Accessibility links

السلطة الرابعة تمسك الحقيقة كالجمر


هانكس وستريب وسبيلبرغ في العرض الأول لفيم "ذا بوست" في لندن (أ ف ب)

بقلم رياض عصمت/

هل بإمكان الصحافة إتخاذ موقف يثبت جدارتها بهذا اللقب عبر القيام بتوعية الرأي العام لما يدور في الخفاء دون أن يلحق بها الأذى وتتعرض للعقاب؟ هذا ما يطرحه فيلم "ذا بوست" The Post (2017) عن دور السلطة الرابعة من خلال أحداث قصة حقيقية أخرجها ستيفن سبيلبرغ، وتقاسم بطولتها ميريل ستريب وتوم هانكس مع نخبة من الممثلين القديرين. إنها المرة الأولى التي تعمل فيها ميريل ستريب مع سبيلبرغ، بحيث ارتاعت عندما علمت أنه لا يجري أية بروفات مع الممثلين، في حين أخفى عنها توم هانكس ذلك كي لا يفزعها، لأنه ضرب الرقم القياسي في أدائه خامس دور تحت إخراج سبيلبرغ، متفوقا بذلك على زميله هاريسون فورد، بطل سلسلة إنديانا جونز.

في الواقع، يلفت الانتباه بشدة كل فيلم جديد للمخرج الشهير ستيفن سبيلبرغ، رغم أن عدد أفلامه بلغ 58 فيلما. فهو مخرج قادر بتنوع خياراته العجيب على مفاجأة جمهوره بأنماط شديدة التباين لدرجة المفاجأة. نال سبيلبرغ خلال حياته المهنية ثلاث جوائز أوسكار. لفت الأنظار في أفلامه الأولى بالرعب والإثارة كما في فيلم "الفك المفترس"، ثم توجه بأفلام أخرى إلى اليافعين كما فعل في "اي. تي." و"هوك" و"تن تن" و"الذكاء الاصطناعي" و"العملاق الودود الطيب". بعدها، توجه سبيلبرغ إلى جمهورٍ يعشق المغامرة والتشويق سواء في مغامرات إنديانا جونز. تتسم بعض أفلام سبيلبرغ الأخرى بكونها إنسانية ــ اجتماعية ــ كوميدية، مثل "المطار" و"أمسكني إن استطعت"، بينما قدم أفلام خيال علمي مبهرة مثل "حرب العوالم" و"الحديقة الجوراسية" و"مقاربات من النوع الثالث". بالمقابل، عالج سبيلبرغ موضوعات جادة جريئة في عدد من الأفلام الجادة التي حظي معظمها بترشيحات لجوائز عالمية عديدة، مثل "اللون الأرجواني" و"إمبرطورية الشمس" و"دائما" و"أميستاد" و"تقرير الأقلية" و"إنقاذ العريف رايان" و"حصان الحرب" و"لينكولن"، إضافة إلى أفلامه ذات المواضيع الإشكالية مثل "قائمة شيندلر"، "ميونيخ" و"جسر الجواسيس"، وينتمي فيلم "ذا بوست" إلى الفئة الأخيرة. الملاحظ أن ستيفن سبيلبرغ في مجمل أفلامه، وبغض النظر عن اتجاهاتها المتنوعة وجماهيرها المستهدفة، مخرج يحرص على سمة الإتقان في عمله دائما، ويسعى جاهدا لإرضاء شريحة المشاهدين التي يستهدفها بهذا الفيلم أو ذاك، سواء اتسعت لتشمل العائلة أم ضاقت لتقتصر على النخبة. لكن الملاحظ أيضا أن سبيلرغ هو أحد المخرجين القلائل الذين نجحوا أحيانا في التوفيق بين الطموحين وإرضاء النخبة الجماهير الواسعة معاً، الأمر الذي عجز عنه كثيرون من أقرانه. هنا، في "ذا بوست"، نراه يحشد كل مهاراته ليقنع المشاهدين بقضية حرية التعبير، وأن السلطة الرابعة اسم جدير بالصحافة بعد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

يتناول فيلم "ذا بوست" القصة الحقيقية للموقف الجريء الذي اتخذته إبان عهد الرئيس نيكسون في عام 1971 ناشرة صحيفة "واشنطن بوست" كاي غراهام ورئيس تحريرها بن برادلي في نشرهما وثائق مسربة من البنتاغون عن الخسائر البشرية الفادحة خلال سنوات ست من التورط في حرب فيتنام، والتي كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تحاول إخفاءها عن الرأي العام. عمد أولئك الصحفيون بدافع الإحساس بالمسؤولية، وبغض النظر عن المخاطر الجسيمة التي يمكن أن تؤدي بهم إلى السجن والإفلاس، إلى نشر ما يكذب الساسة بشأنه، وفي مقدمتهم وزير الدفاع في مطلع السبعينيات روبرت مكنمارا (أدى دوره بروس غرينوود). عبر الإقدام على تلك الخطوة، ضارعت صحيفة "واشنطن بوست" المحلية لـ"نيويورك تايمز" الصحيفة الأكبر التي تصدت للفضيحة ذاتها، بل حققت سبقاً صحفياً عليها بنشرها تلك الوثائق دون أن تأبه بإغضاب الحكومة كي يرضى الشعب. يقال ضمن حوار الفيلم: "إن 10% من أسباب استمرار الولايات المتحدة في حرب فييتنام كانت من أجل الفييتناميين، و20% من أجل مواجهة المد الشيوعي، أما 70% فمن أجل إخفاء تعرضها للهزيمة والخسائر الفادحة بين شبابها هناك". لذلك، فإن خيار صاحبة الصحيفة ورئيس تحريرها المضي قدماً في النشر موقف أخلاقي وإنساني صعب، عالجه برهافة وحرص كاتبا السيناريو ليز هاناه (التي تكتب لأول مرة) وجوش سينغر (الذي كتب سيناريو الفيلم الذي سبق فوزه بالأوسكار "بقعة ضوء") مؤكدين بطريقة عاطفية على ضرورة نشر الحقائق وفضح الأكاذيب مهما كان الثمن، فحرية التعبير حق يحميه الدستور الأمريكي.

قيل إن فيلم سبيلبرغ يتبع النهج الذي اشتهر به الرائد السينمائي فرانك كابرا، ولا ضير في الاقتداء بذلك الرائد السينمائي الملهم. بالفعل، يعبر سبيلبرغ وكاتبي السيناريو معاً عن كون الحقيقة المطلقة أسمى وأنبل من القوانين الوضعية لبشر زائلين مهما علت مناصبهم. هكذا، يتضمن الفيلم مشهد وضع رئيس التحرير برادلي على منضدة أمام رئيسته الناشرة غراهام أعداد صحف صدرت من مدن أمريكية مختلفة اقتدت بصحيفتهما ونشرت الحقائق عن التورط في حرب يزيف نتائجها الساسة أمام أجهزة الإعلام. قبيل نهاية الفيلم، نرى مشهداً يعبر عن تعاطف موظفة عادية بسيطة في المحكمة العليا مع الناشرة، لأن قلبها معلق بمن تحب وهو فرض عليه خوض معركة خاسرة وسط غابات فييتنام. ينهي سبيلبرغ فيلمه بتضامن "السلطة الثالثة" - وهي سلطة القضاء - مع حرية التعبير من خلال حكم نزيه تصدره المحكمة العليا يلتزم بدستور البلاد. يتبع ذلك مشهد خروج الناشرة كاي غراهام من مبنى المحكمة العليا لتشق طريقها بين حشد من الصبايا من مختلف الأعراق والأعمار وسط نظرات الاحترام. يختم سبيلبرغ فيلم "ذا بوست" بلقطتين، تظهر الأولى منهما الرئيس نيكسون وهو يتكلم على الهاتف (بتسجيل لصوت نيكسون الحقيقي) معطياً تعليماته الصارمة بعدم السماح لأي صحفي من صحيفة "واشنطن بوست" بدخول البيت الأبيض. أما اللقطة الثانية فهي لفضيحة ووترغيت التي أطاحت بنيكسون من منصبه.

رغم أن نقاد السينما يتبارون في إيجاد هنة هنا ونقيصة هناك، إلا أنهم أجمعوا على الأداء الرائع لبطلة الفيلم ميريل ستريب، التي قدمت ببراعة لافتة شخصية امرأة تنتمي إلى الطبقة العليا، ورثت رغماً عنها عبء الصحيفة التي امتلكها أبوها ثم زوجها، فبدت مرتبكة ضائعة في اجتماعات مجلس الإدارة، لكننا نراها في اللحظة الحاسمة تُسكت أقوى معارضيها قائلة: "أنا لست أبي، ولست زوجي، بل أنا صاحبة القرار في الصحيفة". وتقدم بشجاعة على إعطاء أمر الطبع لنشر الحقيقة مهما كلفها ذلك. بدوره، أدى توم هانكس شخصية بن برادلي بقدرة حرفية عالية، مجسداً شخصية رئيس التحرير الجريء والطموح مهنياً إلى تحقيق نبل المهنة بالرغم من معاشرته لكبار القوم، ومنهم الرئيس الراحل جون كينيدي. يلعب السيناريو والإخراج على أوتار الدراما بمهارة مشتركة من ثنائي متباين الأسلوب، لكن الواحد يكمل الآخر. قام بتصوير الفيلم المصور المخضرم يانوش كامينسكي، وقام بالمونتاج مايكل خان وساره بروشار. أما موسيقا الملحن الشهير جون وليامز، فأضفت بلا شك بعداً عاطفياً قوياً على الفيلم، وهو ما أثار حفيظة بعض النقاد الذين سارعوا لاتهام سبيلبرغ بالميلودرامية. في الواقع، لا يخجل سبيلبرغ من شغفه بتضمين لمسات الميلودراما أو المرح في أفلامه، ولم يتورع حتى في خضم فيلمه الجاد "ذا بوست" عن تضمين مشاهد طريفة لإبنة بن برادلي الصغيرة وهي تستثمر انهماك صحفيي أبيها في ترتيب آلاف من صفحات الوثائق لتبيعهم شراب الليمون وتأخذ النقود حتى من أبيها نفسه. وبالطبع، لم يتردد سبيلبرغ عن إزكاء نار الميلودراما لتضفي على الدراما دفئاً عاطفياً يبعث الرعشة في العمود الفقري للمشاهد، كما سبق أن فعل في "اللون الأرجواني" و"إنقاذ العريف رايان" و"حصان الحرب" وسواها، وهو الشعور الذي أطلق عليه أرسطو اسم "كاثارسيز"، أي "رعشة الخوف والشفقة". تلك في الواقع، سمة افتقدتها معظم الأفلام الأمريكية المعاصرة، بينما توفرت في عدد من الأفلام الكلاسيكية الخالدة، وفي سينما بعض الثقافات الإنسانية الكبرى مثل الهند والصين. يبقى هدف الفن هو التعبير بغرض التأثير، فلماذا نحرم الفنان من إحدى أهم أدواته للوصول إلى قلب المشاهد قبل عقله أحياناً؟ ما أحوجنا إلى فيلم يتناول قضية "ذا بوست" في زماننا الراهن حيث صارت حقوق الإنسان مهددة في ظل انتهاك الدستور في كثير من أنظمة الدول في العالم، النامية منها والمتقدمة على حدٍ سواء. يؤكد الفيلم كم يخطئ السياسي الذي يستهين بالإعلام أو يستفز الإعلاميين، فالصحفي قادر على إمساك الحقيقة كالجمر، وهو قادر على إيصال الحقيقة للناس في نهاية المطاف.


ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG