Accessibility links

بعد تحالف أردوغان وخامنئي ما هي خيارات الكرد والعرب


أردوغان وخامنئي

بقلم د. عماد بوظو/

أظهرت أحداث الأشهر الأخيرة حقيقة العلاقة بين تركيا تحت قيادة الرئيس أردوغان وجمهورية إيران الإسلامية، والتي كان الإعلام يصوّرها سابقا وكأنها منافسة على قيادة العالم الإسلامي بين البلدين أو حتّى صراع بين إسلام سياسي شيعي تمثله جمهورية إيران الإسلامية وإسلام سياسي سنّي تمثّله تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية، لكن درجة التعاون والتنسيق بينهما، والتي أصبحت واضحة بما يكفي هذه الأيام بالإضافة إلى ما تكشّف مؤخّرا عن علاقات قوية مستمرة بين البلدين خلال كل السنوات السابقة دلّ على أن درجة التنسيق بين البلدين في سياستهما الإقليمية أكبر مما كان معروفا سابقا وأن انتشار قواتهما في ساحات الشرق الأوسط يتم حسب اتفاقيات ثنائية دقيقة، وكان الموقف من إقليم كردستان العراق المثال الأبرز على هذا التحالف لأنّه تم بشكل علني بعكس السريّة التي تحيط باتفاقاتهما حول سورية. إن وضوح التعاون والتنسيق التركي الإيراني وارتباطه بالمحور الروسي قد يؤدي إلى رسم خريطة جديدة للتحالفات بين القوى السياسية في الشرق الأوسط.

فعلى الصعيد الكردي الداخلي لم يعد هناك من معنى لانقسام الحركات السياسية الكردية إلى محورين أحدهما قريب من إيران يتكون من حزب العمال الكردستاني وامتداده السوري حزب الاتحاد الديموقراطي مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني "طالباني" في العراق، والثاني قريب من تركيا مكوّن بشكل رئيسي من الحزب الديموقراطي الكردستاني "بارزاني" والقسم الأكبر من الأحزاب الكردية في إيران وأغلب الأحزاب الكردية في سورية المنضوية حاليا تحت يافطة المجلس الوطني الكردي. هذا الانقسام ترافق خلال السنوات الماضية بتوترات سياسية وحتى معارك عسكرية بين طرفيه كان بعضها بالغا في العنف، اليوم وقد تحالف الأتراك مع الإيرانيين بشكل رئيسي ضد الكرد فلابد من العمل الجاد لتطبيع العلاقات بين القوى السياسية الكردية، خصوصا أن التهديد اليوم كبير ويستهدف الشعب الكردي في كامل الشرق الأوسط، واستمرار الخلافات بين الكرد لاعتبارات حزبية أو عشائرية أو حتى صراع على الزعامة بين أفراد في هذه الظروف يعني غيابا للشعور بالمسؤولية الوطنية. واللهجة المتعالية التي تصدر فيها تصريحات وتهديدات القادة الأتراك والإيرانيين بحق الشعب الكردي يجب أن تكون حافزا إضافيا للتسريع بحل الخلافات بين هذه الأحزاب.

على مستوى العلاقة بين الشعبين العربي والكردي فإن لهما تاريخا مشتركا طويلا وقد خاضا الكثير من الصراعات جنبا إلى جنب مثل الحروب الصليبية وثوراتهم المشتركة ضد الحكم العثماني، لم يعرف الشعبان أي شكل من أشكال الصراع إلّا خلال العقود الأخيرة نتيجة سيطرة حزب سياسي على سورية والعراق تحت شعارات قومية وعنصرية لينتهي سريعا إلى ديكتاتوريات عائلية مارست اضطهادا ممنهجا ضد الكرد في البلدين.

اتفاقية سايكس-بيكو التي حرمت الشعب الكردي من حقه في بناء دولته وقسمته بين أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسورية، قسّمت بالمقابل العرب لدويلات صغيرة ووضعتهم تحت سلطات انتداب لعشرات السنين، بينما سمح للدولتين التركية والإيرانية بالتوسع والسيطرة على أراض لشعوب أخرى بينهم العرب والكرد، فحدود تركيا الحالية قامت بعد حملة إبادة وتهجير واسعة شملت الأرمن والكرد في شرقها واليونانيين في غربها والعرب في جنوبها الغربي أدّت لمقتل وتهجير الملايين من تلك الشعوب وفرض الهوية التركية على من تبقّى في هذه المناطق. وفي إيران الحالية يسيطر الفرس الذين يشكلون 50 في المئة فقط من السكان على شعوب أخرى، من الأذر والكرد والبلوش والعرب المحرومين من أبسط حقوقهم القومية والذين يتعرضون لكل أشكال الاضطهاد كشعوب تحت الاحتلال، صور الرافعات التي تستخدم كمشانق تعطي الوصف الدقيق لحالة الرعب الذي تعيشه هذه الشعوب تحت حكم الولي الفقيه.

أمام هذه التطورات الجديدة لابد للعرب والكرد من فتح صفحة جديدة، فمن أجل مستقبل أفضل للعراق يجب العمل لبناء تحالف واسع يتضمن الأحزاب السياسية الكردية والقوى الممثلة للعرب السنة مع الأحزاب والشخصيات الشيعية المعارضة للهيمنة الإيرانية مثل أياد علّاوي والتيار الصدري وأي تيار استقلالي عراقي يطمح لبناء دولة ديموقراطية حديثة ولكن لتحقيق ونجاح هذا التحالف لا بد أولا من اتفاق الأحزاب الكردية في ما بينها على برنامج وطني جامع.

وفي سورية إن تحقّق تحالف الكرد مع قوى المعارضة السورية المعادية للمشروع الإيراني والبعيدة عن الهيمنة التركية، فإنه سيفتح صفحة جديدة في تاريخ سورية وسيقدم نموذجا لما سيكون عليه حال هذا البلد بعد التخلص من حكم عائلة الأسد وهناك رأي عام شعبي مهيّأ لهذه الخطوة من الممكن ملاحظته من خلال التعاون العربي الكردي بإشراف أميركي في محاربة داعش، وكذلك من الممكن ملاحظته في موقف نخبة من المثقفين السوريين الذين أيّدوا حق إقليم كردستان العراق بإجراء استفتاء الانفصال باعتباره حقا لكل الشعوب من ناحية ونتيجة تفهّمهم للرفض الكردي لممارسات حكومة بغداد المكونة بالأساس من رجال دين مرجعيتهم وقيادتهم خارج العراق في طهران وقم. إن آفاق المستقبل اليوم في المناطق الشرقية من سورية مرهون بالتعاون العربي الكردي على المستوى الشعبي والتحالف مع محور الاعتدال العربي على المستوى الإقليمي والولايات المتحدة والغرب على المستوى الدولي لإعادة إعمار هذه المناطق وتأمين ظروف مناسبة للاستقرار والازدهار والتعايش، ولمنع حدوث ذلك تحاول روسيا اليوم لعب دور الوسيط بين نظام الأسد وحزب الاتحاد الديموقراطي وستحاول روسيا تقديم ضمانات للكرد بتحقيق بعض مطالبهم لكن الكرد السوريين يعرفون قبل غيرهم الطبيعة الحقيقية لهذا النظام، فكل المظالم التي تعرض لها الكرد في سورية تمت في عهد هذه السلطة من حرمان مئات آلاف الكرد من الجنسية إلى مشروع الحزام العربي الّذي أدى لطرد آلاف العائلات الكردية من أراضيها، بالإضافة لحرمان الكرد من حقوقهم المشروعة في التكلم بلغتهم والاعتراف بقوميتهم الخاصة. وكان أكثر ممارسات هذا النظام وضوحا ما تعرض له الكرد في آذار 2004 أي أثناء حكم بشار الأسد نفسه عندما أطلقت أجهزة أمن النظام السوري الرصاص الحي على الجمهور الكردي في مباراة لكرة قدم ممّا أدى لاستشهاد عشرات الشباب والشابات الكرد وما تلاها من حملة اعتقالات واسعة طالت مئات من الشباب الكردي وعمليات القتل المتعمد والمنظّم لعشرات المجندين الكرد في جيش نظام الأسد من عام 2004 حتى 2010 لا لشيء سوى لهويتهم القومية وأسماء هؤلاء الشهداء وأسماء القطعات التي تم استشهادهم فيها موثّقة ويعرفها كل كرد سورية. لذلك فإن احتمال نجاح الوساطة الروسية مستبعد ولن تستطيع أي قيادة كردية تسويقه شعبيا، كما أن الروس سيحاولون افتعال أو تضخيم واستغلال أي إشكال بسيط يقع في سورية والعراق نتيجة التداخل الجغرافي بين العرب والكرد لتضخيمه وتحويله إلى خلاف جدي لمصلحة حليفيه نظام الأسد وإيران، ولقطع الطريق على ذلك يجب العمل على مراعاة هذا التداخل الديموغرافي في كثير من المناطق بين الكرد والعرب والتركمان والسريان-الآشوريين وتجنب القيام بأي محاولة لفرض هوية محددة على المناطق المختلطة والعمل بوعي من الطرفين العربي والكردي وحل أي إشكال يحدث بالحوار المباشر قبل أن يتطور وحتى لا يستغله الأعداء الكثر المتربصون بالشعبين.

كما أن الاعتماد على روسيا كضامن لأي اتفاقيات أو التحالف معها لا يمثل سياسة بعيدة النظر فما نراه حاليا من تمدّد روسي سببه إحجام الدول القويّة اقتصاديا والغنية عن توريط أنفسها بصراعات خارجية مكّلفة تراها غير ضرورية مما ترك المجال للديكتاتوريات على نمط بوتين والنظام الإيراني للعب دور إقليمي أكبر من حجمهما يستخدمانه داخليا لأهداف شعبوية وللترويج لزعامة عالمية وهمية لهما رغم الثمن الباهظ الذي يدفعونه بشريا والخسائر التي تلحق باقتصادهما المنهك. لكن هذه الأنظمة لا تعتبر مستقرة على المدى المتوسط وانهيارها مسألة وقت فقط إن كان في روسيا أو إيران.

أمام شعوب الشرق الأوسط خيار العمل لبناء دولة المستقبل الديموقراطية والعصرية التي تعمل لتأمين ازدهار ورفاه مواطنيها أو العيش أسرى الماضي مثل القيصر الروسي والخليفة العثماني والولي الفقيه الإيراني.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG