الجزائر - المغرب
تغذي مسألة الحدود بين الجزائر والمغرب الخلافات بين معلقين من البلدين على مواقع التواصل الاجتماعي

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر، الجمعة، هاشتاغ "حابين ياكلونا" (يريدون أكلنا) ردا على تصريح مسؤولة مغربية، قالت إن المملكة تحوز على وثائق تثبت أن "الصحراء الشرقية" التي تضم مناطق جزائرية، كانت تابعة للمغرب، إلى جانب وثائق أخرى تثبت أيضا أن الصحراء الغربية "مغربية".  

وخلال ندوة في مقر وكالة الأنباء المغربية الرسمية، قالت مديرة الوثائق الملكية (الأرشيف)، بهيجة السيمو، إن الهيئة التي تشرف عليها تمتلك وثائق تثبت أن الصحراء الشرقية -وهو اسم يطلقه مغاربة على أجزاء من غرب الجزائر- بأنها مغربية.

وجاء في مداخلتها ردا على سؤال صحفي "بالنسبة للوثائق المتعلقة بقضية الصحراء، هي متوفرة جدا جدا جدا، في المغرب" ثم تابعت "وحينما أقول الصحراء، أعني بها الصحراء بين مزدوجتين الغربية، والشرقية أيضا".

ومضت مؤكدة للصحفيين "يمكنكم الاطلاع عليها منذ الغد" قبل أن توجه كلامها للصحفي الذي طرح سؤالا يتعلق بالأرشيف حول قضية الصحراء بالقول "أنا في انتظارك.. يجب أن تأتي وتطلع عليها".

إلى ذلك شددت ذات المسؤولة على أن الوثائق التي كانت بصدد الحديث عنها ليست مجرد مراسلات أو توثيق بيعات "هنالك خرائط تبين كيف تطورت الحدود" وفق تعبيرها.

كما أشارت إلى أن الوثائق التي تحدثت عنها تتضمن رسوما واتفاقيات دولية بالخصوص ورسائل متبادلة منذ العصر الوسيط حول قضية الصحراء.

بعد ذلك طلبت السيمو، من الصحفيين الكتابة حول الموضوع قائلة "قضية الصحراء مغربية من حيث وثائقنا وهي تنتظر أقلامكم".

ولم تتأخر تعليقات الجزائرين على المنصات الاجتماعية، حيث تشارك العديد منهم مقطع فيديو يوثق التصريح، بينما دارت أغلب الردود  حول عناوين مثل "الجزائر خط أحمر" .."لحمنا مر" " الرد سيكون قويا".

وكتب أمين كرطالي، وهو أستاذ في التاريخ، وفق الوصف المبين بصفحته على تويتر "تتكرر مزاعم المخزن بأحقيته ببشار والقنادسة وتندوف، أو ما يسمى لدى المخزن بالصحراء الشرقية".

وقال المحلل الجزائري، تواتي دحمان، إن تصريح المسؤولة المغربية "سيزيد دون شك من توتر العلاقات بين الجزائر والمغرب".

وأشار في حديث لموقع الحرة إلى أن مسألة الحدود "كانت دائما مجالا للمزايدة من قبل المغرب "خصوصا حينما تمر المملكة بأزمات."

وقال :"مرة أخرى هذا التصريح، يعبر دون شك عن الأزمة الداخلية المتعدده في المغرب، ذات الأبعاد الاقتصاديه والسياسية".

لكن المحلل السياسي المغربي، خالد الشيات، اعتبر أن المسؤولين الجزائريين هم من أصبح يتلقف أي شيء يمكنه أن يخدم توجههم لإظهار أن المغرب يشكل خطرا داهما على سلامة بلادهم أمام الراي العام المحلي.

وفي اتصال مع موقع الحرة شدد الشيات على أن تصريح السيمو يدخل في إطار أكاديمي ضمن سياق تاريخي، لا يمكن تجاهله.

صراع الحدود المرير 

يسمي المغاربة المنطقة الغربية من الصحراء الجزائرية والممتدة من القنادسة وبشار وحتى تندوف أقصى الغرب بـ"الصحراء الشرقية" وكثير منهم يعتبرها أرضا تابعة للمغرب.

وحسمت مسألة الحدود في الدول الأفريقية عموما بعد إقرار الاتحاد الأفريقي بضرورة الاحتفاظ برسمها الموروث عن الاستعمار.

وكانت الجزائر كما المغرب، مستعمرات فرنسية، وحين قررت إنهاء حمايتها على تونس والمغرب باتفاقات بينهما، حاولت فرنسا الاحتفاظ بالجزائر، قبل أن تصطدم معها في حرب ضروس لأكثر من سبعة أعوام (1954-1962).

وبعد عام من استقلال الجزائر،  في العام 1963 اندلعت "حرب الرمال" بين البلدين الجارين إثر مجموعة حوادث حدودية.

و"حرب الرمال" اسم يطلق على الصراع الذي استمر شهرين بين المغرب والجزائر بعد أن اتهم كل طرف الآخر بالاستيلاء على مناطق صحراوية على امتداد 1200 كيلومتر من الحدود.

وعام 1964 تدخلت منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حاليا) لتسوية النزاع، ما أتاح إعادة فتح الحدود بين البلدين.

وفي سنة 1972، توصلت الجزائر، والمغرب إلى اتفاق بشأن حدودهما المشتركة لكن المغرب انتظر 20 عاما قبل المصادقة عليه.

ولا تزال مسألة الحدود تثير المغاربة والجزائريين، ففي كل مرة يثير أي  تصريح بالخصوص، الرأي العام في البلدين.

في هذا الإطار، يرى تواتي، وهو أستاذ التاريخ بجامعة أدرار، جنوبي الجزائر، بأن المغاربة يتعمدون الحديث عن الحدود رغم أنها مسألة محسومة وضرب مثالا عما صرح به قبل أشهر، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، السابق، المغربي، أحمد الريسوني.

وكان الريسوني، أثار الجزائريين بدعوته للزحف نحو تندوف، وهي ولاية جزائرية تقع أقصى جنوب غرب البلاد، وهي متاخمة للأراضي المغربية.

وقال الريسوني وقتها إن "المغاربة مستعدون للزحف نحو تندوف لتحرير صحرائهم". 

وأشار إلى أنه "حتى وجود موريتانيا غلط فضلا عن الصحراء والمغرب يجب أن يعود كما كان قبل الغزو الأوروبي".

إلى ذلك، أشار تواتي، إلى أن مسألة الحدود حسمت منذ عشرات السنين وتساءل حول ضرورة إثارتها في كل مرة.

وقال "الحدود بيننا معروفة، لكن هناك فكرة سائدة لدى المغاربة أن مملكتهم تمتد حتى داخل الأراضي الجزائرية، وفقا لما طرحه علال الفاسي".

ثم تساءل "إذا كانت تلك الحدود المغربية الحقيقة فلماذا وقعوا مع الفرنسيين معاهدة لالة مغنية؟".

ومعاهدة "لالة مغنية" هي اتفاقية أبرمت بين المغرب وفرنسا سنة 1845، بمدينة مغنية الجزائرية، إثر انهزام جيش المملكة في معركة إيسلي قبل سنة من ذلك.

تواتي ذكر كذلك بأن مسألة محاولة المملكة التوسع شرقا على حساب الجزائر، سبق وأن أثارها مسؤولون كثيرون، حتى من دول غربية، مشيرا إلى تصريح سابق  لجون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق.

يذكر أن بولتون الذي كان مستشار الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، كشف في إحدى مداخلاته، أنه  خلال زيارة دبلوماسية عام 1997 لمكتب العاهل المغربي، محمد السادس، في مراكش، فوجئ بوجود خريطة لـ "المغرب الكبير"، والتي تضم النصف الغربي من الجزائر والصحراء الغربية وأجزاء من موريتانيا.

"منطق أرعن"

ردا على ذلك، يقول المحلل المغربي، خالد الشيات إن التسرع في الحكم على مداخلة أكاديمية طرحت سياقات تاريخية يدخل في إطار "تخوين كل ما هو مغربي".

وقال في السياق "إذا كان التاريخ هو الذي يتحدث فمن غير اللائق أن نرد بمنطق أرعن" مشيرا إلى أن الشق التاريخي الذي أثارته المسؤولة المغربية "لا يمكن تجاوزه".

وتابع "هناك مناطق موجودة الآن في سياقات سلطوية معينة، كانت تاريخيا في سياقات سلطوية أخرى".

وتساءل هو الآخر "كيف يمكن أن نفسر للطلبة مسألة وجود المرابطين في الجزائر وموريتانيا؟.. كيف نفسر وجود الدولة الموحدية؟" ثم أضاف "هذا تاريخ وهناك وثائق تدل على ذلك، وهذه الأمور تبقى في إطار النقاش التاريخي، والأكاديمي".

وقال أيضا "ما الذي يمكن أن يزعج إذا قلنا أن هناك فضاءات كانت تاريخيا تابعة للمغرب والآن هي تابعة للجزائر؟".

وخلص الشيات للقول بأن هذا الموضوع تاريخي، يبقى محل نقاش أكاديمي، مؤكدا بدوره أن فرنسا الاستعمارية ضمت فعلا أراضٍ مغربية للجزائر التي كانت تحتلها، واتفقت مع إسبانيا على تقاسم أراض مغربية".

إلى ذلك، طمأن الشيات الرأي العام الجزائري بالقول إن المغرب كدولة تنظر إلى الجزائر من الناحية السياسية والقانونية كدولة لديها حدود معها، مبديا رفضه توظيف هذا الموضوع من قبل بعض الجزائريين. 

وختم بالقول "ليس هناك ما يهدد المنطقة أكثر من محاولة صناعة جمهورية جديدة" في إشارة للدعم الذي تقدمه الجزائر لجبهة البلوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء الغربية، التي تعتبرها الرباط جزءا لا يتجزأ من ترابها.

قوات من بعثة المينورسو في الصحراء الغربية - فرانس برس
قوات من بعثة المينورسو في الصحراء الغربية - فرانس برس

يثير النزاع بشأن الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو توترا سياسيا وعسكريا في المنطقة المغاربية، رغم المساعي الأممية للتوصل إلى حل سلمي.

وفي هذا الصدد شرع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، هذا الأسبوع، في جولة جديدة بالمنطقة، وذلك عشية المشاورات غير الرسمية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المرتقبة منتصف شهر أبريل من السنة الجارية.

واستهل المبعوث الأممي زيارته للمنطقة بلقاء مع وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة في الرباط، واستعرض الوفد المغربي خلال اللقاء "الديناميكية الدولية الداعمة لمغربية الصحراء وللمبادرة المغربية للحكم الذاتي"، وفق بيان للخارجية المغربية.

وأشار البيان إلى أن الوفد المغربي "جدد التأكيد على دعم المملكة لجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي واقعي، وبراغماتي ومستدام على الأساس الحصري للمبادرة المغربية للحكم الذاتي".

وكانت الأمم المتحدة عينت ستافان دي ميستورا، مبعوثا خاص للصحراء الغربية في أكتوبر 2021.

وتسيطر الرباط على ما يقرب من 80% من هذه المنطقة وتقترح منحها حكماً ذاتياً تحت سيادتها، فيما تدعو جبهة البوليساريو إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير برعاية الأمم المتحدة نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991.

وشهد النزاع حول الصحراء الغربية تطورات إقليمية في السنوات القليلة الماضية، آخرها الاعتراف الفرنسي بالطرح المغربي في إطار "مبادرة الحكم الذاتي" في نهاية يوليو 2024، وذلك على خطى إسبانيا التي اعترفت بـنفس الطرح سنة 2022، كما سبق للولايات المتحدة الاعتراف رسميا، خلال العهدة السابقة للرئيس ترامب، بـ"مغربية الصحراء".

"إنهاء" مسار التسوية الأممية

وفي تعليقه على الجولة الأممية الجديدة، يرى عضو المجلس المغربي للشؤون الخارجية، أحمد نور، أن دي ميستورا أثبت "فشلة في ملف الصحراء، كما أثبت فشله في سوريا"، مشيرا إلى وقائع عدة، أبرزها طلبه من المغرب توضيحات حول مقترح الحكم الذاتي، واعتبر المتحدث أن هذا الطلب "إهانة" لمجلس الأمن الذي ظل يعتبر المقترح "جاد وواقعي ويحظى بالمصداقية".

كما انتقد أنور في حديثه لـ "الحرة" عودة دي ميستورا إلى مقترح "تقسيم الصحراء الذي رفضه المغرب بعدما قدمه الرئيس الجزائري الأسبق، عبد العزيز بوتفليقة للمبعوث الأممي جيمس بيكر سنة 2002".

وأشار المتحدث إلى أنه على دي ميستورا الاعتراف في تقريره بأن مسار التسوية الأممية في الصحراء الغربية قد "انهار"، عقب إعلان جبهة البوليساريو في ديسمبر 2020 تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991 والعودة إلى حمل السلاح، مما يعني، وفق المصدر، أن التسوية الأممية "ميتة وملغاة".

وعليه فإن ما يتطلع إليه المغرب، حسب تصريح أحمد نور، هو "إنهاء مسار التسوية الأممية"، متوقعا استقالة دي ميستورا مباشرة بعد اجتماع مجلس الأمن، و"إنهاء مهمة البعثة الأممية (المينورسو)، وعودة اللاجئين من مخيمات تيندوف".

خطوات "أكثر جرأة"

لكن بالنسبة للجزائر فإنها تتطلع، حسب الخبير في القانون الدولي والدستوري، موسى بودهان إلى أن"تدعم جولة دي ميستورا مساعي الأمم المتحدة الرامية لإيجاد مخرج للنزاع المستمر منذ نصف قرن بالمنطقة، بما يحفظ للشعب الصحراوى حقوقه".

وأضاف بودهان لـ"الحرة" أن الجزائر تتطلع إلى خطوات أممية "أكثر جرأة، لتسريع وتيرة الحل الأممي، وضمان الحقوق الفردية والجماعية لأبناء الشعب الصحراوي بواسطة رقابة أممية على حقوق الانسان".

كما أفاد المتحدث أن المطلوب من المبعوث الأممي الأخذ بعين الاعتبار "قرارات المحاكم الأوروبية التي منعت الاستغلال غير القانوني لثروات الصحراء الغربية وشعبها من طرف المغرب وبعض شركائه الأوروبيين الذين يسعون إلى الاستثمار في قطاعات المعادن والصيد البحري".

وبرأي الخبير الجزائري، فإن دي ميستورا تنتظره "مهام كثيرة" في سياق تجسيد متطلبات السيادة الدولية، على حد تعبيره.