بعض رموز تنسيقية الانتقال الديمقراطي
بعض رموز تنسيقية الانتقال الديمقراطي

تنتظر تنسيقية الانتقال الديمقراطي المعارضة في الجزائر ردا بعد نداء ناشدت فيه الجزائريين التحرك السلمي من أجل التغيير، في الوقت الذي ظهرت على الساحة مبادرة ثانية يقودها حزب جبهة القوى الاشتراكية، أقدم الأحزاب المعارضة في البلاد، تهدف إلى الإجماع الوطني.

وجاء النداء الذي صدر مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر بعد جملة من النقاشات داخل التنسيقية التي تضم أحزابا سياسية معارضة من الإسلاميين والعلمانيين، وشخصيات وطنية ومسؤولين سابقين، خرجت ببيان موحد أطلق عليه "بيان مازافران" في 10 حزيران/يونيو، نسبة إلى المدينة الساحلية التي صدر فيها.

ويأمل أعضاء التنسيقية أن تلقى دعوتهم استجابة شعبية للضغط على السلطة حتى تجد نفسها مضطرة لقبول التغيير، بالنظر للأوضاع الداخلية التي تعيشها البلاد، والتي تميزها حالة الغليان السياسي والنقابي، إضافة إلى الضغوط الخارجية الناجمة عن التغيرات الحاصلة في المنطقة العربية، والتهديدات الأمنية التي تحيط بالجزائر عبر حدودها الجنوبية والشرقية خصوصا.

وتهدف التنسيقية عبر دعوتها للتحرك السلمي إلى تغيير النظام في البلاد وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

وقال رئيس حزب جيل جديد، جيلالي سفيان الذي يعد أحد الأعضاء البارزين في التنسيقية، إن دعوة الجزائريين للتحرك من أجل التغيير السلمي، تأتي لإعادة الاعتبار لمشاركة المواطن الفعلية في الحياة السياسية بعد أن كان "الشعب مهمشا تماما منذ سنين".

وأوضح في تصريح لموقع قناة "الحرة"، أن الشعب في السنوات الأخيرة بقي حذرا جدا بسبب تخوفه من العودة إلى تجربة سنوات التسعينات، التي عاشت فيها الجزائر حربا أهلية أدت إلى مقتل أكثر من 200 ألف شخص، مضيفا أن خطاب السلطة التخويفي، حسب وصفه، كان له الأثر أيضا في تردد الشعب من التحرك من أجل التغيير.

نداؤنا ليس ليخرج الشعب إلى الشارع من أجل التظاهر والعنف، وإنما يتحرك من خلال تجنيد المجتمع ليلتف حول مبادرة المعارضة حتى تكون لمطالبها صبغة شعبية
جيلالي سفيان

​​

ورأى المتحدث أن التنسيقية ارتأت أن تنتقل إلى مرحلة جديدة في نضالها بالتوجه إلى الشعب ومخاطبته مباشرة لتوعيته وتبسيط خطاب المعارضة. وقال "نداؤنا ليس ليخرج الشعب إلى الشارع من أجل التظاهر والعنف، وإنما ليتحرك من خلال تجنيد المجتمع ليلتف حول مبادرة المعارضة حتى تكون لمطالبها صبغة شعبية".

استجابة مرهونة

وفي الوقت الذي تأمل فيه المعارضة أن يلتف الشعب حول مبادرتها، تشكك أحزاب السلطة في قدرة التنسيقية على تجنيد أبناء الشعب للتحرك نحو تغيير النظام، إذ تصر الأحزاب الموالية للسلطة على ما تسميه الحوار في إطار الإجماع الوطني، بهدف الإصلاح وليس التغيير، لأن النظام في نظرها لا يحتاج إلى تغيير ما دام يوفر الاستقرار للبلاد، ويعمل على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

وقال العياشي دعدوعة، القيادي في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، إن نداء التنسيقية لن يعرف أي استجابة من الشعب الجزائري، بسبب ما وصفه بالتجربة الطويلة التي عاشها في مجال الحراك الشعبي. وأوضح أن الشعب "لن يستجيب لأي طلب كان من المعارضة بهذا الخصوص لأن تجربته كانت غنية في هذا المجال".

وأضاف المتحدث لموقع قناة "الحرة"، أن التنسيقية التي دعت إلى هذا الحراك ليس لها انتشار شعبي واسع، ما يجعل تحركها "نفخة في رماد"، على حد تعبيره.

التنسيقية التي دعت إلى هذا الحراك ليس لها انتشار شعبي واسع، ما يجعل تحركها نفخة في رماد
العياشي دعدوعة

​​

بدوره، استبعد المحلل السياسي عبد العالي رزاقي، أن تلقى مطالب التنسيقية استجابة من الجزائريين لأنهم "يعيشون حالة من الخوف بسبب النماذج التي يراها في ليبيا ومصر وسورية، التي تركت لديهم انطباعا بالخوف من التغيير".

وأضاف رزاقي للموقع أن المعارضة لا تملك وسائل بإمكانها تحريك الشعب، مشيرا إلى أن "الغريب في الدعوة أن المعارضة تدعو الشعب ولا تنزل إليه لتعبئته وإقناعه بالتحرك، لذلك أرى أنه لا توجد أي مؤسسة حزبية بإمكانها تحريك الشارع في الجزائر".

وأوضح أن هذا الخوف لدى الجزائريين استثمرت فيه السلطة وزرعته لدى المواطنين بتخويفهم من مخاطر أي تغيير.

قلق في السلطة

وبالرغم من تشكيك أحزاب السلطة في قدرة التنسيقية على التحرك، إلا أن المعارضة ترى أن تحركاتها أصبحت تقلق النظام الحاكم، الذي أخذ يتحرك للتشويش على مساعي المعارضة وقطع الطريق أمام أي تحرك قد يفضي إلى المطالبة بالتغيير الجذري، حتى لو كان بصفة تدريجية، كما يقول المعارضون.

ويقول جيلالي سفيان في هذا السياق، إن تحركات التنسيقية أصبحت "تشكل حرجا للسلطة خصوصا في ظل شغور منصب رئيس الجمهورية"، في إشارة إلى مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعجزه، كما يرى المعارضون، عن أداء مهامه كما كان في السابق.

وأوضح المتحدث أن مخاوف السلطة جعلتها تتصل بالمعارضة بطرق ملتوية منها المبادرة التي أعلن عنها حزب جبهة القوى الاشتراكية المعارض "الأفافاس"، التي تهدف من خلالها إلى جلب المعارضة إلى ميدانها وتسيير المرحلة بطريقتها، حسب تعبيره.

وتهدف مبادرة حزب جبهة القوى الاشتراكية إلى تحقيق إجماع وطني من خلال ممارسة دور الوساطة بين السلطة وأحزاب المعارضة، للتوصل إلى أرضية مشتركة للإصلاح.

وتختلف هذه المبادرة عن أرضية تنسيقية الانتقال الديمقراطي في كون الأخيرة لا تحبذ إشراك السلطة في عملية التغيير، في حين يرى حزب جبهة القوى الاشتراكية ضرورة أن يكون النظام جزء من المشاورات السياسية للوصول إلى حل توافقي.

ويقول العياشي دعدوعة في هذا السياق، إن حزبه ومن ورائه أحزاب السلطة تبحث هي الأخرى عن التغيير ولكن "نحو الأحسن في مجالات مثل الاقتصاد والسياسة، أما تغيير النظام بالطريقة التي تدعو إليها المعارضة فلا".

وتعيب التنسيقية على النظام كونه أفشل أو تحايل، حسبما تقول، على كل الدعوات السابقة من أجل التغيير، بهدف كسب الوقت والاستمرار في الحكم لأطول فترة ممكنة.

غير أن أحزاب الموالاة تعتبر أن التنسيقية تريد القفز على ما تسميه بالشرعية التي جاءت بالرئيس بوتفليقة والنظام الحالي عن طريق الانتخابات.

تنسيقية المعارضة لا يمكن الطعن فيها لأنها عبرت عن مصداقيتها بمقاطعة الانتخابات الرئاسية الماضية وبقيت معارضة ولم تشارك في الحكومة التي تلت الانتخابات
عبد العالي رزاقي

​​

ويعتقد رزاقي، أن تنسيقية المعارضة لا يمكن الطعن فيها لأنها عبرت عن مصداقيتها بمقاطعة الانتخابات الرئاسية الماضية وبقيت معارضة ولم تشارك في الحكومة التي تلت الانتخابات ولا تشارك أيضا في اللقاءات التي يجريها حزب جبهة القوى الاشتراكية.

وينتظر أن تقرر التنسيقية في إحدى اجتماعاتها القادمة موقفها النهائي من مبادرة جبهة القوى الاشتراكية، وهو الموقف الذي يتجه إلى الرفض بعد أن رفض زعماء الأحزاب وكذلك الشخصيات المنضوية تحت التنسيقية، التعاطي مع المبادرة.

غير أن التحدي الأهم الذي يواجه التنسيقية في نظر المراقبين، يبقى مدى قدرتها على تعبئة الجزائريين وإقناعهم بأفكارها من أجل دفعهم للتحرك السلمي من أجل التغيير.

علمي الجزائر والمغرب
علمي الجزائر والمغرب

في تصعيد جديد للتوتر بين الجزائر والمغرب، أعلنت الجزائر طرد نائب القنصل المغربي في وهران، محمد السفياني، واعتبرته "شخصا غير مرغوب فيه"، وألزمته بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة.

وجاء القرار، وفق بيان وزارة الخارجية الجزائرية، بسبب "تصرفات مشبوهة تتنافى مع مهامه الدبلوماسية وتخرق القوانين الجزائرية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة."

هذه الخطوة، رغم أنها ليست الأولى في مسلسل التوترات بين البلدين، تثير تساؤلات حول خلفياتها ودلالاتها، خصوصا أنها تأتي بعد سنوات من قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب في أغسطس 2021.

حينها، اتهمت الجزائر المغرب بارتكاب "أعمال عدائية"، بما في ذلك التجسس والتعاون مع جهات خارجية لاستهداف أمنها القومي، وهي اتهامات نفاها المغرب بشدة.

ويثير قرار طرد القنصل المغربي أسئلة عدة حول تداعياته على مستقبل العلاقات بين البلدين، التي وصلت إلى مرحلة القطيعة الكاملة، ومدى ارتباط الخطوة الأخيرة بتطورات إقليمية، مثل الاعتراف الفرنسي والإسباني بمغربية الصحراء، أو المنافسة الدبلوماسية بين الطرفين في المحافل الدولية.

"درجة عالية من الخطورة"

وفي تعليقه على هذه التطورات توقع السفير الجزائري السابق، محمد زغلاش، أن تكون الأسباب ذات علاقة "بتصرفات شخصية"، تتنافى والشروط التي تحكم عمل مسؤول البعثة القنصلية، موضحا أن تفاصيل هذه التصرفات غالبا ما تعلن للرأي العام "عندما تكون الدولة التي ينتمي لها الديبلوماسي متورطة".

وأوضح زغلاش في حديثه لموقع "الحرة" أن بيان الخارجية الجزائرية "لم يتطرق لأي علاقات مباشرة أو غير مباشرة لتصرفات نائب القنصل مع حكومة بلده"، مضيفا أن "التصرفات المشبوهة" قد تتضمن جوانب تتعلق "بسلوك المعني وحده".

إلا أن المتحدث لم يستبعد أيضا إمكانية حدوث سلوك "مس بالأمن العام للبلاد"، مستندا في ذلك للمهملة الممنوحة لنائب القنصل لمغادرة التراب الجزائري التي "تعكس الدرجة العالية من الخطورة لتصرفاته".

ويعتقد زغلاش أن طلب الجزائر مغادرة نائب القنصل المغربي هو قرار اتخذته السلطات "بصرف النظر عن حالة القطيعة في العلاقات بين البلدين"، مذكرا بأن أي تصرفات "تخل" بالاتفاقيات الديبلوماسية والقنصلية، تسمح للبلد المضيف باتخاذ الإجراءات التي تحمي مصالحه.

"حرب استخباراتية"

وفي المقابل، يرى المحلل السياسي المغربي محمد شقير، أن قرار الجزائر بطرد نائب القنصل المغربي يندرج في إطار الحرب الاستخباراتية المستمرة بين البلدين، والتي تصاعدت بعد قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق الحدود.

ويضيف شقير في تصريح لموقع "الحرة"، أن البيان الجزائري، رغم لغته الدبلوماسية، يلمح بوضوح إلى اتهامات غير مباشرة بالتجسس، ما يعكس قناعة السلطات الجزائرية بوجود أنشطة استخباراتية مغربية تستهدفها.

ويؤكد شقير أن هذه الواقعة تأتي بعد أيام من ترحيل الرباط للناشط الجزائري ومرشح الرئاسة السابق رشيد نكاز، معتبرا أن "تزامن الحدثين قد لا يكون محض صدفة، بل ربما يعكس تصعيدا أمنيا مدروسا من قبل الجزائر، كرد فعل على التحرك المغربي".

ويستبعد شقير أن يرد المغرب رسميا على هذا الإجراء، كما فعل في أزمات سابقة، حيث تترك الرباط مثل هذه القضايا لوسائل الإعلام والجمعيات الحقوقية لمعالجتها، دون تصعيد دبلوماسي مباشر، عازيا ذلك إلى رغبة المغرب في تجنب ردود فعل متبادلة قد تؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات الثنائية.

أما عن تأثير القرار على العلاقات بين البلدين، فيؤكد شقير أن "التوتر بلغ ذروته بالفعل بقطع العلاقات وتبادل الاتهامات، ما يجعل مثل هذه الخطوات مجرد استمرار لحالة الجمود السياسي". 

وقال "إن توقيت القرار قد يكون مرتبطا بتطورات ملف الصحراء، خاصة مع اقتراب إحاطة مجلس الأمن حول القضية".