Accessibility links

عن قوة الخطاب


تظاهرة للاجئين السوريين في اليونان

بقلم دارا عبدالله/

طرح الوضع في سورية سؤالا محوريا بخصوص قضية مهمة: القول وجدواه الواقعية. انقسم النقاش تقريبا إلى فريقين: قسم يؤكد بأن القيم والأخلاق والسياسة تتولد من خلال العمل والفعالية الجسدية الواقعية، ومعطيات الواقع الميداني المباشر. وقسم آخر يؤكد بأن للخطاب الشفوي قوة وفعالية واقعية، بغض النظر عن التواجد الجسدي على الأرض، وعيش التجربة العنيفة بشكل شخصي.

تحول هذا النقاش إلى طاقة إسكات ومصادرة عند النقاش في الشأن السوري. بحجة "عدم التواجد على الأرض"، يصبح أي كلام أو تفكير "انفصالا عن الواقع"، أو "وين المسلحين تبعك؟" أو "انزل قاتل على الأرض واصنع كتائبك العسكرية وطبق أقوالك".

من الناحية النظرية، يدعم أصحاب الرأي الأول تبريراتهم النظرية من مفاهيم فلسفية وفكرية مثل "السيادة تولد الأخلاق" و"القوة قبل العدالة" و"القوي يحدد العدو"، وغير ذلك من المقولات، المستقاة من منظرين ومفكرين يمينيين، غالبيتهم أنتجوا هذه الأفكار في ذروة انحيازهم للدولة والنظام في فترة القرن العشرين (كارل شميت مثالا).

اقرأ للكاتب أيضا: في أسباب الهزيمة في عفرين

إذا، لنتأمل هذه المقولة الشائعة: "ما دام ليس لك تواجد عسكري على الأرض في سورية، فليس لخطابك الشفوي أي جدوى، وهو مجرد نوستاليجا فوقية". عموما، أعتقد أن في هذه المقولة تناقضات شديدة، سأحاول أن أوجزها باختصار في أربع نقاط:

أولا: تضمر هذه المقولة استسلاما تاما وتسليما مطلقا بمعطيات الواقع المباشر وعلاقات القوة فيه. بحسب هذا "العقل المتشائم" أو "المكتئب"، يجب ألا يحتج الناس على أي نظام سياسي قمعي. فهذه الأنظمة التوتاليتارية بالحسابات الواقعية، قوية وتمتلك السلطة والثروة والإعلام والمؤسسات وأدوات العنف، وهي "القوي الذي يحدد الأخلاق". اعتمادا على هذه المقولة، سوف يتم زرع الإحباط والشك في نفوس ملايين الناس التي تتوق إلى التحرر والانعتاق من الظلم.

ثانيا: غالبا ما يشير أصحاب هذه المقولة، بأن الإسلاميين هم الأقوى، لأنهم "السائدون واقعيا"، و"يبذلون دمهم". وبالتالي لا جدوى بمحاربة الإسلاميين بالخطاب، بل يجب أن يكون هنالك "بذل دماء مكافئ" و"فعالية على الأرض". نظرة واقعية للوضع في سورية، نرى بأن هنالك مظاهرات خرجت ضد الإسلاميين في أكثر من منطقة خاضعة لسيطرتهم (وخرجت مظاهرات ضد حزب PYD أيضا). كما أن مظاهرتين خرجتا في الشمال السوري وغوطة دمشق، تدعوان إلى عودة النظام السوري! وبالتالي، من "بذل دمه" و"طبق العدالة بالقوة"، و"فاعل على الأرض" لم يستطع أن يحدد مفاهيم الأخلاق والعدو والعدالة. والسخط على "جيش الإسلام" (الفاعل الواقعي أيضا) في مدينة دوما بريف دمشق حتى قبل الهجوم الأخير أمر يدحض هذه المقولة.

اقرأ للكاتب أيضا: عالم موظف السفارة

ثالثا: لا يشترط الكلام عيشا في التجربة. للخطاب قوة تغييرية مادية. الخطاب المعنوي قادر على التأثير والحشد حتى في جماعة بشرية خاضعة بشكل مادي لسلطة خصوم أصحاب الخطاب. تمكن دونالد ترامب من كسب أصوات عشرات العمال والفقراء، رغم أنه ليس عاملا أو فقيرا. وتمكن تنظيم داعش الإرهابي من إقناع عشرات الشباب بالالتحاق به، وهم شباب لم يتعرضوا، لا لعنف النظام السوري ولا لعنف الميليشيات الإيرانية، بل هو قوة الخطاب وسحره وقدرته على الخرق. وأنا شخصيا تأثرت بالخطاب الغربي الليبرالي السياسي والحقوقي، لما كنت في سورية، رغم أني كنت أعيش تحت حكم آل الأسد، ولم أكن قد رأيت أكثر من لبنان في حياتي.

رابعا: ليست كل القيم وليدة الفاعل السائد سياسيا وعسكريا، ثمة معان كونية قوية جدا. إذا كانت المرأة في السعودية تعيش في نظام بطريركي أبوي يراقبها منذ عشرات السنين، فهذا لا يعني أن تلك القيم صارت سائدة في السعودية، بل إن قيمة تحرر المرأة كونية، ونساء السعودية أيضا تواقات للتحرر، وشعب كوريا الشمالية أيضا يريد التحرر والتخلص من الدكتاتور كيم جونغ. هنالك قيم كونية عامة، هي فوق السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ووجود هذه القيم في الخطاب سيشكل عامل منافسة وضغط، حتى لو لم يكن أصحاب الخطاب متواجدين على الأرض.

لذلك، مقولة: "القول يأخذ شرعيته من الوجود الواقعي"، غير دقيقة أبدا. ونحن الليبراليين والعلمانيين واليساريين المؤيدين للثورة في سورية، البعيدين عن ديناميكيات الواقع المباشر، لا نملك سوى قيم مغروسة في خطاب صغناه منذ 7 سنوات. وسترون أن هذا الخطاب ليس ضعيفا.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG