أرملة بومنجل تستذكر زوجها في صورة تعود لعام 2001.. مليكة بومنجل توفيت عام 2010.
أرملة بومنجل تستذكر زوجها في صورة تعود لعام 2001.. مليكة بومنجل توفيت عام 2010.

قبل أكثر من 63 عاما، "انتحر" المحامي والزعيم الوطني الجزائري علي بومنجل.. "انتحر" وفق رواية السلطات في فرنسا التي كانت وقتها تستعمر الجزائر، إلا أن عائلته تؤكد أنه تعرض للاغتيال وتتهم باريس بالكذب، وتطالب، اليوم، مدعومة بناشطين فرنسيين، بإعادة الاعتبار له والكشف عن الحقيقة.

ودعا المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا إلى إعادة الاعتبار له، وفق ما نقلت وكالة فرانس عما تضمنه تقرير حول الاستعمار وحرب الجزائر (1954-1962).

أما ابنة شقيق الزعيم الجزائري، فضيلة بومنجل شيتور، وهي أستاذة في الطب وناشطة في مجال حقوق الإنسان، فتروي بعاطفة كبيرة ذكرى عمّها الذي "رسم" موته فترة مسار مراهقتها.

وندّدت فضيلة، التي تعدت السبعين من العمر، بـ "كذب دولة (فرنسا) الهدّام" وهي تروي قصة اغتياله بكثير من الغضب، فقد تُوفّيت أرملته وأحد أبنائه ووالديه وإخوته دون الكشف عن الحقيقة رسميًا. 

وكان علي بومنجل ناشطا سياسيا ومحاميا مشهورا عضوا في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي أسسه عام 1946 فرحات عباس (أول رئيس للحكومة الموقتة للجمهورية الجزائرية)، وبذلك أصبح مدافعًا عن المناضلين الجزائريين متّبعا خطى شقيقه الأكبر، أحمد، المحامي هو أيضا.

صعقة كهربائية

وقالت فضيلة بومنجل، في شهادتها، إنه "كان عالماً ومفكراً يحب قراءة قصائد فيرجيل (شاعر من العهد الروماني) أو الحديث عن الرسم ويرقص الفالس". 

"لقد كان متفوقا في الرياضيات، ودرس الحقوق لأنه الاختيار الوحيد، كما كان يحب أن يقول، لأنه في ذلك الوقت لا يمكن +للجزائريين+ دخول المدارس العليا"، كما روت.

وأضافت "كان منفتحًا على الثقافة العالمية. وفي الوقت نفسه قليل الكلام يُبطن ما يفكر فيه".

وكانت السلطات الفرنسية في الجزائر اعتقلت بومنجل خلال "معركة الجزائر" العاصمة بين يناير وأكتوبر 1957، بعد تدخل القوات الخاصة للجيش الاستعماري لوقف هجمات جبهة التحرير الوطني. 

وروت فضيلة بومنجل قائلة "عندما علمنا باعتقاله في 9 فبراير 1957، كان والدي آنذاك محامياً في باريس. أتذكر كيف أن مجرد إعلان اعتقاله شكل صدمة كالصعقة الكهربائية لوالدي".

"كان يدرك أنه بالنظر إلى القمع المروع في ذلك الوقت، فإن الخطر يُحدق بأخيه الأصغر. لم يتوقف عن تنبيه السلطات المدنية والدينية في فرنسا عن طريق إرسال برقيات تندد باعتقاله التعسفي وغياب المعلومات". وكتب حتى للرئيس الفرنسي حينذاك، روني كوتي.

وفي نهاية فبراير، عرفت العائلة أنه نُقل إلى مستشفى مايو العسكري (في باب الواد بالجزائر العاصمة)، وعن هذه اللحظة تقول فضيلة: "علم والدي أنه حاول الانتحار بزجاج نظارته. كان ذلك مروعا".

وتتابع "ما زلت أتذكر إلى اليوم، تاريخ الأحد 23 مارس، عندما سمعت صوت جدي. صوت فارغ، صوت متغيّر عن ذلك الذي ألفته. هو الذي كان حنونًا جدًا قال لي ببساطة: من فضلك هاتفي والدك ودعيني أحدثه. أتذكر رد فعل والدي الذي صدم بالخبر إذ كان الأكبر سناً وشعر بالمسؤولية".

وتم استدعاء طبيبين من الأسرة للتعرّف على الجثة "وتأسف جدّاي لأنهما لم يتمكنا من توديعه إذ تم تشميع نعشه". وما أزعج الأسرة هو أنه حتى اعتراف الجنرال بول أوساريس، تمت تغطية موت علي بومنجل على أنه انتحار. 

وتقول فضيلة: "لقد أوهمونا بأنه ألقى بنفسه من مبنى في حي الأبيار، آمل أن يكون قد مات بالفعل قبل السقوط. كان عمره 38 سنة".

وتلقت العائلة العديد من رسائل التعزية بما في ذلك رسائل من بيار مندس فرانس (زعيم الحزب الاشتراكي في حينه)، وفرانسوا مورياك (الكاتب الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام 1952) "اللذين اعتذرا في اليوم الموالي مباشرة باسم فرنسا". 

أما صديق وأستاذ علي بومنجل في كلية الحقوق، الرجل السياسي روني كابيتان، فقدّم استقالته من الكلية.

"أعتقد أن المسؤولين السياسيين الفرنسيين لم يستوعبوا مدى الدمار الذي أصاب عائلات بأكملها بسبب أكاذيب الدولة"، كما قالت ابنة أخ المناضل المُغتال.

وأضافت أنّ "إعادة الاعتبار له هو مقاربة للحقيقة. هذا جيد بشرط أن يعترفوا أنه تعرض للتعذيب الوحشي لأسابيع، وأن اغتياله تم تصويره على انه انتحار".

وختمت متسائلة "لماذا تمييزه؟ نحتاج لمعرفة الحقيقة للجميع. مشهورون أو مجهولون. لماذا لا نحتفل بالشهيد المجهول؟".

قوات من بعثة المينورسو في الصحراء الغربية - فرانس برس
قوات من بعثة المينورسو في الصحراء الغربية - فرانس برس

يثير النزاع بشأن الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو توترا سياسيا وعسكريا في المنطقة المغاربية، رغم المساعي الأممية للتوصل إلى حل سلمي.

وفي هذا الصدد شرع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، هذا الأسبوع، في جولة جديدة بالمنطقة، وذلك عشية المشاورات غير الرسمية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المرتقبة منتصف شهر أبريل من السنة الجارية.

واستهل المبعوث الأممي زيارته للمنطقة بلقاء مع وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة في الرباط، واستعرض الوفد المغربي خلال اللقاء "الديناميكية الدولية الداعمة لمغربية الصحراء وللمبادرة المغربية للحكم الذاتي"، وفق بيان للخارجية المغربية.

وأشار البيان إلى أن الوفد المغربي "جدد التأكيد على دعم المملكة لجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي واقعي، وبراغماتي ومستدام على الأساس الحصري للمبادرة المغربية للحكم الذاتي".

وكانت الأمم المتحدة عينت ستافان دي ميستورا، مبعوثا خاص للصحراء الغربية في أكتوبر 2021.

وتسيطر الرباط على ما يقرب من 80% من هذه المنطقة وتقترح منحها حكماً ذاتياً تحت سيادتها، فيما تدعو جبهة البوليساريو إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير برعاية الأمم المتحدة نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991.

وشهد النزاع حول الصحراء الغربية تطورات إقليمية في السنوات القليلة الماضية، آخرها الاعتراف الفرنسي بالطرح المغربي في إطار "مبادرة الحكم الذاتي" في نهاية يوليو 2024، وذلك على خطى إسبانيا التي اعترفت بـنفس الطرح سنة 2022، كما سبق للولايات المتحدة الاعتراف رسميا، خلال العهدة السابقة للرئيس ترامب، بـ"مغربية الصحراء".

"إنهاء" مسار التسوية الأممية

وفي تعليقه على الجولة الأممية الجديدة، يرى عضو المجلس المغربي للشؤون الخارجية، أحمد نور، أن دي ميستورا أثبت "فشلة في ملف الصحراء، كما أثبت فشله في سوريا"، مشيرا إلى وقائع عدة، أبرزها طلبه من المغرب توضيحات حول مقترح الحكم الذاتي، واعتبر المتحدث أن هذا الطلب "إهانة" لمجلس الأمن الذي ظل يعتبر المقترح "جاد وواقعي ويحظى بالمصداقية".

كما انتقد أنور في حديثه لـ "الحرة" عودة دي ميستورا إلى مقترح "تقسيم الصحراء الذي رفضه المغرب بعدما قدمه الرئيس الجزائري الأسبق، عبد العزيز بوتفليقة للمبعوث الأممي جيمس بيكر سنة 2002".

وأشار المتحدث إلى أنه على دي ميستورا الاعتراف في تقريره بأن مسار التسوية الأممية في الصحراء الغربية قد "انهار"، عقب إعلان جبهة البوليساريو في ديسمبر 2020 تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991 والعودة إلى حمل السلاح، مما يعني، وفق المصدر، أن التسوية الأممية "ميتة وملغاة".

وعليه فإن ما يتطلع إليه المغرب، حسب تصريح أحمد نور، هو "إنهاء مسار التسوية الأممية"، متوقعا استقالة دي ميستورا مباشرة بعد اجتماع مجلس الأمن، و"إنهاء مهمة البعثة الأممية (المينورسو)، وعودة اللاجئين من مخيمات تيندوف".

خطوات "أكثر جرأة"

لكن بالنسبة للجزائر فإنها تتطلع، حسب الخبير في القانون الدولي والدستوري، موسى بودهان إلى أن"تدعم جولة دي ميستورا مساعي الأمم المتحدة الرامية لإيجاد مخرج للنزاع المستمر منذ نصف قرن بالمنطقة، بما يحفظ للشعب الصحراوى حقوقه".

وأضاف بودهان لـ"الحرة" أن الجزائر تتطلع إلى خطوات أممية "أكثر جرأة، لتسريع وتيرة الحل الأممي، وضمان الحقوق الفردية والجماعية لأبناء الشعب الصحراوي بواسطة رقابة أممية على حقوق الانسان".

كما أفاد المتحدث أن المطلوب من المبعوث الأممي الأخذ بعين الاعتبار "قرارات المحاكم الأوروبية التي منعت الاستغلال غير القانوني لثروات الصحراء الغربية وشعبها من طرف المغرب وبعض شركائه الأوروبيين الذين يسعون إلى الاستثمار في قطاعات المعادن والصيد البحري".

وبرأي الخبير الجزائري، فإن دي ميستورا تنتظره "مهام كثيرة" في سياق تجسيد متطلبات السيادة الدولية، على حد تعبيره.