وسوف تخاف الحمامة، وسوف يتحمس السنونو بالكلام قبل الفعل، ولكن سيوافق ثلاثون طيرا في النهاية على نصح الهدهد الحكيم، وينطلقون في رحلة البحث عن مثلها الأعلى ومخلِّصها العظيم.

لكن، هل تجد هذه الطيور حقا منقذها المنشود، أم تتيه على الدرب فلا تحصد سوى الأوهام؟ هل سيتقاعس بعضها كما يفعل البشر، ملقين بالمسؤولية على سواهم، أم سيمضون في مسعاهم بتصميم؟ تبدو مسرحية "مؤتمر الطيور"، المقتبسة عن الأدب الشعري الفارسي القديم، سياسية الهدف والمضمون. إنها تتضمن كثيرا من الأمثولات الصغيرة التي تفصح عن نقد رمزي لاذع لممارسي الاستبداد على العباد، بشكل يشبه مسرح اللامعقول. بالتالي، ألا يشبه "مؤتمر الطيور" بحث المؤتمرات الأممية المعاصرة عن حل لأزمة بشر مشتتين بسبب نزاعات دامية؟ وهل سيجد أولئك التائهون في دنيا الغاب في آخر المطاف ملكا يتفقون عليه، فيوحدهم ويعيد لهم الأمن والأمان؟

اقتبس نص هذه المسرحية المخرج المعروف بيتر بروك مع المؤلف جان ـ كلود كاريير عام 1979 عن كتاب شعري ألفه المتصوف الشهير فريد الدين العطار من نيسابور، وهو متصوف عاش بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وأطلق على كتابه الأصلي اسم "منطق الطير". الكتاب الأصلي حافل بالحكمة الصوفية من خلال أشعار تتراوح حسب النسخ المتوفرة بين 3800 و4600 بيت، كتبت باللغة الفارسية بأسلوب يستخدم القافية نفسها لكل بيتين.

اقتبس نص هذه المسرحية عن كتاب شعري ألفه المتصوف الشهير فريد الدين العطار من نيسابور

من المرجح أن يكون فريد الدين العطار من مواليد العام 513 هجري، أي 1142 بالتاريخ الميلادي تقريبا. أما وفاته، فاختلف الباحثون حولها. هناك من يعتقد أنه توفي في مكة المكرمة في العام 627 هجري، بينما يشير آخرون الى محاولة لاغتياله جرت في العام 618 هجري يقول بعضهم إنه نجا منها، بينما يفيد بعضهم أنه قتل فيها. وكما أن هناك خلافا حول تواريخ موت فريد الدين العطار، هناك أيضا خلافات حول كتبه وتلك المنسوبة إليه، إذ يقول بعض الباحثين إن عددها 30، بينما يقول آخرون إنها تفوق 60 كتابا، لكن الكل يجمع على أن "منطق الطير" هو أشهرها قاطبة.

اقرأ للكاتب أيضا: مقياس السعادة

يصنف كتاب "منطق الطير" ضمن الأدب الرمزي، لأن العمل يوحي على مر العصور بإسقاطات سياسية متحددة. من المرجح أن العطار اطلع على مسرحية "الطيور" الإغريقية لأريستوفانيس، كما استلهم أيضا من أعمال عربية مثل "رسالة الطير" للغزالي، "رسالة الطير" لابن سينا و"رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري. لكن فريد الدين العطار يختلف عمن سبقه في أنه ألف عملا ذاتيا يعبر عن فكره الصوفي بأسلوب يمكن وصفه بالسهل/الممتنع.

في الواقع، هناك فارق جوهري يميز نص فريد الدين العطار عن نصوص سواه من كبار المتصوفة، ففي الوقت الذي تبدو فيه تلك الأعمال فلسفية الطابع في طرحها أسئلة حول الوجود، لا يبدو العطار شديد الغرام بالفلسفة، بل شغوفا بالإبداع الأدبي والخيال الرمزي. إنه عمل يتمحور حول بحث دؤوب عن زعيم ملهم يخلص الطيور من أزماتها، فتخوض الطليعة منها رحلة بحث شاقة عن ذلك الملك إلى أن يكتشفوا في النهاية أنه كامن في روح كل منهم.

تلك الفكرة هي جوهر التفكير الصوفي، مما جعل المخرج الشهير بيتر بروك يلتقطها ببراعة ويحولها إلى عمل رشيق، عميق وأنيق قدمه بنجاح فائق في باريس ونيويورك، ثم أعيد إنتاجه في العالم من قبل فرق محترفة وجامعية بأساليب متباينة.

أحدث عروض "مؤتمر الطيور"، قدمته جامعة "كولومبيا" للفنون الدرامية في شيكاغو، وأخرجه المخرج البريطاني المخضرم جون غرين لطاقم تمثيل أنثوي بالكامل ينحدر من أعراق وجنسيات متعددة. تلك هي أول ميزة جعلت العرض الجديد مختلفا عن المقاربات الأخرى للمسرحية، فضلا عن أسلوب العرض الحافل بالمشاهد الإيمائية والراقصة التي صممتها المصممة الشابة الموهوبة ليزلي كيلر للمؤديات اللواتي تقمصن شخصيات الطيور المختلفة، وعن الأزياء وتصاميم الشعر الغريبة وخيال الظل والدمى والأقنعة، التي تضافرت مع الإضاءة الساحرة والموسيقا الشرقية ذات الطابع الروحاني لتضفي جميعا على المسرحية طابعا بصريا أخاذا.

مسرحية "مؤتمر الطيور" عبارة هي رحلة بحث عن ملك يدعى "سيمورغ" يفترض أنه يقطن بقعة نائية من العالم، ليخلص الطيور من بؤس حياتها وتردي أوضاعها وخلافاتها الدائمة، وذلك انطلاقا من مقولة "اطلبوا العلم ولو في الصين". يغري الهدهد الحكيم الطيور المترددة عن المتابعة بحكاياته الرمزية عن ظلم الحاكم للمحكوم كي يصل بهم أن يعبروا الوديان السبعة: وادي السعي، وادي الحب، وادي الفهم والمعرفة، وادي الزهد بالمباهج الدنيوية، وادي التوحد والانسجام، وادي الدهشة، وأخيرا وادي الفناء والعدم الذي تتماهى فيه الذات الإنسانية مع الكون ويندمج الماضي والمستقبل معا.

في نهاية رحلة البحث هذه عن الملك المخلص، يكشف الهدهد للطيور التي صمدت معه عبر سنوات، أنها لم تتحرك من مكانها أبدا، وأن الرحلة هي في الحقيقة من صنع الخيال. تواجه الطيور في النهاية صورتها منعكسة على مياه بحيرة رقراقة، وتكتشف أن زعيمها الحقيقي الملهم إنما هو كامن في ذات كل منها. الطريف، أن كلمة "سيمورغ" مؤلفة من مقطعين بالفارسية، يعنيان "ثلاثين طيرا".

ضمن بروك وكاريير نصهما المسرحي "مؤتمر الطيور" حكايات قصيرة عديدة تبدو كأنها مستوحاة من "ألف ليلة وليلة" لتقدم صورا عن الاستبداد الذي يمارسه السلاطين والأميرات لإرضاء نزواتهم وشهواتهم، ثم ما يلبثون أن يتخلوا عن أتباعهم ويلفظونهم، بل لا يتورعون أن يحكموا عليهم بالإعدام.

لا يبدو العطار شديد الغرام بالفلسفة، بل شغوفا بالإبداع الأدبي والخيال الرمزي

على سبيل المثال، هناك قصة عن ملك مغرم برمي السهام من قوسه على فاكهة توضع على رأس عبده المفضل، فإذا به عندما يصيبه خطأ ينبذه ليموت متأثرا بجرحه. تدور قصة أخرى عن عشق جارية لعبد وسيم، بحيث تنال وطرها منه وهو تحت وطأة التخدير، لتطرده بعدها وهو يهذي كالمجنون ظنا منه أنه رأى حلما. هناك أيضا قصة عن ملك يسأل أحد رعاياه الذين يهتفون بآيات الحب والولاء له فيما إذا كان يفضل الموت أم الهجرة تعبيرا عن حبه للملك، وعندما يختار المريد الهجرة يأمر الطاغية بإعدامه لأن حبه غير مطلق. أما القصة الأكثر إيلاما فتدور عن اقتحام جنود لبيت آمن خلال تناول الأسرة طبقا من الباذنجان، وإقدامهم على قطع رأس الابن ظلما وبهتانا في وجود أمه وأبيه. لا يغفل فريد الدين العطار، ولا بيتر بروك وكاريير، عن تخليد ذكر شهيد الصوفية الأعظم منصور الحلاج، صاحب عبارة "أنا الحق" في مشهد رائع ومؤثر يسير فيها شامخا بكل كرامة وعنفوان إلى موته المحتوم دون أن يهادن أو يتراجع عن إيمانه.

اقرأ للكاتب أيضا: اكذب.. ثم اكذب حتى تصدق نفسك

استعاض العرض عن البحيرة بمرآة كبيرة تفتح في صدر المسرح لتعكس صور الطيور والجمهور معا، وتلك خلاصة بارعة للحكمة السياسية/الفلسفية/الشاعرية في المسرحية. إذا نحن أردنا أن ننظر إلى المعنى بتفسير فلسفي/ديني تحديدا، فسنجد أننا إذا نحن استبدلنا كلمة "سيمورغ" بكلمة الله، فإن رحلة المتصوف للبحث عن الخالق تنتهي بتوحده مع صورة الرب، أي بالعثور على الخالق في ذات المخلوق.

أما في عالم الفن الدرامي، فيمكننا القول إن لكل فنان شاب ملهما مسرحيا، سواء كان ستانسلافسكي أم بيتر بروك أم جو تشيكن أم غروتوفسكي أم يوجينيو باربا، لكنه بعبوره وديان الإبداع بحثا عن روح ذلك الفنان الملهم سيكتشف في الختام أن جوهر الإبداع إنما هو كامن في ذاته.

تلك هي الأمثولة المحورية الرائعة التي أكدها عرض جامعة "كولومبيا" الجميل بقيادة المخرج البريطاني القدير جون غرين لفريق كبير من الممثلات الشابات الواعدات، اللواتي قدمن بانسجام وتآلف عرضا متميزا خارجا عن السائد والمألوف من العروض الواقعية التقليدية الكثيرة في شيكاغو، طارحا فكرة سياسية وفلسفية بسيطة وعميقة في آن معا بأسلوب حافل بالغموض الفني والجماليات المشهدية، بحيث خرج عديد من المتفرجين من العرض ليتناقشوا بعده طويلا حول مضمونه وأفكاره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG