Accessibility links

لا في الأحلام ولا في الأفلام.. عن الجنسية الأميركية


مواطنون من مختلف أنحاء العالم يؤدون القسم في مراسم منح الجنسية الأميركية

بقلم كوليت بهنا/

أعترف أنني جربت قبل أيام، من باب الفضول، اختبارا نشره موقع "الحرة" تضمن بعضا من أسئلة الامتحان التي يتوجب على طالبي الجنسية الأميركية اجتيازها. وهي مجموعة أسئلة عن الحوكمة، ونظام الحكم وشكله والدستور ومدة الرئاسة وعدد أعضاء مجلس النواب وسنوات ولايتهم، ومن هو أب الولايات المتحدة وغيرها. المفاجئ أنني أجبت إجابة صحيحة على معظم هذه الأسئلة ببدهية سلسة للغاية. وكنت قد اطلعت سابقاً على أنموذج من أسئلة مشابهة توجه لطالبي الجنسية الألمانية أو الفرنسية وغيرها، وبدت غالبية تلك الأسئلة غير حاضرة في الذاكرة بكل هذه السهولة واليسر اللذين تبديا مع أنموذج الأسئلة الأميركية. فما تفسير أننا نحفظ -على سبيل المثال- عدد أعضاء الكونغرس ويمكن أن لا نعرف أو نتلكأ بالجواب لو كان السؤال يخص برلمانات بلادنا؟

الجواب يكمن دون أدنى شك في تأثير الميديا، هذا إذا نحينا جانبا الضخ الإعلامي الغزير لجميع وسائل الإعلام الأميركي المترافق مع الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة الأميركية، وهو ضخ إعلامي تشارك فيه منذ التسعينيات كبرى الفضائيات العربية عبر برامج متخصصة وتغطية مطولة ومباشرة. عبر هذا الاستنفار الاعلامي المكثف –الذي قد لا تحظى بربع وقته حملات انتخابية لدول أخرى- تُضخ المعلومات المتعلقة بأدق التفاصيل عن الدورة السياسية الأميركية التي تتكرر كل أربع سنوات، فيما تنشط ماكينة إعلامية أخرى تدور بفطنة وذكاء منذ أكثر من مائة عام تقريبا لسد الفراغ المعلوماتي، وهي السينما الأميركية.

المدقق في هذه الصناعة العظيمة سيكتشف أن من النادر أن يمر فيلم سينمائي، إلا وتمر معه معلومة تتعلق بأمرٍ ما يخص الحياة العامة الأميركية أو المؤسساتية السياسية كالحكم أو الرئاسة أو الكونغرس أو البنتاغون أو غيرها، بما فيها معلومات عن CIA أو FBI وغيرها. معلومة تُمرًّر كرقم في وثيقة، أو تطبع، أو ترد شفوياً على لسان أحد أبطال الفيلم. وقد تكون معلومة بصرية تُمرًّر في شريط الفيلم كخلفية إعلانية أو صورة ما. أو تكون المعلومة بذاتها جزءا رئيسيا من ثيمة الفيلم وحبكة السيناريو. هذه المعلومة، أو كمٌ من المعلومات أحياناً، والتي تبدو أنها تمر مروراً سلساً مع انتهاء مشاهدة أي فيلم، تلتصق في الذاكرة البصرية للمشاهد وتستقر، ثم تتراكم بهدوء وتختفي في تلافيف ذاكرته، إلى حين استيقاظها مع استثارتها بسؤال أو موقف ما. ويمكن أن نصف هذه المعلومة الموجهة بالشفافية، حيث لا حجب للمعلومات العامة عن العامّة، ولا حجب أيضاً للمعلومات الخاصة بعد انتهاء فترة سرّيتها القانونية، المهم أن تحفظها ذاكرة المتلقي بما يخدم المصلحة العليا وصورة أميركا.

على سبيل المثال لا الحصر، أنتجت أميركا مئات الأفلام التاريخية عن رؤساء أميركيين أسسوا أو تركوا بصماتهم في الحياة الأميركية والعالم. من خلال السياق العام لحياة الرئيس في الفيلم، تلقى المشاهد معلومة موثقة تختص –مثلاً- بتعديل دستوري ما، والآلية التي تسلكها مثل هذه القرارات بين مراكز صنع القرار، والمواجهة أحياناً مع الكونغرس الذي تعرفنا على عدد أعضائه وانتمائهم – كمعلومة سريعة- من خلال مثل هذه المواجهات الدرامية التي حيكت في كثير من سيناريوهات الأفلام.

في بعض الأفلام أيضاً، تسلل المشاهد بيسرٍ مع الكاميرا وتعرف بصرياً على تفاصيل أماكن صنع القرار كالبيت الأبيض مثلاً في كل مراحله الزمنية، فاهتمت ذاكرته بحفظ كل ما يتعلق بالمكان معلوماتيا للشعور بإحساس الانفتاح وبأن لا باب مغلقا أمام فضوله. وعليه، كيف سيهتم ابن الدول المسكينة بسياسات بلاده، وهو لا يشارك ولا يتشارك ولا يرى ولو مرة واحدة تفاصيل قصر زعيمه "المحبب" لا في الأحلام ولا حتى في الأفلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG