رغم أن آخر انتخابات أجريت في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة حققت نسبة مشاركة بلغت 37.09 في المئة، لا يتوقع الجزائريون أن تحقق أول انتخابات بعد تنحيه نسبة إقبال كبيرة مقارنة بعام 2017.
ويحق لنحو 24 مليون ناخب اختيار 407 نواب جدد في مجلس الشعب الوطني (مجلس النواب في البرلمان) الذي سينتخب لمدة خمس أعوام.
وقد رفض الحراك -المطالب بتغيير النظام ودولة القانون والانتقال الديمقراطي والقضاء المستقل- هذه الانتخابات التشريعية فيما دعت المعارضة العلمانية واليسارية، التي تراجعت شعبيتها، إلى المقاطعة أو ترك الحرية لأفرادها بالاقتراع من عدمه.
ويقول سليمان أعراج، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن الحراك الذي انطلق بالتزامن مع انطلاق حركة الاحتجاجات الشعبية السلمية غير المسبوقة في 22 فبراير 2019 رفضا لترشح بوتفليقة لولاية خامسة يختلف عن الحراك الذي يقود المسيرات كل جمعة مؤخرا.
وأضاف أعراج لمواقع "الحرة"، قائلا: "الحراك كان قوة تغيير حقيقية وشهدناها بعنفوانها وقوتها وبحضورها في مختلف شوارع الجزائر ودون انقطاع، لكن المسيرات التي تخرج مؤخرا توقفت بمجرد إصدار وزارة الداخلية مذكرة".
وتقول الحكومة إنها استجابت للمطالب الرئيسة لـ"الحراك الأصيل" في "وقت قياسي"، ولم تعد هناك أي شرعية لناشطي الحراك السلمي، متهمة إياهم بأنهم في خدمة "أطراف أجنبية" معادية للجزائر.
وقد شهد الاستحقاقان الانتخابيان السابقان نسبة امتناع غير مسبوقة عن التصويت؛ فبلغت نسبة الإقبال الرسمية في الاقتراع الرئاسي عام 2019 (40) في المئة فحسب، بينما لم يشارك سوى ربع الناخبين في استفتاء الدستور عام 2020.
ويعتقد معظم المراقبين إن نسبة الاقبال على التصويت أهم بكثير من نتيجة الانتخابات الفعلية وعدد المقاعد التي سيحصل عليها المتنافسون.
لكن الرئيس عبد المجيد تبون رأى في تصريح لصحافيين بعد قيامه بالاقتراع في مركز بسطاوالي في الضاحية الغربية للعاصمة الجزائرية، أن هذه النسبة "لا تهم".
وقال: "سبق أن قلت إنه بالنسبة لي فإن نسبة المشاركة لا تهم، ما يهمني أن من يصوت عليهم الشعب لديهم الشرعية الكافية لأخذ زمام السلطة التشريعية".
وأضاف "رغم ذلك، أنا متفائل من خلال ما شاهدته في التلفزيون الوطني أن هناك إقبالا خصوصا لدى الشباب والنساء. أنا متفائل خيرا".
وفي هذا السياق يعتقد أعراج أن أفضل مؤشر قياس على "مضي الشعب نحو الانتخابات" هو عدد القوائم المستقلة وعدد المرشحين للانتخابات، قائلا: "أعتقد أنه عدد المنتخبين كبير جدا، وعدد القوائم المستقلة التي فاقت عدد الأحزاب السياسية مؤشر ثان على أن الشعب أقبل على هذه الانتخابات بروح التغيير والأمل".
وعلى الناخبين الاختيار من بين ما يقرب من 1500 قائمة -أكثر من نصفها "مستقلة"- أي أكثر من 13 ألف مرشح.
ويرجع أعراج نسبة المشاركة إلى "مدى شعبية المرشحين وبراجماتية الناخب"، قائلا إن نسبة الإقبال على الانتخابات -حتى في الدول الأوروبية والغربية- أصبحت تتراجع لعدة أسباب على رأسها براجماتية الناخب، مما يعني أن نسبة المشاركة أصبحت ظاهرة عالمية، على حد قوله.
"برلمان بلا شرعية"
وفي المقابل، يعتقد الناشط في الحراك، حمزة بركاني، أن يشارك ربع الناخبين (25 في المئة) في الانتخابات التشريعية، بحسب "توقع جميع النقاد والمتابعين والمراقبين للشأن السياسي"، قائلا إن "السلطة تستعمل بعض الحيل لترفع نسبة المشاركة إلى الثلث".
وأضاف "سيعلنون 40 في المئة، ومع ذلك يفقد البرلمان شرعيته؛ فالمشاركة ضئيلة في انتخابات مؤسسة هامة في الهرم التشريعي الذي يحدد المصير لمدة خمس سنوات مقبلة".
وفي ظل ضعف الإقبال على المشاركة في الانتخابات التي أجريت مؤخرا، إلى جانب المقاطعة المعلنة مسبقا من الحراك وجزء من المعارضة، تأمل الحكومة الجزائرية في نسبة مشاركة تراوح بين 40 في المئة إلى 50 في المئة.
ولتشجيع الإقبال على المشاركة، حث تبون الشبان على التنافس على المقاعد البرلمانية، وقدمت الحكومة 2255 دولارا لكل مرشح يقل سنه عن أربعين عاما كجزء من تكلفة الدعاية الانتخابية.
ويقول بركاني: "هذه الانتخابات لا تكتسب أي أهمية لأنه لم يتغير شيء؛ البرلمان في الجزائر بغرفتيه لم يتغير ولا يستطع ممارسة مهامه التشريعية أو الرقابية".
وتابع "الحراك قاطع كل الانتخابات وكل الاستفتاءات وكل ما يصدر من السلطة لأنه لا يعترف بها وبشرعيتها، وفي المقابل تلجأ السلطة دائما للحل الأمني والبوليسي للقضاء على الحراك".
وقد منعت الحكومة مسيرات للحراك، واعتقلت ولاحقت قضائيا معارضين سياسيين وناشطين في حراك وصحافيين مستقلين ومحامين.
وبحسب اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين، يقبع ما لا يقل عن 222 من سجناء الرأي خلف القضبان في الجزائر بسبب نشاطهم في الحراك أو الدفاع عن الحريات الفردية.
وردا على حديث أعراج بشأن الاختلاف بين حراك 2019 والحراك مؤخرا، قال بركاني: "لا يوجد حراك أصيل وغير أصيل، الحراك واحد والمطالب تتغير وتصعد تدريجيا لغاية استرجاع كرامة الجزائريين والسيادة غير منقوصة، وتحقق المطلب الجوهري المتمثل في التغيير الجذري وليس السطحي".
وعلى الرغم من انتخاب تبون رئيسا للبلاد خلفا لبوتفليقة، والموافقة على دستور معدل في استفتاء، يعتقد العديد من الجزائريين أن المؤسسة الأمنية والعسكرية لا تزال بيدها السلطة الحقيقية.
