علاقات البلدين متوترة منذ عقود
علاقات البلدين متوترة منذ عقود

دخلت السلطات الجزائرية الرسمية على خط الجدل الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي حول ما وصف بـ"الصحراء الشرقية" التي تحدثت عنها مسؤولة مغربية وادعائها أنها "أراض مغربية".

وكانت مديرة الوثائق الملكية بالمغرب، بهيجة سيمو، قالت في 22 يناير الماضي، إن الوثائق التاريخية المحفوظة تؤكد "مغربية الصحراء الغربية، كما تؤكد أيضا مغربية الصحراء الشرقية"، والأخيرة هي أراض في الجنوب الغربي الجزائري.

وانتقد رئيس المجلس الشعبي الجزائري، إبراهيم بوغالي، تصريحات المسؤولة المغربية واتهم الرباط بـ"التشويش" على الجزائر.

وقال بوغالي في البرلمان الجزائري إن المغرب يحاول "التشويش على بلادنا وتسويق أطماعه التوسعية.. في الوقت الذي تعمل فيه بلادنا تحت القيادة الرشيدة لرئيس الجمهورية على تعزيز الاستقرار على المستوى الجهوي، والقاري والدولي لاستتباب السلم وإنعاش التنمية وبعث الأمل".

وتابع "حتى وإن كانت عقيدتنا العسكرية مبنية على الدفاع، فإننا لا نسمح بالمساس بأي ذرة من ترابنا، فحدودنا دفعنا من أجلها ثمنا باهضا".

الجيش جاهز

وقال إن الجيش الجزائري مستعد "للدفاع عن حدودنا وبسط السكينة، والطمأنينة في ربوع البلاد".

ويعد حديث بوغالي أول رد رسمي جزائري على الجدل الذي انتشر في الأيام الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

المحلل الجزائري، حكيم بوغرارة، قال في حديث لموقع "الحرة" إن "تصريحا حول جاهزية الجيش الوطني الشعبي للرد على أي استهداف للأراضي الجزائرية.. كرد فعل على وزيرة الوثائق المغربية، سيمو بهيجة، حول ادعاءات مزعومة حول ما يسمى الصحراء الشرقية وعبر وسيلة إعلامية مغربية نشرت خريطة وهمية تمس بالسيادة الجزائرية".

وكانت مجلة "ماروك إيبدو" المغربية أغضبت الجزائريين، وأثارت جدلا بنشرها ملف حول مشاكل المغرب الحدودية، في مارس الجاري، ضم خريطة للمغرب شملت مناطق واسعة من جنوب غربي الجزائر.

واعتبر بوغرارة في حديثه للحرة أن "الرد الجزائري هو رد فعل تجاه سلوك وزيرة مغربية وهو ربما ما يفسر أن المؤسسات الرسمية الجزائرية تفضل الرد بطريقة رسمية إذا كانت الاستفزازات نابعة من جهات رسمية مغربية".

وكانت المسؤولة المغربية قالت إن الوثائق لا "تشمل المراسلات والمبايعات فقط، وإنما تضم أيضا عددا من الخرائط والاتفاقيات ورسومات للحدود"، مشيرة إلى أن إدارة الوثائق المغربية، حصلت على الوثائق من دول أوروبية.

لكن المحلل الجزائري، توفيق بوقعدة، اعتبر أن ما "صدر عن المسؤولة المغربية يعني المغاربة، ولا يعني الجزائر بأي حال من الأحوال".

وتابع بوقعدة في حديث لموقع "الحرة" أن ما تفوهت به المسؤولة المغربية ليس منطقيا سواء من الناحية التاريخية أو الواقعية الحالية والقانونية، لأن الحدود بين المغرب والجزائر موثقة باتفاقيات موقعة بينهما ومسجلة في الأمم المتحدة".

واعتبر بوقعدة أن تصريحات السيمو موجهة للاستهلاك الداخلي، مشيرا إلى أن تصريح بوغالي ليس تعليقا على تصريح المسؤولة تحديدا، بل هو بشكل عام يؤكد على جاهزية الجيش الجزائري لأي طارئ على حدود الجزائر.

واستبعد بوقعدة أن يتطور التوتر بين الجزائر والمغرب إلى حالة صدام.

وتأتي التصريحات من المغرب والجزائر لتضيف إلى التوتر المستمر بين البلدين.

وأغلقت الجزائر مجالها الجوي، في 22 سبتمبر من عام 2021، أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية المغربية، بعد قطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط متهمة الأخيرة "بارتكاب أعمال عدائية". فيما أعرب المغرب عن أسفه إزاء هذا القرار، ورفض "مبرراته الزائفة".

واعتبر المحلل المغربي، عباس الوردي، أن رد المسؤول الجزائري "غير مقبول في الأعراف الدولية"، مضيفا أن توجيه "مؤسسة رسمية لتعكير صفو العلاقات بين الجارين غير مقبولة من منظور الأعراف الدبلوماسية، لأن مثل هذه المواقف من المفترض أن تكون عبر وزارة الخارجية الجزائرية"، بحسب تعبيره.

واعتبر الوردي أن تصريح المسؤولة المغربية ليس تهديدا، مضيفا أن "تجييش الجيش الجزائري لا يهم إلا الجزائر"، وإن "كان للجزائر جيش فللمغرب أيضا جيش يحمي أراضيه".

وعلاقات البلدين متوترة منذ عقود بسبب النزاع حول الصحراء الغربية.

ويدور نزاع منذ عقود حول مصير الإقليم الصحراوي بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر المجاورة. 

قوات من بعثة المينورسو في الصحراء الغربية - فرانس برس
قوات من بعثة المينورسو في الصحراء الغربية - فرانس برس

يثير النزاع بشأن الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو توترا سياسيا وعسكريا في المنطقة المغاربية، رغم المساعي الأممية للتوصل إلى حل سلمي.

وفي هذا الصدد شرع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، هذا الأسبوع، في جولة جديدة بالمنطقة، وذلك عشية المشاورات غير الرسمية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المرتقبة منتصف شهر أبريل من السنة الجارية.

واستهل المبعوث الأممي زيارته للمنطقة بلقاء مع وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة في الرباط، واستعرض الوفد المغربي خلال اللقاء "الديناميكية الدولية الداعمة لمغربية الصحراء وللمبادرة المغربية للحكم الذاتي"، وفق بيان للخارجية المغربية.

وأشار البيان إلى أن الوفد المغربي "جدد التأكيد على دعم المملكة لجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي واقعي، وبراغماتي ومستدام على الأساس الحصري للمبادرة المغربية للحكم الذاتي".

وكانت الأمم المتحدة عينت ستافان دي ميستورا، مبعوثا خاص للصحراء الغربية في أكتوبر 2021.

وتسيطر الرباط على ما يقرب من 80% من هذه المنطقة وتقترح منحها حكماً ذاتياً تحت سيادتها، فيما تدعو جبهة البوليساريو إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير برعاية الأمم المتحدة نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991.

وشهد النزاع حول الصحراء الغربية تطورات إقليمية في السنوات القليلة الماضية، آخرها الاعتراف الفرنسي بالطرح المغربي في إطار "مبادرة الحكم الذاتي" في نهاية يوليو 2024، وذلك على خطى إسبانيا التي اعترفت بـنفس الطرح سنة 2022، كما سبق للولايات المتحدة الاعتراف رسميا، خلال العهدة السابقة للرئيس ترامب، بـ"مغربية الصحراء".

"إنهاء" مسار التسوية الأممية

وفي تعليقه على الجولة الأممية الجديدة، يرى عضو المجلس المغربي للشؤون الخارجية، أحمد نور، أن دي ميستورا أثبت "فشلة في ملف الصحراء، كما أثبت فشله في سوريا"، مشيرا إلى وقائع عدة، أبرزها طلبه من المغرب توضيحات حول مقترح الحكم الذاتي، واعتبر المتحدث أن هذا الطلب "إهانة" لمجلس الأمن الذي ظل يعتبر المقترح "جاد وواقعي ويحظى بالمصداقية".

كما انتقد أنور في حديثه لـ "الحرة" عودة دي ميستورا إلى مقترح "تقسيم الصحراء الذي رفضه المغرب بعدما قدمه الرئيس الجزائري الأسبق، عبد العزيز بوتفليقة للمبعوث الأممي جيمس بيكر سنة 2002".

وأشار المتحدث إلى أنه على دي ميستورا الاعتراف في تقريره بأن مسار التسوية الأممية في الصحراء الغربية قد "انهار"، عقب إعلان جبهة البوليساريو في ديسمبر 2020 تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991 والعودة إلى حمل السلاح، مما يعني، وفق المصدر، أن التسوية الأممية "ميتة وملغاة".

وعليه فإن ما يتطلع إليه المغرب، حسب تصريح أحمد نور، هو "إنهاء مسار التسوية الأممية"، متوقعا استقالة دي ميستورا مباشرة بعد اجتماع مجلس الأمن، و"إنهاء مهمة البعثة الأممية (المينورسو)، وعودة اللاجئين من مخيمات تيندوف".

خطوات "أكثر جرأة"

لكن بالنسبة للجزائر فإنها تتطلع، حسب الخبير في القانون الدولي والدستوري، موسى بودهان إلى أن"تدعم جولة دي ميستورا مساعي الأمم المتحدة الرامية لإيجاد مخرج للنزاع المستمر منذ نصف قرن بالمنطقة، بما يحفظ للشعب الصحراوى حقوقه".

وأضاف بودهان لـ"الحرة" أن الجزائر تتطلع إلى خطوات أممية "أكثر جرأة، لتسريع وتيرة الحل الأممي، وضمان الحقوق الفردية والجماعية لأبناء الشعب الصحراوي بواسطة رقابة أممية على حقوق الانسان".

كما أفاد المتحدث أن المطلوب من المبعوث الأممي الأخذ بعين الاعتبار "قرارات المحاكم الأوروبية التي منعت الاستغلال غير القانوني لثروات الصحراء الغربية وشعبها من طرف المغرب وبعض شركائه الأوروبيين الذين يسعون إلى الاستثمار في قطاعات المعادن والصيد البحري".

وبرأي الخبير الجزائري، فإن دي ميستورا تنتظره "مهام كثيرة" في سياق تجسيد متطلبات السيادة الدولية، على حد تعبيره.