Accessibility links

أسرة عراقية فقدت أربعة من أبنائها: أعطينا دمنا فماذا أعطت الحكومة؟


آثار انفجار سيارة ملغومة - أرشيف

لم يكن الأشقاء الثلاثة محمد 55 عاما، وعبد الرزاق 51 عاما، وسعد 49 عاما، يعرفون أنهم سيقضون في تفجير انتحاري واحد. أبناء قضاء خالص في محافظة ديالى كانوا من بين 559 شخصا قتلوا في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 في عموم العراق، حسب إحصائية للأمم المتحدة أظهرت أيضاً أن 1037 آخرين أصيبوا بجروح.

كان يوما خريفيا متربا في مدينة الخالص التي تقع على بعد قرابة 60 كيلومترا شمال بغداد، حين هاجم انتحاري سوقا شعبية بسيارة محملة بمواد شديدة الانفجار، فقتل أكثر من 100 شخص. محمد وسعد قتلا فورا، بينما ظل الشقيق الثالث عبد الرزاق يعاني من إصابات رقد بسببها 40 يوما في المستشفى قبل أن يفارق الحياة.

تفجير 5/10/2015

كان سعد يقف أمام باب منزله عندما اتجه عبد الرزاق إلى فرنه لبدء نوبة العمل المسائية، وعلى الطرف الآخر من الشارع كان محمد منشغلا بالبيع في محل بقالة يملكه. اقتربت سيارة بيك آب، بدت عادية مثل جميع السيارات، لكنها سرعان ما تفجرت في وسط السوق، يروي صهر أحد الضحايا لـ"موقع الحرة".

ترك الإخوة الثلاثة تسعة يتامى وثلاثة أرامل من دون معيل. "تحطمت ثلاث أسر اجتماعيا واقتصاديا بالكامل" يضيف الصهر محمد ويتابع "احترق الفرن بالكامل وتدمرت البقالية أيضا".

بيت سعد القريب من موقع الانفجار احترق هو الآخر بالكامل.

شاهد هذا الفيديو لما بعد انفجار الخالص.

"لم نعد نستطيع العيش فيه، تحطم السقف واحترق كل شيء فيه لهذا تركناه واستأجرنا بيتا آخر، لم نعد نملك أي شيء"، تقول أم محمد (المعروفة باسم أم الشهيد) زوجة سعد في اتصال هاتفي مع "موقع الحرة". يهتز صوتها ولكنها تتمالك نفسها، وتواصل "كان هذا خامس انفجار يحدث بالقرب من بيتنا".

آثار دمار الانفجار الذي حدث في 5 تشرين الأول 2015
آثار دمار الانفجار الذي حدث في 5 تشرين الأول 2015

بذلت الأسر الثلاث كل ما في وسعها لإنقاذ عبد الرزاق بعد إصابته في الانفجار. "بدأنا نبيع كل شيء وننفق على علاجه"، قالت أم الشهيد. لكن بعد 40 يوما قضاها في المستشفى، التحق عبد الرزاق بشقيقيه.

عبدالرزاق وهو أحد ضحايا الانفجار وقضى 40 يوما في المستشفى ثم مات متأثرا بجروحه
عبدالرزاق وهو أحد ضحايا الانفجار وقضى 40 يوما في المستشفى ثم مات متأثرا بجروحه

"لم تقدّم الحكومة أي تعويض عن أملاكهم أو عنهم"، يقول الصهر محمد. وبعد موت سعد الذي كان موظف الجباية في بلدية الخالص "قطعت الحكومة راتبه".

وتتحدث أم الشهيد عن زوجها الذي "كان من أسرى مخيم رفحا ولم يستلم أي حقوق، ليس هذا فقط، بل حتى الآن ننتظر وصول راتبه".

بعد حدوث الفاجعة كان على أخيهم الأصغر علي وابن سعد الأكبر محمد الاهتمام بالأسر الثلاث. وبعد أقل من عام على التفجير توفيت زوجة عبد الرزاق غما وحسرة على زوجها بعد أن فقدت القدرة على تحمل الألم أكثر، تاركة وراءها ثلاثة أطفال من دون أبوين.

تفجير 15/1/2017

وكانت محافظة ديالى قد شهدت تفجيرات عدة خصوصا بعد إخراج مسلحي داعش من بعض مناطقها التي كان قد استولى عليها عام 2014.

ففي تموز/يوليو عام 2015 قتل 120 شخصا في تفجير انتحاري استهدف الأسواق الشعبية في مدينة خان بني سعد، حسب إحصائية حكومية.

وبعد أقل من شهر، قتل 50 شخصا وجرح 60 آخرون في تفجير انتحاري آخر في المحافظة. ولم يمض شهران على ذلك حتى وقع التفجير الذي ذهب ضحيته الإخوة الثلاثة.

وفي كانون الثاني/يناير 2016، ضرب تفجيران انتحاريان متعاقبان مقهى في وسط مدينة المقدادية، وذهب ضحيتهما أكثر من 23 قتيلا وعشرات الجرحى.

وفي شباط/ فبراير فجر انتحاري نفسه في مجلس عزاء.

وفي خضم كل هذه التفجيرات، التحق ابن سعد الأكبر محمد بالقوات الأمنية العراقية "لحماية شقيقاته وأهله"، حسب تعبير أمه.

محمد الذي قتل وهو يتصدى لانتحاري من داعش في 17 كانون الثاني 2017
محمد الذي قتل وهو يتصدى لانتحاري من داعش في 17 كانون الثاني 2017

وفي مساء الـ15 من كانون الثاني/ يناير 2017، قبل أن ينتهي محمد من تناول عشائه مع والدته وشقيقاته، استدعي إلى الواجب بعد ورود معلومات استخبارية عن سيارة يقودها انتحاري نحو المدينة.

"كان بين حين وآخر يقول مشتاق للوالد يا أمي، وردد هذا قبل خروجه في ذلك المساء"، روت والدته أم الشهيد.

"حاول محمد وزميل آخر إيقاف الانتحاري"، يروي الصهر محمد ويتابع "لما وصلت السيارة واكتشفوا انها مفخخة قاموا بإمساك يدي الانتحاري وهم يصرخون على الناس طالبين منهم أن يبتعدوا ويتفرقوا، لكن الانتحاري تمكن من تفجير السيارة".

الحكومة فقيرة ولا تملك الفلوس!

وتروي والدة محمد أن العائلة والقوات الأمنية قضوا ساعات وهم يبحثون عن أشلاء محمد "وأخيرا وجدوا ذراعه التي كان قد دق (نقش) عليها كلمة أمي"، مضيفة بحسرة "كان هذا معيلي الوحيد وأخذه الله.. والحمد لله".

وتطلب أم محمد من الحكومة أن تلتفت إلى وضع هذه الأسر التي فقدت معيلها. وتتابع "تنتظر هذه العائلات تعويضاتها، لكن الحكومة تقول ليس لديها المال". تصمت برهة وتضيف بحسرة ممتزجة بالسخرية "الحكومة فقيرة".

ليست أم الشهيد الوحيدة التي تنتظر تعويضات لضحايا "الإرهاب" في العراق، فهناك آلاف الأسر، مثلها، تنتظر أن تحصل على حقوقها.

وتتساءل أم الشهيد: "هؤلاء الناس أعطوا دمهم وحياتهم، فماذا أعطت الحكومة؟ الضحايا لا زالوا ينتظرون"!

خاص بموقع الحرة

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG