Accessibility links

أميركا تحب الأعاجيب


الممثل أوين ويلسون والطفل جاكوب ترمبلاي أثناء عرض فيلم Wonder

بقلم رياض عصمت/

ما أن نزلت تيترات النهاية لفيلم "Wonder" (2017) في الصالة المحتشدة إلى آخر مقعد فيها بجمهور من مختلف الأعمار، حتى دوى – على غير المألوف في السينما - التصفيق. في هذا الوقت تقريباً من كل عام، وقبيل "عيد الشكر"، يفتتح فيلم أميركي جديد للعائلة. لكن افتتاح فيلم "Wonder" هذا العام يبشر بنجاح جماهيري استثنائي يفوق المعتاد. إنه فيلم إنساني تربوي يناسب الكبار والصغار معاً، وكثير من أبطاله أطفال من مختلف الأعراق تقل أعمارهم عن 12 سنة، يتصدرهم الطفل الموهوب جاكوب ترمبلاي في دور "أوغي"، في حين أن المراهقين منهم في عمر الـ16، تتصدرهم الشابة إيزابيللا فيدوفيتش في دور شقيقته "فيا". استند سيناريو الفيلم إلى كتاب يحمل عنوان الفيلم نفسه، للمؤلف ر. جيه. بالاسيو، طبعته "نيويورك تايمز" ليصبح من أكثر الكتب مبيعاً.

يروي السيناريو قصة طفلٍ ولد مشوه الملامح يدعى أوغي، وأجريت له عشرات العمليات الجراحية كي يبقى على قيد الحياة. بالرغم من أن والد أوغي ووالدته وأخته يحيطونه بكثير من الحب والرعاية، إلا أن الطفل يعاني من صعوبات تقبل بقية أطفال المدرسة له حين يلحقه أهله بمدرسة ابتدائية في نيويورك. إنه طفل بالغ الذكاء والدماثة والتفوق في مدرسته بسبب ما لقنته إياه والدته الرائعة في البيت من دروس علمية بوجه خاص. لكن بعض صبية المدرسة يزعجونه بالإساءة إليه وجرح أحاسيسه والابتعاد عنه ليشعرونه بتشوهه الخلقي. يروي الفيلم القصة على مراحل من خلال عدة وجهات نظر، تتراوح بين وجهة نظر الطفل نفسه، وبين شقيقته، وبين صديقتها المقربة التي نأت عنها فجأة، وبين صديقه الأثير في المدرسة. تسير أحداث فيلم "Wonder" بسلاسة غريبة كغدير يتدفق بماء رقراق وعذب، بحيث تتراوح اللحظات بين ما يدفع بالدمع إلى مآقي العينين بشكل لا يقاوم، وما يبعث على القهقهة بصوت عالٍ. لا غرابة، إذ يبدو أن الناس في أميركا يحبون الأعاجيب!

ما أحوجنا في هذا الزمان المثقل بالهموم السياسية والاقتصادية التي يؤرق الإنسان فيها خطر الحروب والإرهاب، إلى أفلام إنسانية/تربوية مثل فيلم "Wonder". يبدو أن المخرج ستيفن تشبوسكي أدرك تلك الحاجة جيداً، وعزف على الوتر الحساس في الوقت المناسب. الجديد في فيلم "Wonder" (2017) هو روعة التمثيل المقنع فيه سواء من الممثلين الكبار أو من الأطفال الصغار. تتصدر نجوم الفيلم جوليا روبرتس بحضورها العاطفي الأخاذ في دور الأم المتفانية من أجل طفلها، وأرجح أن الدور سيرشحها للمنافسة على جوائز أفضل ممثلة في أكثر من مسابقة. جوليا روبرتس، في الواقع، هي إحدى نقاط الارتكاز في هذا الفيلم الإنساني الشفاف والمؤثر. لعلها نقطة ضعف أن القصة الأصلية والسيناريو لم يجعلا لشخصيتها أية هنة أو زلة، بل صورت بشكل مثالي كأم وكزوجة، بل جعلها الفيلم تكمل متأخرة بنجاح رسالة ماجستير إلى جانب نجاحها في أن تكون دعامة البيت. كان من شأن إضفاء بعض الظلال الرمادية على شخصيتها أن يكسب الفيلم عمقاً درامياً أكبر. كذلك أجاد أوين ويلسون عبر بساطة وسهولة أدائه لدور الأب والزوج، لكن أيضاً عبر شخصية ظريفة جداً دون أية هنات أو زلات. يظل أوين ويلسون أحد النجوم القلائل الذين أثبتوا عبر السنين مقدرته على أداء طيف واسع جداً من الأدوار، تتراوح بين قطبي المغامرة والكوميديا. في الواقع، إن الخط الدرامي المحوري الأهم في الفيلم الجانب يتعلق بالصبي أوغي، واكتسابه التدريجي للأصدقاء، ثم شعوره بخيانة وخذلان أعز صديق له حين يسمعه متنكراً في عيد "هالووين" وهو يذكره بالسوء مع شلة صبيان دأبوا على الإساءة إليه بفظاظة، ثم تعاطف طفلة سمراء معه بحيث كسرت حاجز العزلة المفروض عليه من زميلاتها وزملائها. كذلك جاءت الحبكة الجانبية الدرامية لأخت الصبي (واسمها فيا) وتلك الغمامة الداكنة التي أفسدت علاقتها بأعز صديقة لديها. كلا الحبكتين تنتهي نهاية إنسانية ذات انعطافة مفاجئة ومثيرة للدهشة. الصديق جاك ويل (لعب دوره بحساسية الطفل نوح جوب) الذي زلَّ لسانه فأساء إلى صديقه أوغي دون قصد يندم بشدة، يلكم من حرضه ضد صديقه ويشتبك معه في معركة تؤدي إلى فصله لمدة يومين من المدرسة، لكنه يستعيد بعد ذلك من صديقه الحبيب الغفران. أما الصديقة ميراندا (لعبت دورها بإتقان الممثلة الشابة دانييل روز راسل) التي نأت بنفسها عن العائلة السعيدة نتيجة اكتئابها بسبب انفصال أبويها وتعاسة حياتها مع أمها المدمنة على الشراب، فنجدها تضحي بلعب بطولة مسرحية ثورنتون وايلدر "بلدتنا" في حفل الافتتاح لتتيح لأعز صديقة لها أن تلعب الدور مع حبيبها الشاب الأسمر في حضور والدتها ووالدها وشقيقها أوغي، وبذلك تزرع البهجة في قلوب تلك الأسرة التي تحب، والتي تمنحها من الحب ما يفوق أسرتها الحقيقية الممزقة. يا لها من نهاية بالغة السعادة في زمن القلق والأحزان!

يتميز فيلم ستيفن تشبوسكي أيضاً بأنه يجسد بين الحين والآخر رؤى الطفل أوغي المستمدة من شخصيات فيلم "حرب النجوم" لتمتزج بالشخصيات الواقعية من أطفال وأساتذة. وحده الطفل مشوه الملامح يراها، لكنها تتحول عبر لمسة المخرج إلى ما هو أشبه بالحقيقة، بحيث نراها معه، وهكذا يأخذنا المخرج على متن خيال مجنح إلى قلب عالم أحلام الصبي الصغير ورؤاه. يسعى السيناريو (الذي كتبه المخرج ستيفن تشبوسكي مع ستيف كونراد وجاك ثورن) إلى بث البهجة في نفوس المشاهدين من جميع الأعمار والأعراق والجنسيات، فالصبي الذي يتزعم شلة الزعران المسيئين للصبي أوغي يتعرض لعقوبة عادلة من مدير المدرسة (أدى دوره ماندي باتينكين) لكن والدته ووالده الثريين المعجرفين يجبرانه على تركها نهائياً بسبب رفضهما الاعتراف بذنب ابنهما، فيبدي الصبي صادق أسفه للمدير وهو يغادر مدرسته الحبيبة بحرقة وندم صادقين عما بدر منه من سلوك خاطئ، لأنه لم يجد أهلاً يهدونه إلى سواء السبيل. أما الصبي الممتلئ الآخر الذي يسهم باستفزاز أوغي ومضايقته، فيتحول خلال لحظات إلى نمر شرس يدافع عن زميليه أوغي وجاك حين يتعرضان إلى اعتداء من أطفال يكبرونهما سناً في معسكر المدرسة وسط غابات بنسلفانيا. تكتمل النهاية السعيدة للفيلم بمشهدين بدلاً من مشهدٍ واحد. الأول هو تألق الأخت على المسرح في بطولة مسرحية المدرسة، وفرحتها الغامرة باعتزار أسرتها بها، واستعادتها لصداقتها مع ميراندا النبيلة، وتشجيع صديقها الأسمر لها. أما الثاني، فهو أن مدير المدرسة في حفل تخرج نهاية السنة يعلن منح جائزته لأفضل تلميذ متميز إلى أوغي دون سواه وسط تصفيق حار من جميع زملائه وأهاليهم، في حين ترقرق الدموع في أعين أمه وأبيه وأخته وصديقها وصديقتها.. بل وجميع المشاهدين في صالة السينما.

تكمن صعوبة صنع فيلم "Wonder" في أمرين: إدارة هذا الكم الهائل من الأطفال ليظهروا بأداء جيد، وتصوير الفيلم ومونتاجه بأسلوب واقعي سلس ومقنع. نضيف إليهما تفوق المكياج الذي صُنع للممثل الطفل جاكوب ترمبلاي في دور الطفل مشوه الملامح، والذي أبدع أيما إبداع في هذا الدور الفريد، ليصبح وهو في سن الـ11 أحد نجوم هوليوود الواعدين. قام بتصوير الفيلم المصور دون دورجيس، وقام بمونتاجه مارك ليفولسي، وألَّف موسيقاه مارسيللو زارفوس. جدير بالذكر، أن فيلم "Wonder" أثبت أن الجمهور العريض في الولايات المتحدة - وأعتقد في العالم أجمع - ما زال يتوق إلى الموضوعات الإنسانية المرهفة، وإلى اللمسات التربوية الذكية، عبر قصص كهذه تمس شغاف القلوب في كل زمان ومكان. إنه فيلم عام 2017 العائلي بامتياز.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG