Accessibility links

بقلم حافظ المرازي

من يتابع حاليا إعلام الصوت الواحد في مصر، سيلفت انتباهه غضب الكثيرين على "تجرؤ" واشنطن أو وزير خارجيتها على حجب جزء ولو يسير (5%) من المساعدات وسط مطالب أميركية متعلقة بالقيود على الجمعيات الأهلية في مصر واستمرار تعاون القاهرة مع كوريا الشمالية.

أحد مقدمي البرامج التليفزيونية قال مستهزئا من المبلغ المحجوب، رغم أنه لم يكتم غيظه "إن ما نستورده لأطفالنا وننفقه على ألعاب 'البمب' النارية في احتفال العيد أكثر من الـ190 مليون دولار التي حجبوها!"

ستجد بين المعلقين كثيرين ممن صبوا غضبهم على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصا الذين كانوا سعداء به وهللوا لقدومه، وكأنه خانهم شخصيا!

لكن نادرا ما تجد أحدا ينتقد إسرائيل أو يردد نظرية "المؤامرة الصهيونية على بلدنا"، وهذا شيء إيجابي من باب التغيير.. فالحديث مركز على لوبي مؤامرة تغيير الأنظمة ودعم الثورات في العالم العربي الذي تركته إدارة أوباما خلفها حيا.

مع ذلك ستجد الهادئين من المعلقين "الاستراتيجيين" ينصح القلقين على مساعدات واشنطن بأنها مضمونة بضمان معاهدة السلام مع إسرائيل.. وألا يكترثوا بالغضب الأميركي طالما أن علاقة مصر مع إسرائيل طيبة!

فهل هم على حق بالفعل؟

حين بدأت عملية السلام العربي الإسرائيلي بالمصالحة التاريخية لمصر وزيارة رئيسها آنذاك أنور السادات إلى القدس قبل نحو أربعين عاما، كان رهان السادات وقتها على الانضمام لمعسكر أميركا بدلا من الاتحاد السوفيتي، حتى قبل سقوطه، وكانت قناعته أن واشنطن"تمتلك 99% من أوراق اللعبة في المنطقة. بالتالي اختلف الرجل في الرأي وقت الزيارة وأثناء مفاوضات كامب ديفيد مع وزرائه ومساعديه واستهزأ بضيق رؤية بعضهم لتركيزهم على تفاصيل التسوية مع إسرائيل بينما عينه ترى أبعد.. فهي على الجائزة الكبرى: أميركا حين تصبح حليفته!

وتمكن السادات بالفعل من تغيير بوصلة الاستراتيجية المصرية تجاه أميركا، وأصبحت علاقات البلدين قوية لدرجة جعلت مصر ثاني أكبر متلق للمساعدات الخارجية الأميركية بعد إسرائيل التي كانت ولا تزال تحصل من واشنطن على مساعدات بنحو ثلاثة مليارات دولار سنويا، بينما كانت مصر تحصل حتى نهايات التسعينيات على مليارين ومائة مليون دولار.. وانخفضت إلى مليار وثلاثمئة مليون دولار، أغلبها مساعدات عسكرية، أما الاقتصادية فتقلصت تماما إلى نحو مائة وخمسين مليون دولار بعد أن كانت 850 مليونا.

كانت المساعدات الأميركية لمصر لتعويضها من ناحية عن الدعم العسكري والاقتصادي السوفيتي قبل انهيار إمبراطوريته، وعن مساعدات الدول العربية والخليجية التي قاطعت القاهرة لتوقيعها معاهدة سلام منفردة مع إسرائيل.. واستمرت المعونات الأميركية لمصر بعد عودة هذه العلاقات العربية والخليجية التي عادت مكافأة لمصر بسبب دعمها العراق ومساندته عدة وعتادا بتمويل خليجي خلال حربه ضد إيران في السنوات الثماني الأولى من الثمانينيات. كما كافأت واشنطن والدول الخليجية مصر مبارك مرة أخرى لدعمه الحرب ضد العراق بعد غزو الكويت وحتى تم إسقاط نظام صدام حسين.

في البداية كانت مصر السادات تأمل أن تكون علاقاتها مع أميركا ثنائية بغض النظر عن ترمومتر درجة حرارة العلاقة المصرية الإسرائيلية طالما أنها وقعت اتفاق سلام ولن تحاربها مرة أخرى. لكن القاهرة أدركت منذ أمد أنها علاقة ثلاثية، تعتمد على تفسير صانع القرار الإسرائيلي لمصلحة الأمن القومي لبلاده وبالتالي فإن صانع القرار الأميركي في الكونغرس والإدارة، والملتزم دوما على رأس المصالح العليا الأميركية بأمن إسرائيل، أصبح يربط علاقته الثنائية بمصر أو غيرها من الدول العربية بما لا يتعارض مع تفسير صانع القرار الإسرائيلي لمصالح بلده.

لذلك حتى حين جاء رئيس لمصر من الإخوان المسلمين، فقد حرص الرئيس المصري المنتخب آنذاك محمد مرسي على أن يخاطب الرئيس الإسرائيلي وقتها شمعون بيريز بعبارة الصديق، أي ليس حرصا على من يحكم إسرائيل وإن كان يعترف بها مع نفسه كدولة ولكن إدراكا لواقع العلاقة الثلاثية مع أميركا بوجود البعد الإسرائيلي.

وحين أطاح الجيش المصري بالرئيس مرسي بعد انتفاضة الجماهير ضده، وجدت إدارة أوباما نفسها في موقف صعب: تنتقد ما حدث بمصر لكنها لا تجرؤ على تسمية ما وقع بأنه "انقلاب" حتى لا تنطبق على مصر فورا بنود قانون 1961 الأميركي للمساعدات الخارجية بمنع تقديمها فورا لأي دولة يتم الإطاحة فيها بحكومتها المنتخبة بانقلاب عسكري أو بمرسوم سيادي ملكي!

وحتى حين تقدم وقتها السيناتور الجمهوري راند بول بمشروع قرار في مجلس الشيوخ، وبدعم من العضوين الجمهوريين البارزين جون مكين ولنسي غرام، لقطع المعونة الأميركية عن مصر لإطاحة الجيش بالرئيس، لم يحصل المشروع على موافقة أكثر من 13 عضوا من مجموع المئة في المجلس، لأن لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) سارعت إلى توزيع رسالة على أعضاء المجلس في 31 تموز/ يوليو 2013 بالتأكيد على مصلحة أمن إسرائيل في الخطوة التي اتخذتها القوات المسلحة المصرية.

بناء على هذه الخبرة، لا يهتم المتابعون للمعونة الأميركية برسائل جون مكين السابقة أو الحالية لربط المساعدات بحقوق الإنسان، ويعتقد صانع القرار المصري سواء كان إسلاميا أو عسكريا، بانتخابات أو بدونها، بحقوق إنسان أو حتى بدون أي إنسانيات، أن المساعدات الأميركية لمصر بدأت وستستمر ضمن منظومة علاقات ثلاثية مرهونة برضا صانع القرار الإسرائيلي على من يحكم وكيف يحكم في مصر.. وليس بناء على أجندة ديمقراطية أو جمهورية في واشنطن، سواء عبر عنها أوباما أو ترامب.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG