الحراك الجزائري مستمر.. والسؤال عن الثروات المنهوبة يؤرق مواطني بلد غني
الحراك الجزائري مستمر.. والسؤال عن الثروات المنهوبة يؤرق مواطني بلد غني

تنقل وسائل الإعلام أخبار الحراك في الجزائر بحذر، لكن حماستها كبيرة عند تغطية قضايا تتعلق بالفساد الاقتصادي أدخلت من طالتهم الشبهات، سجن الحراش، أو ما يصفه الجزائريون بأغلى سجن في العالم، إذ إن ثروات من حلوا به تقدر بـنحو ربع تريليون دولار.

لا تتوقف آلة الاعلام عن كشف تفاصيل ومجريات اعتقال شخصيات.. هيمنت ولعشرين سنة على المشهد الاقتصادي في الجزائر الغنية التي يقال إنها تسبح فوق أنهار من الغاز، ومثلها من الثروات الزراعية والمعدنية.

يكفي أن البلد يمتلك عاشر احتياطي للغاز الطبيعي، وهو من المصدرين الستة الكبار للنفط على مستوى العالم

 

ورغم كل هذا الثراء في الموارد، ظهرت مشاكل عديدة لا تليق بالبلاد، فأحزمة البؤس والعشوائيات في اتساع ومعدلات الفقر إلى ارتفاع شمل أكثر من ثلث الجزائريين.

هموم تبثها كل أسبوع ومنذ فبراير عام 2019 حناجر المشاركين في جمعات الاحتجاج.

الشارع الجزائري، في حراكه اليوم، تواق لمعرفة مصير ثروات البلاد، وسؤاله الحارق اليوم هو: أين اختفى تريليون دولار، وكيف تبخر هذا الرقم الفلكي في عقدين فقط؟

يرى محللون اقتصاديون أن الـ 150 مليار دولار المهدورة، كانت الثمن الذي دفع من خزائن الدولة مقابل دخول أسماء جزائرية قوائم فوربس للأثرياء ومن أجل ميلاد الأوليغارشية المالية.

التقديرات تشير إلى 200 مليار دولار ...مجهولة المصير.

وما يهم الجزائريين اليوم أكثر، هو مدى قدرة الدولة على استعادة هذه الأموال المهربة إلى ملاذات آمنة في أنحاء متفرقة من العالم في ظل الفراغ السياسي الذي يسود المشهد الجزائري حاليا.

عبد العزيز بوتفليقة
مراقبون في الجزائر يرون ان نظام بوتفليقة لا يزال قائما ومطالب إزالته مستمرة

بعد مرور سنة على تنحيه وشيوع أنباء عن وجوده خارج الجزائر، يطرح جزائريون أسئلة عن مصير عبد العزيز بوتفليقة، الرئيس الذي بقي في منصبه لمدة 20 عاما واسقطته احتجاجات حاشدة عمت مختلف أنحاء البلاد.

أولى الأنباء، وردت على صفحات مجلة "جون أفريك" الفرنسية، وأكدت أن الرجل لم يغادر الجزائر، وانه موجود في بلدة ريفية بضواحي العاصمة.

وضمن ما ذكرته من معطيات عن بوتفليقة، أنه برفقة فريق طبي وشقيقته فقط. 

آخر مشهد يذكره الجزائريون لبوتفليقة، يعود لمثل هذا اليوم من السنة الماضية، 2 أبريل 2019.  حين أطل وهو يرتدي اللباس التقليدي "الكندورة" أثناء التوقيع على استقالته، تحت ضغط الشارع. 

بعد سنة على تنحيه من السلطة، أصبح بوتفليقة يعيش وحيداً في عزلة تامة داخل منزل في البلدة النائية. 

 

استمرار امتيازاته

 

إلا إن محمد هناد، أستاذ العلوم السياسية السابق بجامعة الجزائر، قال لوكالة "فرانس برس"، إن بوتفليقة "لا يزال يتمتع بجميع الامتيازات"، التي يؤمنها له منصبه السابق، لكن لا شيء تقريباً يتسرّب عن تفاصيل حياته اليومية.

وقال الصحفي الجزائري فريد عليلات، مؤلف آخر سيرة ذاتية لبوتفليقة، في مقابلة نشرتها الشهر الماضي الأسبوعية الفرنسية "لوبوان": "إن بوتفليقة يستقبل قليلاً من الزوار. ولا يزال مُقعداً على كرسيه المتحرك، علماً بأنه غير قادر على الكلام بسبب مرضه... لكنه يدرك كل ما يجري في الجزائر".

 

النظام بوجه آخر 

 

في المقابل، يقبع في السجن شقيقه سعيد بوتفليقة، الذي كان مستشاره الأول إلى حد اعتبر "الرئيس الثاني" بعد تدهور صحة عبد العزيز.

وقد اعتقل في مايو 2019، وحكم عليه بالسجن 15 سنة في سبتمبر الماضي، بتهمة التآمر ضد الجيش وسلطة الدولة.

لكن هل تغير الشيء الكثير بالنسبة للجزائريين بعد رحيل بوتفليقة؟

بحسب المحلل السياسي حسني عبيدي، فإن الجزائريين "يشعرون بأن الممارسات السيئة مستمرة"، وأن "النظام الذي صنع بوتفليقة ما زال قائماً". 

وحذر من أن "الذين يحنّون إلى الماضي، جاهزون للتملّق لرئيس آخر سيعيد إنتاج طريقة العمل نفسها في ظل نظام غير ديمقراطي".

أما الحراك، فقد أوقف مسيراته الأسبوعية بسبب جائحة "كوفيد-19"، لكن النشطاء لم يتوقفوا عن المطالبة بتغيير كامل للنظام الحاكم منذ استقلال الجزائر عام 1962.

 

محاسبة رمزية 

 

لكن رغم وضعه الصحي الصعب، فإن بعض المثقفين والأكاديميين لا يتوقفون عن المطالبة بتطبيق العدالة ومحاكمة رئيسهم السابق، مقابل الفساد الذي نهش الجزائر خلال 20 سنة تحت حكمه، والتي وضع الحراك الشعبي حدّاً لها في فبراير 2019.
 
وفي هذا السياق، اعتبر هناد، المحلل السياسي القريب من الحراك، أن الجزائريين "لن يتمكنوا أبداً" من قلب صفحة عهد بوتفليقة إلى أن تتم محاكمته.

ومنذ استقالته، فتح القضاء الجزائري عدداً كبيراً من التحقيقات في قضايا فساد، ودان وسجن سياسيين سابقين ورجال أعمال مؤثرين، اتهموا باستغلال روابطهم المميزة ببوتفليقة وعائلته. 

ومن هذا المنطلق، طالب الباحث في علم الاجتماع ناصر جابي بمثول رئيس الدولة السابق أمام المحكمة "حتى لو بشكل رمزي"، لأن المحاكمات الأخيرة كشفت أنه كان "عرّاب الفساد".

ويضيف جابي في معرض حديثه لوكالة "فرانس برس": "لن يتمكن (بوتفليقة) من الفرار من العقاب. هذا مطلب الجزائريين الذين اكتشفوا برعب حجم الضرر، الذي سببه الرجل ومحيطه العائلي".

ومحاكمته، دعا لها أيضا الدبلوماسي السابق عبد العزيز رحابي، الوزير لفترة قصيرة في حكومة بوتفليقة الأولى عام 1999، قبل أن يصبح معارضاً شرساً لنظامه.

وقال في مقابلة مع قناة تلفزيونية، إن الرئيس السابق "يتحمل مسؤولية الفساد. لقد قام بتغطيته. ومحاكمته ستكون رمزية"، إذ إنه لن يُسجن على الأرجح بسبب حالته الصحية.