Accessibility links

مستقبل حقوق الإنسان في السعودية


سيدة سعودية تتدرب على قيادة السيارة في الرياض

بقلم منصور الحاج/

اعتقلت السلطات السعودية مؤخرا مجموعة من الحقوقيات البارزات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة في السعودية، المناضلات من أجل انتزاع حقهن في قيادة السيارات وإسقاط نظام الولاية على المرأة وإيجاد قوانين تحمي المعنفات من بطش ولاة أمورهن وتخلصهن من ظلم الأزواج والآباء والأقارب.

وسخرت السلطات السعودية أجهزتها الإعلامية الرسمية كافة وموظفيها في وسائل التواصل الاجتماعي للتشكيك في ولاء المعتقلات اللواتي وصفن بأبشع الأوصاف على الرغم من تاريخهن النضالي الطويل. وبحسب تصريح المتحدث الأمني لرئاسة أمن الدولة فإن المعتقلات متهمات بالقيام بـ"عمل منظم للتجاوز على الثوابت الدينية والوطنية، والتواصل المشبوه مع جهات خارجية، وتجنيد أشخاص يعملون بمواقع حكومية حساسة وتقديم الدعم المالي للعناصر المعادية في الخارج بهدف النيل من أمن واستقرار المملكة وسلمها الاجتماعي والمساس باللحمة الوطنية". ولا يخفى على أحد مدى خطورة هذه التهم التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.

إن واقع حقوق الإنسان اليوم في السعودية يعتبر الأسوأ على الإطلاق

وعلى عكس الاعتقالات التي طالت النشطاء السياسيين أعضاء جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية المعروفة بـ"حسم" والاعتقالات اللاحقة التي طالت مجموعة من الكتاب ورجال الدين ومسرحية اعتقال بعض الأمراء ورجال الأعمال، أثارت الاعتقالات الأخيرة موجة من الاحتجاجات محليا وعالميا واعتبرت بمثابة القشة التي هدمت كل مساعي النظام لتقديم الأمير محمد بن سلمان كداعم للإصلاح التدريجي في البلاد.

وتعرض بن سلمان لهجوم حاد في عدد من الصحف الغربية التي شككت في نواياه الإصلاحية واتهمته بالسعي لنسبة الإصلاحات المتعلقة بحقوق المرأة إلى نفسه، فيما أعربت الناشطة السعودية منال الشريف في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" عن خيبة أملها في الأمير الشاب ووعوده الإصلاحية خاصة بعد الحملة غير الأخلاقية التي قامت بها الصحف السعودية ضد الناشطات.

اقرأ للكاتب أيضا: جمهورية إدريس ديبي الرابعة في تشاد ـ الملامح والتحديات

إن ما لم يحسب له نشطاء حقوق الإنسان في السعودية أي حساب هو حقيقة أن الحقوق السياسية والمدنية جزء لا يتجزأ، وأن مجرد غض النظر عن انتهاكات بحق مجموعة معينة يعتبر تنازلا عنها ودعما وتقوية للطغيان.

وبالنظر إلى الإجراءات والقرارات التي يتخذها محمد بن سلمان يلاحظ أنه يسعى بكل ما أوتي من قوة لإحكام قبضته على السلطة، وأنه في سبيل ذلك على استعداد لاتخاذ كل التدابير القمعية التي تضمن له تسويق نفسه بأنه الآمر والناهي وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة في البلاد.

إن الرسالة التي يريد بن سلمان تأكيدها للعالم هي أنه من يملك مقاليد السلطة في البلاد وأنه من يستطيع أن يضمن استقرارها وأن الحرب التي يشنها في اليمن ومقاطعة دولة قطر وموجات الاعتقالات المتواصلة لن تغير من الواقع على الأرض شيئا، وأن أنصار حقوق الإنسان والمطالبين بالإصلاحات ليسوا إلا قلة قليلة لا يملكون من الأمر شيئا، وهم أدوات في يده يحركها كما يشاء.

لقد نجح بن سلمان في تشتيت جهود الإصلاحيين والحقوقيين بإيحائه أنه بصدد التدرج في منح الحقوق وحرصه على الحصول على التأييد من كل شرائح المجتمع في كل ما يقوم به بحجة تقوية الجبهة الداخلية ضد الأعداء ودعم استقرار البلاد حتى تتدفق الاستثمارات الخارجية ويتحقق كل ما يرجاه المواطنون.

لقد استطاع بن سلمان كسب تأييد الليبراليين بإعلانه إلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنشاء هيئة الترفيه بدلا عنها والسماح للنساء بدخول الملاعب ومشاهدة مباريات كرة القدم واستضافة المطربين والمطربات وإقامة حفلات غنائية مختلطة وفتح دور السينما واعتقال رجال الدين البارزين كالشيخ سلمان العودة وعوض القرني وآخرين.

كما استطاع تحييد الحقوقيات المدافعات عن حقوق المرأة بإعلانه منح النساء الحق في قيادة السيارات، فانهالت عليه عبارات الإطراء ممن يعتبرهن الإعلام في الغرب رائدات في مجال حقوق الإنسان كسعاد الشمري، ومنال الشريف التي أعلنت تأييدها لرؤيته وتغزلت فيه بتغريدة قالت فيها "ويلوموني في حبي له"، لكنها اليوم لا تخفي خشيتها من العودة إلى بلادها خوفا من أن تلقى نفس مصير رفيقاتها.

لن تقوم لحقوق الإنسان في السعودية قائمة طالما ظل نشطاء حقوق الإنسان متفرقين في مطالبهم، غاضين الطرف عن الانتهاكات المتكررة هنا وهناك

لقد صمت كل من الليبراليين والحقوقيات والكتاب ورجال الدين عن سياسات بن سلمان الداخلية، كما صمتوا عن سياسته الخارجية التي تساهم بطريقة مباشرة في تغذية حالة الصراع في المنطقة والذي تزايد مع وصول بن سلمان إلى منصب ولاية العهد.

وعند البحث عن الأسباب التي دفعت أولئك الحقوقيين إلى غض الطرف عن الانتهاكات الواضحة، نلاحظ أنهم ما فعلوا ذلك إلا خوفا أو طمعا في أن يوفي بن سلمان بوعوده ويحقق لهم مطالبهم لكن خفي عنهم أن الحقوقي الحق لا يداهن ولا يتنازل ولا يساوم ويؤمن بأن أي انتهاكات لحقوق الإنسان في أي مكان وضد أي مجموعة ما هو انتهاك لها في كل مكان.

اقرأ للكاتب أيضا: مسؤولية المسلمين في تخليص العالم من سطوة الشريعة

وحال الحقوقيين في السعودية اليوم كالمثل القائل بأن الكثيرين يريدون دخول الجنة لكن لا أحد يريد الموت من أجل ذلك، ويتوقع أن يضحي الآخرون من أجله. يقدمون أنفسهم كمدافعين عن حقوق الإنسان لكنهم في الحقيقة يهادنون الحاكم الظالم ويصمتون عن انتهاكاته.

إن واقع حقوق الإنسان اليوم في السعودية يعتبر الأسوأ على الإطلاق، فلم تعرف البلاد حملات اعتقالات بالجملة لمناضلين سلميين بارزين إلا في عهد الملك سلمان ونجله، فقد تدهورت أحوال الحقوقيين في عهدهما وتحول من كانوا مدافعين بارزين عن حقوق الإنسان كالمحامي عبد الرحمن اللاحم الذي سجن بسبب دفاعه من نشطاء سياسيين ومنع من السفر وكرمته منظمة "هيومان رايتس ووتش" بمنحه جائزة الشجاعة في عام 2008 لدوره البارز في الدفاع عن النساء إلى محرض ضد النشطاء ومحذر للناشطات من التواصل مع الصحف والمنظمات الأجنبية.

لن تقوم لحقوق الإنسان في السعودية قائمة طالما ظل نشطاء حقوق الإنسان متفرقين في مطالبهم، غاضين الطرف عن الانتهاكات المتكررة هنا وهناك. لقد تفرقت رماح الإصلاحيين ولذلك سهل على بن سلمان كسرها واحدة تلو الأخرى ولا خيار أمام دعاة حقوق الإنسان سوى توحيد الصفوف والعمل معا كجبهة واحدة ضد الظلم والقهر والحروب العبثية من أجل مستقبل أفضل للبلاد وللأجيال القادمة فهل من مجيب؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG