Accessibility links

هذه الدول الافتراضية، الحالمة، الواعدة، القاتلة


شباب عرب في مقهى للإنترنت

بقلم حسن منيمنة/

«أسجادريا» (بالجيم القاهرية) هي إما موقع على الشبكة العالمية وامتداد لألعاب الأدوار، والتي تعود إلى ما قبل بزوغ فجر المعلوماتية، أو «أول مملكة فضائية» ينتسب إليها عشرات الألوف من الحالمين، من مختلف أصقاع الأرض (مع ارتفاع نسبهم من البلاد التي على ما يبدو يتمنى البعض من أهلها هجرها وإن إلى الممالك الفضائية الوهمية)، ينتخبون مجالس نيابية فيها، أو يكادون، ويُستفتون على «دستور» لها يجعل من مؤسسها، وهو من الأثرياء الروس، قائدا أعلى. «مواطنو» أسجادريا يريدون لها أن تكون محفلا علميا، لاسيما وأن القائد المؤسس يجمع ما بين سيادته على هذه الدولة الفذّة وامتلاكه لشركة تساهم في إمداد المحطة الفضائية الدولية (الحقيقية) ببعض احتياجاتها. غير أن أسجارديا تجمع القليل النادر من العلم، والكثير الوافر من الحلم، ولا تختلف بذلك عن مواقع «التواريخ البديلة»، حيث يعيش المشاركون على وقع ما كان العالم ليكون لو أن بعض المفاصل التاريخية حسمت على ما كانوا يتمنونه (أو يخشونه). عالم انتصر فيه المحور في الحرب العالمية الثانية، وآخر تغلّب فيه الجنوب الانفصالي على الشمال الاتحادي في الحرب الأهلية التي عاشتها الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر، ومن ثم تراكم للأحداث وهروب من الواقع.

بل هو واقع جديد أقامه هذا العالم الافتراضي الذي يدخله الناس من بوابات الشاشات وألواح المفاتيح. ونتائجه، ثراء وإفلاسا، واقع بحت لا افتراض فيه. فبوسع النظرة الناقدة أن ترى في «بيتكوين»، هذه العملة السرية المتداولة على الشبكة، والتي تفتقد المرجعية القابلة للمساءلة، خديعة هرمية لا بد لها من الانهيار. إلا أن من جمع الأموال الطائلة للتوّ من خلال الاستثمار بهذا النقد المستقبلي له ألا يعبأ بالتحذيرات بل أن يصف أصحابها بالجهل وعدم الترقي إلى تطور تجاوزهم.

وفيما يتعدى الكسب والخسارة، بل من الملهاة إلى المأساة، يأتي مثال «الدولة الإسلامية». فمن خلال الشاشات، والتي جلس مشاهدوها أمامها في قازان وقفصة وسيلهت وسان برناندينو وغيرها الكثير، جاءت الدعوة للهجرة المحمودة إلى دولة الخلافة، المكتملة الولايات والدوواين واللجان والمراكز. إصدارات مرئية من المكاتب الإعلامية للولايات المتعددة تتراوح في مضمونها بين تمجيد القتل والقتال والترويج لإنجازات الدولة في خدمة رعية الخليفة، وتقارير مصوّرة تنقل جوانب منقّحة من الحياة في مختلف المدن والبلدات في ظل الخلافة، ومجلات وصحف كل معنية بجمهور خاص تحاوره بلغته، وبيانات عاجلة تفصّل غزوات جند الخلافة ومجاهديها، ووكالات إعلام تعتمد الأساليب المتوافق عليها في المؤسسات الدولية، وأناشيد وتلاوات، وإذاعة تبثّ على مدار الساعة أخبارا وبرامج توجيهية وفتاوى باللغة العربية وغيرها الكثير من اللغات، وكتب ومطويات تبيّن للرعية ما لها وما عليها، جميعها توثّق، وفق الزعم، بناء صرح خلافة على منهاج النبوة. أما على الأرض، فشتّان بين الصورة والواقع. قتل ودمار، واغتصاب وأسر، وإهانة وسلب، وسفك مفتوح للدماء. والآلاف استجابوا للدعوة فجاؤوا إلى دار الخلافة المزعومة ليَقتلوا ويُقتلوا. ورغم عبثية الرؤية الشاملة، فإنه نجاح غير مسبوق في الترويج والدعاية، مبني على قراءة متأنية للواقع الثقافي العالمي الجديد واستفادة من التقنيات المعلوماتية والنفسية المستحدثة.

إعلام الدولة الإسلامية أدرك انغماس جمهور واسع من الشبان المسلمين في ألعاب الشاشات حيث يقتلون الخصوم، ويُقتلون بدورهم ضمن اللعبة، ليقوموا بعد لحظات للمباشرة بجولات أخرى. هو هدر للوقت يدرك صاحبه عدم جدواه، وإن كان في التلهي به شفاء للغرائز. إصدارات الدولة الإسلامية كانت هي الجسر، ترقبها المترقبون طمعا بالجديد في التفنن بالقتل، قطعا وبترا وحرقا وغرقا ونحرا وتفجيرا، وإذ بوهم ألعاب الشاشات يتجسد في مقاطع مرئية تشفي الغليل. فالدعوة الموجهة من الدولة الإسلامية إلى المشاهد المتحمس هي أن يضع الهزل جانبا وأن يحقق ما يصبو إليه من الفتك بالخصوم واقعا لا افتراضا، وله بدلا من النقاط التي يجمعها ضمن ألعاب الشاشات أن يكون بعد ذلك جزاؤه الجنة، ولا ضير البتة إن نال السبايا هنا والحور هناك، متحصنا بالقناعة بأن ما يفعله هو تمام الفضيلة والدين.

لـ «الدولة الإسلامية» آباء كثر، منهم الجلي الظاهر ومنهم الخفي الضامر، من ممارسات أنظمة الاستبداد في المنطقة وأفكار الدعوات الدينية المتشددة، إلى الحسابات الخاطئة للقوى المحلية والعالمية. غير أن الدولة الإسلامية هي كذلك مظهر من مظاهر التضخم في قدرات العالم الافتراضي في الانتقال إلى الواقع وتبديله. ما نجحت به الدولة الإسلامية، إلى حين، هو في توظيف العالم الافتراضي لجعل الدعاية، والتي هي عادة داعمة للمجهود عند أطرافه، أساساً لهذا المجهود في صلبه.

والتركيز في السعي إلى كبح جماح تنظيم الدولة الإسلامية هذا، بعد أن هزم ميدانيا، هو في إيجاد البدائل في الطروحات الدينية، نحو الاعتدال والوسطية والتسامح وما أشبه. وهو سعي فيه إشكاليات كثيرة. غير أن الحضور الافتراضي المتكامل والذي أوهم وجود دولة إسلامية زاهرة وراء الإصدارات والشاشات، قلّ أن خاطب العقل والمنطق، بل كان في غالبه موجها إلى النفس والعاطفة، مستدعيا في العلن مشاعر العزة والجدوى، وواعدا في السر بإشباع ما كظم من رغبات.

ورغم الارتفاع الهائل في حجم جرعات التعبئة وجودتها التقنية لدى الدولة الإسلامية، فإن العمل على تغذية الطموحات والأحلام والأوهام لتحقيق واقع جديد من خلال التقنيات الحديثة قد تكرر على مدى التاريخ. المسألة اليوم وحسب هي في تصحيح التقدير العقلاني لوزن النشاط الافتراضي، بما يجنّب أن تتجاوز الأداة، أي وسائط التواصل الاجتماعي ومواقع الشبكة العالمية، في أهميتها وتأثيرها الغاية من هذه الأداة. وهو مأزق وقعت فيه على ما يبدو الحركة الاستقلالية في كاتالونيا.

لـ «جمهورية كاتالونيا» من المعطيات التاريخية والسياسية والثقافية والاقتصادية ما يؤهلها بالفعل أن تكون حقيقة واقعة. ولا يمكن بالطبع إلقاء اللوم على فشل الحركة الاستقلالية الصيف الماضي على فيض الآمال الرغبوية والذي شغل جمهور الحركة الاستقلالية كما قيادتها. إلا أن الإشارة قد تكررت في كاتالونيا قبل الحركة الاستقلالية وخلالها إلى الارتفاع في التفتيت في تلقي المادة الإعلامية. وهذا التفتيت ليس حصراً على كاتالونيا، بل هو ناتج عن التركيبة الجديدة للمنظومة الإعلامية على المستويات المحلية والعالمية، وهو يسمح بتنشيط معاقل منفصلة منطوية على نفسها في صياغة المواد واستقبالها. وإذا كان للسعي للانتقال بكاتالونيا الجمهورية من العالم الافتراضي إلى الواقع المعاش أن ينجح، لا بد لأصحابه في المراحل التالية من إعادة نظر متروية توافق بين المعطيات المعتبرة لديهم ولدى خصومهم، لتجنب سوء تقدير التطورات. وما ينطبق على كاتالونيا يطال كذلك كردستان وغيرها.

لم تتمكن الثقافة العالمية ككل من ضبط أشكال الإنتاج والاستهلاك للمواد الفكرية والإعلامية والسياسية الصادرة بغزارة وتشعب غير مسبوقين نتيجة الثورة التقنية المعاصرة. وعواقب هذا الفشل كثيرة، ومنها بل من أبرزها الارتباك والارتجاج في الواقع السياسي والثقافي في الولايات المتحدة والذي يقترب اليوم من الانفصام إلى ثقافات متعادية. والخوف ممن نجح بتوظيف هذا الإطار الجديد، كما الدولة الإسلامية، بقدر ما هو على من أساء إليه هذا الإطار، كما جمهورية كاتالونيا. هي دول افتراضية قاتلة وواعدة وحالمة، والأمل هو بأن تنجح الثقافة العالمية بتوجيه الحالم منها ليصبح وعدا بناء، أن صحّ له التقدم، لا أن ينتج القتل والموت والدمار.

-------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG