قوارب الموت
قبل أسبوع وصل نحو 1400 مهاجر غير شرعي لسواحل إيطاليا

أصبحت الجزائر منذ سنوات مقصدا للباحثين عن الهجرة غير الشرعية، من مختلف الدول الأفريقية، نظرا لشريطها الساحلي الطويل المطل على البحر الأبيض المتوسط قبالة أوروبا، حيث جذب هذا الأمر عصابات حولت الأمر لتجارة يديرها أثرياء وتدعمها رؤوس أموال.

موقع "مهاجر نيوز" المختص في تعقب قوارب المهاجرين غير الشرعيين، يكشف دوريا عن وصول آلاف المهاجرين للضفة الأوروبية، وأغلبهم ينطلقون من سواحل الجزائر والمغرب وتونس.

ويرصد الموقع أعداد من "يسعفهم الحظ" في الوصول إلى سواحل أوروبا، كما يتابع القوارب التي يُعلن عن فقدانها.

وقبل نحو أسبوع أعلن الموقع نقلا عن وكالة الأنباء الإيطالية عن وصول أكثر من 500 مهاجر سري من الجزائر فقط، من بين نحو ألف وأربعمئة مهاجر وصلوا السواحل الإيطالية.

وعلى متن "قوارب الموت" كما يسميها الإعلام الجزائري المحلي، يركب شبان يافعون الموج بحثا عن حياة أفضل، منهم من يصل إلى إسبانيا أو إيطاليا أو حتى جمهورية مالطا كمحطة أولى، بينما "يغرق أغلبهم" وفق تقدير متابعين، وهو ما دفع السلطة التشريعية الجزائرية إلى سن قانون يجرم الهجرة غير الشرعية، وكل من يساعد عليها أو يشجعها على المنصات الاجتماعية.

ترسانة قانونية "غير مجدية"

وفي عام 2009 ، أصدرت الجزائر أحكاما جزائية ضد الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر. 

وبموجب القانون المؤرخ في 25 فبراير 2009 بشأن الجرائم المرتكبة ضد القوانين واللوائح المتعلقة بمغادرة التراب الوطني (المادة 175 مكرر 01 من قانون العقوبات)، يواجه كل من يعترضه خفر السواحل حكما بالسجن من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة تتراوح بين 20 ألف  إلى 60 ألف دج (بين 1500 و3500 دولار) أو إحدى هاتين العقوبتين فقط.

هذا القانون لم يكبح  الهجرة السرية، وفق الباحث الجزائري في علم الاجتماع، نجاح مبارك، لأن الأسباب التي تدفع شباب الجزائر والدول المجاورة على ذلك "لا تزال قائمة".

ومن ضمن الأسباب الأخرى، وفق مبارك، استمرار ما يسميه بـ "خلايا الدعم" للهجرة السرية. ويستفيد المرشحون للهجرة غير الشرعية من منظومة دعم شائكة، وفق مبارك، الذي كشف في حديث لموقع "الحرة" أن العملية ليست مجرد اتفاق بين طرفين، بل "تبدأ من الإعلام ثم التوجيه وتوفير وسيلة النقل".

"الحرقة"

كلمة "حراق" تعني أن المسافر لا يأبه بقوانين الهجرة ويخرق كل ما يتعلق بنظم السفر المتعارف عليها.

ووراء هذا المصطلح، منظومة تفكير تجذرت في ذهنية الشباب الجزائري، بسبب تراكم التجارب الاجتماعية السلبية، وفق نجاح مبارك.

وأثبتت الأمثلة المتتالية، على أن الشبان بالجزائر، وأقرانهم من الدول الأفريقية "واعون بالمخاطر المحدقة بالسفر غير الشرعي"، إلا أنهم يصرّون على أنها "رحلة الفرصة الأخيرة" وفق نسيم مهدي، شاب جزائري يقيم الآن في مدينة ليل الفرنسية، غادر الجزائر بطريقة غير شرعية.

وفي اتصال مع موقع "الحرة" كشف نسيم أنه مدين بـ "نجاحه" في الالتحاق بأوروبا لكل من ساعده على "الهروب من جحيم الجزائر" وفق تعبيره.

أصدر المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر سنة 2018 فتوى جديدة تحرم الهجرة غير الشرعية

نسيم قال إنه لم يتسن له معرفة أصحاب القارب الذي نقله إلى أوروبا ولا الجهة التي تسلمت المبلغ المالي الذي دفعه لأجل ذلك، لكنه متيقن أن الأمر يتعلق بشخصيات لها نفوذ في منطق أرزيو، غربي الجزائر، حيث انطلق بزورق سنة 2018.

لكن تحقيقا أجرته صحيفة الشروق الجزائرية، كشف أن وراء عمليات الهجرة السرية "شخصيات بارزة وأصحاب رؤوس أموال".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني قوله إنه بعد التحري، وضعت مصالح الأمن يدها "على 27 شخصا بين الفترة الممتدة بين 1 إبريل والخامس مايو الجاري، ينشطون في 4 عصابات منظمة" تتولى تسهيل عمليات الحرقة على مستوى 3 مدن ساحلية بغرب البلاد.

وانتهت التحقيقات بحسب المصدر، بإحالة 13 شخصا على محكمة الجنايات لتسبب بعضهم في فقدان مرشحين للهجرة في عرض البحر، وتورط البعض في وفاة قاصر يبلغ من العمر 16 عاما ينحدر من ولاية الشلف (غرب) كان على متن قارب صيد.

مهدي مكيداش، شاب آخر من الشرق الجزائري، كشف في حديث لموقع "الحرة" أنه حاول الهجرة ثلاثة مرات ولم "ينجح".

وقال مهدي الذي تخرج من جامعة بومرداس (شرق العاصمة) إنه مستعد لمعاودة الكرّة إذا أتيحت له الفرصة، وأوضح أنه على علم بالحركة الدؤوبة للأمن في الساحل الغربي "هذه الأيام" وأنه "لن يخاطر بالمحاولة في هذه الظروف".

مهدي كشف كذلك أن القائمين على الهجرة غير الشرعية يتعاملون مع المرشحين "للحرقة" بطريقة عمل "المافيا" معترفا أنه تعامل مع أطراف مختلفة خلال محاولاته، دون أن يعرفها.

"هناك دائما وسيط يجمع الأموال، ويقدمها لصاحب القارب، في أغلب الحالات لا يمكنك الاتصال به مباشرة" يؤكد مهدي أنه من "الطبيعي أن لا يظهر لأن القانون سوف يحاسبه" ثم استدرك "هل هو شخصية نافذة؟ لا أعرف، كل ما أعرفه هو أنه شخص يمكن أن يوفر لنا وسيلة نقل تساعدنا على اللحاق بأوروبا".

"القوارب الشبح"

من خلال حديثنا مع مهدي، تبين أن الزوارق التي يستخدمها "الحراقة" تصنع محليا، لأن القانون الجزائري يؤطر شراء القوارب، ما يسمح يتقفي أثر صاحب القارب في حالة ما إذا تم رصده في عرض البحر، وبالتالي يلجأ المهربون لصناعة قوارب محلية (حرفية) تفتقر لأدنى شروط السلامة.

وتزود تلك القوارب بمحركات خارقة علّها تدفع بها بين أمواج البحر العاتية مسافات طويلة وخلال أحوال طقس متقلبة في أغلب الأحيان.

وعزت صحيفة الشروق الجزائرية التي أجرت تحقيقا في الموضوع ارتفاع عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى ظهور "القوارب النفاثة" التي تضمن رحلات سريعة تقل عن 4 ساعات، إلى ألميريا ومورسيا وطريفة الإسبانية.

وللاستفسار عن ظروف امتلاك تلك العصابات لهذه الترسانة من القوارب النفاثة أو "الفونتوم"  (الشبح) كما يسميها الحراقة، حاول موقع "الحرة" الاتصال بمديرية الأمن الجزائرية عبر البريد الإلكتروني، لكن لم نتلق أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير.

ويقول نجاح مبارك، الباحث في علم الاجتماع، والذي أجرى دراسة ميدانية حول ملف الهجرة غير الشرعية من سواحل الغرب الجزائري، واحتك بشبان حاولوا "الحرقة" إنه "لا شك في ضلوع أشخاص نافذين في عمليات الهجرة غير السرية" وهو ما تكشفه دوريا تحقيقات الشرطة والدرك، وفق تعبيره.

نجاح مبارك أكد أن البحث الذي أجراه سنة 2018، وضعه في اتصال مع شباب أكدوا له أنهم دفعوا أموالا باهظة للظفر بمكان في تلك القوارب.

وبحسب مبارك فإن تكلفة الرحلة يتراوح بين 200 ألف و700 ألف دينار جزائري  (1500 و4000 دولار) بالنسبة للقوارب "الفارهة" والتي ترتفع معها حظوظ الوصول إلى الطرف الآخر من الأبيض المتوسط، وهي مبالغ "لا يفوتها بارونات المال غير الشرعي" وفقه، وهو دليل آخر حسب رأيه على ضلوع "رؤوس كبيرة" في هذه التجارة المربحة على حساب أرواح الشباب.

مبارك ذكر في السياق بأن رواية أليمة أثرت فيه روتها أم اشتكت له فقدان فلدة كبدها بعد أن ساعدته على "الانتحار" من دون أن تعلم في إشارة إلى الهجرة غير الشرعية.

السيدة قالت إنها باعت مجوهراتها كلها، وقدمتها لابنها على أساس أنها تساعده على فتح تجارة في أحد أسواق وهران، لتتفاجأ بوجود اسمه على قائمة المفقودين ثم الضحايا في إحدى رحلات الهجرة غير السرية.

مبارك قال إنها اليوم تسعى لمعرفة من وفّر لابنها القارب الذي أغرقه حتى تحاكمه أمام القضاء، لكنها لم تحصل على ما يكفي من معلومات لاتهام أي جهة.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مع نظيره المغرب عزيز أخنوش
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مع نظيره المغربي عزيز أخنوش

بعد أشهر من الانفراج الدبلوماسي الحذر، قد تتجه الجزائر إلى تجميد علاقتها مع إسبانيا من جديد بعد زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى المغرب، التي وصفت على أنها "صبت الزيت على النار"، وفق تقرير من صحيفة إسبانية.

وقالت صحيفة "الإندبندنتي"  إن سانشيز زار الرباط وجدد دعمه لمقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية، وهو نفس الموقف الذي أغضب الجزائر قبل عامين وسحبت على إثره سفيرها في مدريد، وفرضت عقوبات اقتصادية على إسبانيا بعده.

ونقلت الصحيفة عن مصادر جزائرية أن سانشيز بتصريحاته من جديد في الرباط لم يستجب لمبادرات التقارب التي قامت بها الجزائر، لذلك "لن تكون هناك تنازلات أو خطوات إضافية. لن يكون هناك المزيد من الهدايا".

وكانت الجزائر قد استدعت سفيرها في مدريد في مارس 2022 احتجاجا على تغير موقف إسبانيا لصالح خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، وهي مستعمرة إسبانية سابقة متنازع عليها بين الرباط وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر والتي تطالب باستفتاء على حق تقرير المصير.

وهذا التحول الذي وضع حدا لموقف مدريد التاريخي بالحياد بشأن هذه القضية، قرره سانشيز في إطار التقارب الدبلوماسي مع الرباط.

وأثار هذا التبدل غضب الجزائر الداعمة لجبهة البوليساريو والتي قررت ردا على ذلك تعليق معاهدة الصداقة المبرمة عام 2002 مع مدريد والحد من المعاملات التجارية مع إسبانيا من خلال تجميد العمليات المصرفية.

لكن وفي الأشهر الأخيرة، بدأت الجزائر الانفتاح من جديد على إسبانيا، بسبب ما اعتقدته تغيرا في الموقف الإسباني بعد خطاب لسانشيز في الأمم المتحدة في اجتماعها السنوي الأخير دعا فيه إلى "حل سياسي مقبول بشكل متبادل في إطار ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن" لقضية الصحراء الغربية.

وعينت الجزائر سفيرا جديدا لدى إسبانيا في نوفمبر الماضي، كما رفعت الإجراءات الاقتصادية وسمحت باستيراد الدواجن من إسبانيا.

وتنقل الصحيفة أن ذلك سرعان ما تغير بعد زيارة سانشيز للمغرب الأسبوع الماضي وتأكيده مرة أخرى على دعم إسبانيا للمقترح المغربي، وقال في مؤتمر صحفي "إن ذلك ما تضمنته خارطة الطريق بين البلدين في 2022".

وقالت الصحيفة إن ذلك أغضب الجزائريين، ونقلت عن مصدر وصفته بالمقرب جدا من السلطة الجزائرية إن "العلاقات بين الجزائر وإسبانيا دخلت مرحلة السلام البارد، لأن الجزائريين يشعرون بالخيانة للمرة الثانية".

وتابع مصدر الصحيفة "أن الشعور السائد بين الزعماء السياسيين الجزائريين هو أن حكومة سانشيز قد خدعتهم وأن ما بدا وكأنه عودة إسبانية إلى الحياد التقليدي بشأن الصحراء الغربية عاد إلى تأييد الموقف المغربي".

وقبل زيارة سانشيز إلى المغرب، كان وزير خارجيته، خوسيه مانويل ألباريس، قد أغضب الجزائريين بعد أن رفض الحديث عن قضية الصحراء والاقتصار على القضايا التجارية في زيارته التي كانت مقررة إلى الجزائر، لكن الأخيرة ألغت زيارته في آخر لحظة بسبب ذلك.

وحاول موقع "الحرة" الحصول على تعليق من سفارة الجزائر بواشنطن بشأن تقرير الصحيفة دون أن يتأتى له ذلك حتى وقت نشر هذا التقرير.

وتشهد العلاقات المغربية الإسبانية في الفترة الحالية انتعاشا، بعد توتر دبلوماسي سابق، وذلك بعد أن أعلنت إسبانيا، في عام 2022، أن المبادرة المغربية حول الحكم الذاتي في الصحراء الغربية هي "الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف" هناك.