Accessibility links

دعوة لمناصرة المكرَهات على ارتداء الحجاب


منقبات إيرانيات

بقلم منصور الحاج/​

كنت في الصف الثاني المتوسط حين خرجت لأول مرة في رحلة صيفية لمدة أسبوع نظمتها مدرسة تحفيظ القرآن بمسجد الشيخ سعد الفرآن بحي "الكرنتينة" الواقع في جنوب مدينة جدة. كانت الرحلة أشبه بمعسكرات إعداد المجاهدين بسبب الكم الهائل من المحاضرات والدروس الدينية التي كنا نتلقاها والأنشطة الرياضية التي كنا نمارسها في المساء انتهاء بالحراسة الليلية التي كنا نتاوب عليها بواقع ساعتين لكل شخص، يحرس فيها الإخوة النيام داخل الفناء الكبير الذي لا سقف له ولا باب.

كان ذلك الأسبوع كافيا لإعادة برمجة عقلي من جديد لأعود إلى المنزل شخصا مختلفا تماما، ولتبدأ بعد ذلك فصول معاناة عائلتي مع مراهق متحمس تشرب العقيدة السلفية المتشددة فبدأ بنفسه وراح يسعى لفرضها على أفراد أسرته. أولى القرارات التي اتخذتها كانت منع الموسيقى والأغاني منعا باتا بما في ذلك موسيقى المقدمة والنهاية للمسلسلات.

ثاني تلك القرارات كان فرض النقاب على شقيقتي ووالدتي باعتباره أمرا ربانيا وواجبا شرعيا على الفتيات والنساء الالتزام به وإلا فإنهن سيدخلن في من وصفهن الحديث النبوي بـ"المتبرجات" و"الكاسيات العاريات" اللواتي "لا يدخلن الجنة ولا يشممن ريحها".

يثير الحجاب في الغرب جدلا واسعا لتبني التيارات اليسارية له واعتباره زيا إسلاميا يميز المسلمات عن غيرهن. ولهذا الجدل عدة أسباب أبرزها تغاضي التيارات اليسارية عن خلافات المذاهب والمدارس الفقهية الإسلامية بشأنه، وتنكرها لمعاناة ملايين المكرهات على ارتدائه حول العالم، بالإضافة إلى جهلها بأجندات الجماعات المتشددة وجماعات الإسلام السياسي من السنة والشيعة والجماعات الإرهابية التي تستغل هذا الدعم من أجل تحقيق أهداف سياسية ودينية واجتماعية، الأمر الذي يعزز الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها غير المحجبات في المجتمعات الإسلامية.

إن خطورة هذا التبني، الذي لا يُشك في أنه مبني على نوايا طيبة ووعي بأهمية الدفاع عن أقلية دينية يتعرض بعض أفرادها إلى التمييز أحيانا لأسباب عدة من ضمنها ارتداء الحجاب، تتجلى في أنه يقوي التيارات المتطرفة وجماعات الإسلام السياسي التي تضطهد المرأة وتحرمها من حقها في الاختيار وترى فيها "فتنة" و"عورة" يجب تغطيتها حتى لا تفسد قلوب الرجال وتدفعهم إلى ارتكاب المعاصي.

لقد نجح المتطرفون والإسلاميون في الغرب في استغلال حرص الجماعات اليسارية على تعزيز التعددية وجعل الحجاب الذي يجسد النظرة الذكورية تجاه المرأة رمزا إسلاميا مقدسا لا يجوز المساس به ولا التشكيك في مشروعيته سواء من المسلمين أو من غيرهم واتهام كل من ينتقده بأنه معاد للإسلام ويعاني من "مرض" الخوف من الإسلام أو ما بات يعرف بـ"الإسلاموفوبيا".

بل حول اليساريون الحجاب إلى رمز للحرية كما حدث في المسيرة النسائية الجماهرية في واشنطن مطلع العام الماضي حين ارتدت عشرات المشاركات الحجاب في إشارة إلى التضامن مع المحجبات، وتعبيرا ضمنيا عن رفضهم لتصريحات الرئيس دونالد ترامب عن الإسلام والمسلمين.

ولم يكتف الإسلاميون بهذا التأييد الواسع الذي يجدونه من القوى الليبرالية في الولايات المتحدة والمؤسسات والأجهزة الإعلامية التابعة لها، فأطلقوا حملة عالمية تضامنية سموها اليوم العالمي للحجاب ودعوا فيها غير المحجبات إلى ارتداء الحجاب في الأول من فبراير من كل عام "من أجل تعزيز التسامح الديني".

وفيما لقيت هذه الحملة تأييدا واسعا حول العالم، فشلت حملة معاكسة ليوم عالمي بدون حجاب فشلا ذريعا في اقناع المحجبات بنزع حجابهن ليوم واحد تضامنا مع غير المحجبات اللواتي ينظر إليهن بدونية في الكثير من المجتمعات ويتعرضن للمضايقات والاعتداءات لفظيا وجسديا.

وأسباب الفشل والإحجام معروفة طبعا، فغالبية المحجبات مكرهات على ارتداء الحجاب وتم تلقينهن منذ نعومة أظفارهن أنه فرض ديني وليس خيارا شخصيا. كما أن هناك من يرتدينه وهن كارهات له ويرغبن في نزعه لكنهن يخشين ما يمكن أن يتعرضن له جراء ذلك من الأسرة أو المجتمع.

وقد يجادل مجادل بأن النساء في الغرب وإن كن يملكن حرية ارتداء ما يشأن من ملابس إلا أنهن أيضا يخضعن لرغبات الرجال الشهوانية فالكثيرات من اللواتي يتعرين في الملاهي الليلية والأفلام والفيديوهات يضطررن إلى فعل ذلك من أجل كسب المال وتلبية لمطالب الرجال.

وبالتالي، فإن كان الرجال في الشرق قد استخدموا الدين والعادات والتقاليد من أجل التحكم في المرأة وجسدها باعتبارها "عورة" يجب سترها و"شرف" يجب صونه وتعود ملكيته للأسرة قبل الزواج وللزوج بعده.

وقد استغل الرجل الغربي أيضا مفهوم الحرية لصالحه عبر الترويج لفكرة أن للمرأة الحرية في إظهار أو إخفاء ما تريد من جسدها لكنه في نفس الوقت استغل ذلك في إقناعها بإظهار مفاتنها في غالبية أعماله السينمائية في مقابل تركيزه على إظهار القوة البدنية للرجل.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك اعتراف الممثلة الأميركية من أصل مكسيكي سلمى حايك بأن هارفي واينستاين منتج الأفلام السنمائية الشهير المتهم بالتحرش الجنسي بعدد من الفنانات الشابات قد أجبرها على تصوير مقطع تظهر فيه عارية مع فتاة أخرى.

ويجادل المدافعون عن الحجاب بأنه رمز للعفة وزي محافظ يحفظ للمرأة حقها في تغطية جسدها ويقيها من نظرات الناظرين وتحرشات المتحرشين خاصة في المجتمعات التي ترى في الملابس التي تبرز مفاتن المرأة دعوة للتحرش وهو أمر وإن كثر في المجتمعات الإسلامية المحافظة إلا أنه موجود أيضا في المجتمعات الغريبة حيث يبرر الكثير من المتحرشين أفعالهم بأن ملابس المرأة هي التي دفعتهم للتحرش بها. وهذا التبرير وإن كان سخيفا إلا أنه يتكرر باستمرار، الأمر الذي يؤكد أن المشكلة لا تكمن في ملابس المرأة وأنما في عقل الرجل.

ويواصل الكتاب والنشطاء الذين يدركون خطورة تبني الحركات اليسارية للحجاب تسليط الضوء على معاناة النساء في المجتمعات الإسلامية بسبب الحجاب الذي يرتدينه مكرهات ويتعرضن للعقاب من السلطات في حال عدم التزامهن به كما هو الحال في إيران والسعودية والسودان.

وتعليقا على صورة للفتاة الإيرانية التي نزعت حجابها أثناء التظاهرات المنددة بسياسات الحكومة الإيرانية داخليا وخارجيا قال الكاتب المصري المفكر المصري حامد عبد الصمد: "إلى كل النسويات اللواتي يدعين أن الحجاب هو رمز للتمكين، هذه امرأة إيرانية نزعت حجابها بحثا عن التمكين لها ولغيرها من النساء اللواتي يواجهن أحد أكثر الأنظمة قمعا على وجه الأرض. إن نزع الحجاب في إيران يعتبر جريمة". وختم عبد الصمد تعليقه بالقول: "لكل النساء في العالم الإسلامي وفي الغرب، تتحقق حرية المرأة عندما تطالب المرأة بحقوقها وعندما تقول لا وليس عندما تقبل وتدافع عن نظام وضعه الرجال لمصلحتهم".

هذه دعوة لمناصرة النساء المكرهات على ارتداء الحجاب اللواتي بدأن في التحرر من القيود الدينية والاجتماعية من خلال المشاركة في وسم #NoHijabDay على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يوثق معاناة هذه الشريحة المهمة التي تعاني من قمع الأنظمة الإسلاموية في الشرق وتجاهل أنصار الحقوق والحريات في الغرب.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG