قبل أكثر من 63 عاما، "انتحر" المحامي والزعيم الوطني الجزائري علي بومنجل.. "انتحر" وفق رواية السلطات في فرنسا التي كانت وقتها تستعمر الجزائر، إلا أن عائلته تؤكد أنه تعرض للاغتيال وتتهم باريس بالكذب، وتطالب، اليوم، مدعومة بناشطين فرنسيين، بإعادة الاعتبار له والكشف عن الحقيقة.
ودعا المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا إلى إعادة الاعتبار له، وفق ما نقلت وكالة فرانس عما تضمنه تقرير حول الاستعمار وحرب الجزائر (1954-1962).
أما ابنة شقيق الزعيم الجزائري، فضيلة بومنجل شيتور، وهي أستاذة في الطب وناشطة في مجال حقوق الإنسان، فتروي بعاطفة كبيرة ذكرى عمّها الذي "رسم" موته فترة مسار مراهقتها.
وندّدت فضيلة، التي تعدت السبعين من العمر، بـ "كذب دولة (فرنسا) الهدّام" وهي تروي قصة اغتياله بكثير من الغضب، فقد تُوفّيت أرملته وأحد أبنائه ووالديه وإخوته دون الكشف عن الحقيقة رسميًا.
وكان علي بومنجل ناشطا سياسيا ومحاميا مشهورا عضوا في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي أسسه عام 1946 فرحات عباس (أول رئيس للحكومة الموقتة للجمهورية الجزائرية)، وبذلك أصبح مدافعًا عن المناضلين الجزائريين متّبعا خطى شقيقه الأكبر، أحمد، المحامي هو أيضا.
صعقة كهربائية
وقالت فضيلة بومنجل، في شهادتها، إنه "كان عالماً ومفكراً يحب قراءة قصائد فيرجيل (شاعر من العهد الروماني) أو الحديث عن الرسم ويرقص الفالس".
"لقد كان متفوقا في الرياضيات، ودرس الحقوق لأنه الاختيار الوحيد، كما كان يحب أن يقول، لأنه في ذلك الوقت لا يمكن +للجزائريين+ دخول المدارس العليا"، كما روت.
وأضافت "كان منفتحًا على الثقافة العالمية. وفي الوقت نفسه قليل الكلام يُبطن ما يفكر فيه".
وكانت السلطات الفرنسية في الجزائر اعتقلت بومنجل خلال "معركة الجزائر" العاصمة بين يناير وأكتوبر 1957، بعد تدخل القوات الخاصة للجيش الاستعماري لوقف هجمات جبهة التحرير الوطني.
وروت فضيلة بومنجل قائلة "عندما علمنا باعتقاله في 9 فبراير 1957، كان والدي آنذاك محامياً في باريس. أتذكر كيف أن مجرد إعلان اعتقاله شكل صدمة كالصعقة الكهربائية لوالدي".
"كان يدرك أنه بالنظر إلى القمع المروع في ذلك الوقت، فإن الخطر يُحدق بأخيه الأصغر. لم يتوقف عن تنبيه السلطات المدنية والدينية في فرنسا عن طريق إرسال برقيات تندد باعتقاله التعسفي وغياب المعلومات". وكتب حتى للرئيس الفرنسي حينذاك، روني كوتي.
وفي نهاية فبراير، عرفت العائلة أنه نُقل إلى مستشفى مايو العسكري (في باب الواد بالجزائر العاصمة)، وعن هذه اللحظة تقول فضيلة: "علم والدي أنه حاول الانتحار بزجاج نظارته. كان ذلك مروعا".
وتتابع "ما زلت أتذكر إلى اليوم، تاريخ الأحد 23 مارس، عندما سمعت صوت جدي. صوت فارغ، صوت متغيّر عن ذلك الذي ألفته. هو الذي كان حنونًا جدًا قال لي ببساطة: من فضلك هاتفي والدك ودعيني أحدثه. أتذكر رد فعل والدي الذي صدم بالخبر إذ كان الأكبر سناً وشعر بالمسؤولية".
وتم استدعاء طبيبين من الأسرة للتعرّف على الجثة "وتأسف جدّاي لأنهما لم يتمكنا من توديعه إذ تم تشميع نعشه". وما أزعج الأسرة هو أنه حتى اعتراف الجنرال بول أوساريس، تمت تغطية موت علي بومنجل على أنه انتحار.
وتقول فضيلة: "لقد أوهمونا بأنه ألقى بنفسه من مبنى في حي الأبيار، آمل أن يكون قد مات بالفعل قبل السقوط. كان عمره 38 سنة".
وتلقت العائلة العديد من رسائل التعزية بما في ذلك رسائل من بيار مندس فرانس (زعيم الحزب الاشتراكي في حينه)، وفرانسوا مورياك (الكاتب الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام 1952) "اللذين اعتذرا في اليوم الموالي مباشرة باسم فرنسا".
أما صديق وأستاذ علي بومنجل في كلية الحقوق، الرجل السياسي روني كابيتان، فقدّم استقالته من الكلية.
"أعتقد أن المسؤولين السياسيين الفرنسيين لم يستوعبوا مدى الدمار الذي أصاب عائلات بأكملها بسبب أكاذيب الدولة"، كما قالت ابنة أخ المناضل المُغتال.
وأضافت أنّ "إعادة الاعتبار له هو مقاربة للحقيقة. هذا جيد بشرط أن يعترفوا أنه تعرض للتعذيب الوحشي لأسابيع، وأن اغتياله تم تصويره على انه انتحار".
وختمت متسائلة "لماذا تمييزه؟ نحتاج لمعرفة الحقيقة للجميع. مشهورون أو مجهولون. لماذا لا نحتفل بالشهيد المجهول؟".
