Accessibility links

الوحدة بين الضفتين.. خطوط على الرمال أم وقائع الجغرافيا


الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال (أرشيف)

بقلم مالك العثامنة/

يقال إن الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال لم يستخدم في قمة الرباط عام 1974 توقيعه المعروف (اسمه مرسوم فيه بما يشبه التاج الملكي)، بل وقع على قرارات القمة خاطا بيده عبارة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، بما يشبه تحفظا شديد اللهجة للملك الغاضب من إجماع القمة على أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي "والوحيد" للشعب الفلسطيني.

لا أستطيع تأكيد قصة التوقيع، لكن عندي قناعة بأن الملك الراحل كان طوال حياته حتى رحيله مكابرا على جرحه العميق بخسارته الضفة الغربية، نصف مملكته التي استلم عرشها بضفتين، بعد قرار الوحدة "أو الضم" للضفة الغربية عام 1950. وهي وحدة لم تباركها جامعة الدول العربية، وأصرت على اعتبارها احتلالا أردنيا، متحججة أن الرفض في الأساس كان فلسطينيا، مع أن الوقائع التاريخية تثبت اليوم أن الرفض كان فصائليا فلسطينيا.

على أرض الواقع، كانت الضفة الغربية فعليا أحد جناحي المملكة الهاشمية، وكان في البرلمان الأردني ممثلين عن محافظات الضفة الغربية. وكان الدينار الأردني العملة الرسمية المتداولة هناك، وكان جسر الملك حسين يحمل ذهابا وإيابا رعايا المملكة من مواطنين فيما يعبر عن واقع حال وحدوي منجز.

لكن في تلك المرحلة كان المد القومي، بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، هو المتحدث الرئيس والوحيد في النزاع العربي الإسرائيلي، وأي مخالفة لتيار عبد الناصر هو خيانة في ذلك الزمان، رغم أن خسارة حرب 1967 كانت مسؤولية عبد الناصر نفسه وباعترافه، وهي الهزيمة المرة التي خسر فيها الملك حسين نصف مملكته في حرب لم يملك ترف الاختيار في خوضها من عدمه ذلك الوقت.

كانت الضفة الغربية فعليا أحد جناحي المملكة الهاشمية، وكان في البرلمان الأردني ممثلين عن محافظات الضفة الغربية

ما علينا من كل تلك التفاصيل الآن، ما يهمنا كي لا نستطرد فنخسر نصف المقال، أن الملك حسين بقي يدير الضفة الغربية بمشاركة ضمنية مع إدارة الاحتلال الإسرائيلي، وربما كانت تلك السنوات الذهبية الأفضل في تاريخ الضفة الغربية منذ بداية عصر الاستقلال الحديث في العالم العربي.

اقرأ للكاتب أيضا: بابا روما وأفندينا في الباب العالي.. تشفير الهدايا و خفايا البروتوكول

وكانت الضفة حتى آخر سنوات حكمه حلما لم يكتمل، رغم غضبته عام 1988 التي ترجمها إلى قرار إنفعالي (على عكس هدوئه المعروف)، بما سمي بقرار فك الارتباط مع الضفة الغربية، وهو القرار الذي تبعه فورا إعلان ياسر عرفات في الجزائر استقلال فلسطين!

تحملت المنظمة (ككيان ثوري تحرري في تعريفها لذاتها) مسؤولية استعادة الأراضي المحتلة، وهي أراض محتلة بإقرار أممي واعتراف إسرائيلي كذلك. لكن إسرائيل، في المقابل، لم تكن ترى في المنظمة شريكا كاملا لأي اتفاقية سلام، وهو ما أدى في النهاية إلى مؤتمر مدريد، والمظلة الأردنية لتسريب شرعية ما إلى الوفد الفلسطيني، ثم الاستفراد بالفلسطينيين في أوسلو.

يمكن اختصار واقع الحال اليوم في اتفاقية سلام معطلة وجزر من المستوطنات الجديدة جعلت من حل الدولتين مزحة سمجة و"كلاشيه" لفظي يتمسك به محمود عباس كي لا تسقط شرعية سلطته. ولم يتبق من هذه الشرعية إلا ورقة توت تكاد تنزلق مع أول هبة ريح، لنجد أنفسنا في المحصلة أمام برميل بارود قابل للانفجار في الضفة الغربية، ونزاع يكاد يشتعل من جديد في أي لحظة، في محيط إقليم ملتهب بات للتطرف الديني أمراء حرب فيه.

إذن..

نحن أمام حلين، لا ثالث لهما، إما إقرار مفهوم العدالة للجميع عبر فكرة الدولة الواحدة، وهو ما ستحاربه إسرائيل بلا شك، رغم رواج الفكرة فلسطينيا، على مبدأ العدالة.. أو العودة إلى الأساس، والعمل على وحدة الضفة مع المملكة الأردنية الهاشمية، وهي عودة إلى ما قبل حرب الـ 1967 لتفعيل قرارات الأمم المتحدة ما بعد تلك الحرب على أسس قانونية سليمة.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

كتب البروفسور الإسرائيلي د. رؤوبين باركو في العام 2016، في "يسرائيل هيوم"، مقالا مطولا، أقتبس هنا الفقرة الأخيرة منه وهي خلاصة الرؤية الراهنة في إسرائيل حيث يقول: "... بالنسبة لإسرائيل، لمصلحتها ولوجودها المستقبلي، من المفضل طرح الخيار الأردني على الطاولة الدولية. الاعلان بأن إسرائيل مستعدة للانسحاب من 98% من الأراضي التي احتلت في عام 1967 وإعادتها الى الأردن. صحيح أنه في أواخر الثمانينيات اتخذت الجامعة العربية قرارا يصادر السيطرة على الضفة من أيدي الأردن ويحولها إلى منظمة التحرير، ولكن خلال العقود الثلاث التي مضت، أظهرت منظمة التحرير نسبة صفر من الاستعداد للتقدم نحو الدولة المستقلة والاقتصاد المستقل. ولذلك يمكن رؤية ذلك القرار ملغيا ولا يعكس التفضيل الفلسطيني".

نحن أمام تصاعد في الحديث اسرائيليا عن "الخيار الأردني" يرافقه عصف ذهني حقيقي بحثا عن خطط واقعية على الأرض

وينهي باركو بقوله: "لدى المملكة الأردنية مخاوف مفهومة من الاحتضان الفدرالي أو الكونفدرالي مع الفلسطينيين، ولكن في الأفق لا يوجد أي حل آخر، والباب الموصد اسوأ من ذلك".

انتهى الاقتباس.. وأتساءل: أيها السادة في شرق المتوسط.. هل نحن أمام الباب الموصد الان؟

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

إن أي صيغة وحدة بين الضفتين، عليها أن تراعي أولا مفهوم الدولة بمعناها الحقيقي، وبما تتطلبه من أسس مواطنة متساوية، وهذا لن يتأتى للمواطن من أصل فلسطيني بدون أرض صلبة تحت قدميه، وهذا بالمعنى الحقيقي لا المجازي، أي جغرافيا صلبة يقف عليها وهي هنا الضفة الغربية من النهر، لتكتمل الوحدة بين الضفتين، بصيغة الدولة المؤسسية التي يحكمها دستور حقيقي ومواطنة متساوية.

إن عبارة "وحدة الضفتين" عبارة فضفاضة ورومانسية جدا، وفي تفاصيلها تكمن شياطين الحلول المخابراتية والأمنية، التي تضمن أمن إسرائيل فقط، بدون الانتباه إلى الأمن الإقليمي لكل الأطراف.

اقرأ للكاتب أيضا: الدولة المدنية في الأردن... حزب قادم للسلطة مع وقف التنفيذ

أخشى ما نخشاه، أن نعود إلى سيادة أمنية أردنية ذات منهجية بوليسية دركية في الضفة، وهو ما يفاقم الوضع أكثر، بدلا من حله، وعليه فإن أي مناقشات حول وحدة بين الضفتين، تتطلب أول ما تتطلب حرية الحديث عن التعديلات الدستورية، والعودة بها إلى ملكية دستورية نيابية، وذلك على عكس ما يجري الآن من توسيع صلاحيات لها نكهة أمنية بلا مسائلات ولا ضوابط.

للفقه الدستوري أهله، لكن الخلاصة تكمن في الانتباه إلى أي مخطط يخدم الأمن الإسرائيلي فقط، بدون مراعاة الأمن الإقليمي بمجمله.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

إسرائيليا..

بدأ الحديث يتصاعد وبقوة عن فكرة "الخيار الأردني".. وندرك أن الفكرة دوما يتم تكرارها في الإعلام الإسرائيلي، لكن أمام معطيات الراهن من واقع الأمر، فنحن أمام تصاعد في الحديث يرافقه عصف ذهني حقيقي بحثا عن خطط واقعية على الأرض، وبسرعة.

أردنيا، يكون السؤال الأهم: في حال طرح إعادة الوحدة، هل نحن أمام مملكة هاشمية تشمل الأردن وفلسطين؟ أم مملكة أردنية تضم إليها الضفة الغربية وحسب؟ هل هي وحدة بين ضفتين أم توسع على حساب ضفة منهما ولحسابات أمنية فقط؟

برأيي يجب صياغة الإجابة بعقل بارد جدا، بعيدا عن انسياقات العواطف والاجترارات الإنشائية بلا معنى!

في المحصلة..

فإن الموصد هو باب في "الكردور" الإسرائيلي.. لكن بجانبه أبواب عديدة يمكن فتحها لو نظرنا خارج "الكردور"!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG