تختلف الحصيلة الرسمية لعدد الضحايا مع تلك التي تتحدث عنها وسائل الإعلام بشكل كبير (أرشيف)
تختلف الحصيلة الرسمية لعدد الضحايا مع تلك التي تتحدث عنها وسائل الإعلام بشكل كبير (أرشيف)

قبل 35 عاما، اندلعت بالجزائر انتفاضة عنيفة أدت إلى انهيار نظام الحزب الواحد الذي كان يحكم البلاد منذ استقلالها في 1962.  

أدى قمع تلك الانتفاضة التي أسمتها وسائل الإعلام الحكومية وقتذاك بـ"أعمال الشغب" إلى مقتل العشرات وعدد كبير من الإصابات.

وحددت الإحصاءات الرسمية عدد الضحايا بنحو 160 قتيلا بينما تتحدث وسائل الإعلام عن قرابة 400 ضحية.

وبغض النظر عن دقة هذه الأرقام، يجدر القول إن هذه الحصيلة، كانت المحرك الأول لتكريس التعددية الحزبية والإعلامية وتحرير الاقتصاد في هذه البلاد الفتية (1962 تاريخ الاستقلال).

فيما يلي تسلسل الأحداث التي أدت إلى الانفجار..

بالنسبة للعديد من الجزائريين، تشكل أحداث أكتوبر 1988 منعرجا حاسما في تاريخ البلاد، حيث شكل هذا الاحتجاج العنيف نقطة تحول في الحياة السياسية والاجتماعية، وأدى إلى اعتماد دستور جديد، وولادة نظام التعددية الحزبية، وظهور الصحافة المستقلة.

ولكن إذا كانت هذه الثورة الشعبية قد أدت إلى انهيار الحزب الواحد، فإنها، على نحو متناقض، سمحت أيضا للإسلاميين بدخول المشهد من بابه الواسع في شكل الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي حُلّت فيما بعد إثر الأحداث الدامية التي عرفتها البلاد خلال ما يعرف بالعشرية السوداء (1990-2000).

الأزمة الاقتصادية 1986

يعتمد الاقتصاد الجزائري على البترول والغاز، بشكل يرهن أي تقدم للبلاد أو رفاهية بأسعاره على السوق الدولية.

في عام 1986 تراجعت أسعار النفط إلى أقل من تسعة دولارات للبرميل، وكانت تلك هزة اقتصادية عنيفة ضربت الاقتصاد الجزائري، حيث أعلنت السلطة وقتها دخول البلاد في أزمة اقتصادية تطلبت تغيرا جذريا في طريقة تسيير المؤسسات وتقشفا غير مسبوق مس شرائح كبيرة من الجزائريين.

انعكست هذه الوضعية على كل مجالات الحياة وكانت البطالة وأزمة السكن أكبر مشكلتين يعاني منها الجزائريون الذي ازدادوا عددا بعد نحو 25 سنة من الاستقلال.

هذا الوضع جعل السلطات تعلن الأزمة الاقتصادية، وأدخل البلاد في دوامة غير منتهية من الإصلاحات التي فرضها اللجوء للمؤسسات المالية الدولية من أجل الاقتراض أو إعادة جدولة الديون السابقة.

الأشهر التي تلت 1986 شهدت تراجعا محسوسا في القدرة الشرائية للجزائريين مع ندرة مزمنة للمواد الأساسية.

وكانت صور الطوابير أمام ما كان يعرف وقتها بـ"أسواق الفلاح" سمة يومية للمدن الجزائرية

شرارة الأحداث الأولى

مساء يوم 4 أكتوبر 1988، اشتعلت النيران في الأحياء الشعبية مثل باب الوادي والحراش بالجزائر العاصمة، حيث كانت السيارات تحترق والمتاجر تتعرض للتخريب في كل ركن من العاصمة تقريبا. 

حتى ليل الرابع من أكتوبر كانت لا تزال تلك الأحداث تعتبر أعمال شغب، إذ لم تنطو  في البداية على أية مطالب سياسية، لكنها تحولت في صباح يوم الخامس من أكتوبر إلى انتفاضة شعبية رفع خلالها الشباب شعارات مناوئة للسلطة ممثلة وقتها في الرئيس الشاذلي بن جديد (1979- 1991) وأبرز وجوه حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان يحكم البلاد بقبضة من حديد دون أي مشاركة مع أي تشكيل سياسي آخر، حيث أن الدستور الجزائري كان لم ينفتح بعد على التعددية الحزبية، والإعلامية.

ففي ظل التركيبة السكانية المتسارعة للبلاد( 75% من الجزائريين تحت سن الثلاثين) برز فشل الطبقة الحاكمة في دمج الشباب في المجتمع، وأفلست الاشتراكية التي اعتمدتها الدولة، خصوصا مع بدأ إرهاصات سقوط الاتحاد السوفيتي، حليف الجزائر التقليدي منذ استقلالها عن فرنسا.

في 5 أكتوبر، استمرت التعبئة واشتد عود المظاهرات، وخرج الشباب الغاضب إلى الشوارع وأغلق المتظاهرون الجامعات والمدارس الثانوية في العاصمة، وانضم الطلاب إلى الانتفاضة. 

تعرضت المباني العامة ومقار جبهة التحرير الوطني للنهب،  وشيئا فشيئا، تجاوزت أعمال الشغب العاصمة وامتدت إلى المراكز الحضرية الرئيسية في شمال البلاد.

ولم تشهد البلاد مثل هذه "الفوضى" منذ استقلالها عام 1962.

تدخل الجيش.. وسقوط أولى الضحايا

راح الشباب الجزائري الذي كان يعاني من التهميش والبطالة يتظاهر في الشوارع رافعا يافطات ضد رموز الدولة متهما الشاذلي بن جديد شخصيا والمقربين منه بالفساد، وكانت تلك سابقة في تاريخ الجزائر المستقلة.

لم تقو الشرطة على مواجهة هذه الموجة الغاضبة، وهو ما استدعى تدخل الجيش الذي أسفر عن الحصيلة الثقيلة المذكورة سابقا، والتي لم تحدد بدقة حتى الآن.

في السادس من أكتوبر أعن الشاذلي بن جديد حظر التجوال واستدعى الجيش بقيادة اللواء خالد نزار لمواجهة من ظلوا يوصفون حتى تلك الأثناء بمثيري الشغب.

انتشرت دبابات الجيش في الشوراع الرئيسية للبلاد وكان جيل الاستقلال يتابع هذه الأحداث غير المسبوقة بنوع من الاستغراب، حيث بدأت أخبار مقتل جزائرين على يد جيشهم تنتشر بسرعة البرق.

نتائج الانتفاضة 

رغم دعوات الاستقالة التي واجهها به الشعب، رفض الشاذلي ترك منصبه، ووعد في خطاب تاريخي له بإصلاحات عميقة.

كان أبرز تغيير في البلاد، اعتماد دستور جديد إثر استفتاء فبراير 1989 ما فسح المجال لنظام التعددية الحزبية والإعلامية. 

خلال الفترة التي أعقبت هذه الأحداث تكاثرت الجمعيات وظهرت الصحف المستقلة مثل الوطن أو الخبر أو ليبرتي.

ومن بين الأحزاب الجديدة، برزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي أسسها عباسي مدني ونائبه الثاني علي بلحاج رفقة عدد من الإسلاميين الذين لم يكونوا معروفين للشعب وقتها.

في تلك الفترة أيضا عاد المعارض حسين آيت أحمد، مؤسس جبهة القوى الاشتراكية عام 1963، إلى الحياة السياسية، والذي كان يعيش في منفاه في سويسرا. 

كما عاد الرئيس السابق أحمد بن بلة إلى البلاد وأسس حزبا ليقارع خلال الانتخابات اللاحقة.

التعددية الحزبية وحرية الإعلام

يتفق المؤرخون أن مظاهرات 1988 كانت سببا رئيسيا في  تدشين عملية الانتقال الديمقراطي في الجزائر ونهاية عهد الحزب الواحد، ممثلا في جبهة التحرير الوطني، الذي حكم دون مشارك لمدة 26 عاما.

لم يكن الجزائريون يقرأون جريدة إلا الجرائد التي كانت تعتبر لسان حال جبهة التحرير، لكن الأيام والأشهر التي تلت أحداث أكتوبر، فتحت الباب على مصراعيه لظهور الصحافة المستقلة (المكتوبة دون المرئية أو المسموعة)، ما أفسح المجال لظهور تيارات فكرية وإيديولجية، أو طفوها على السطح حيث كانت في معظمها تنتشر بين الشباب لكن في سرية، أبرزها التيارات الفكرية الإسلامية والشيوعية، والتي ترجمت فيما بعد لأحزاب سياسية.

لم تصمد أغلب تلك التشكيلات السياسية أمام ما عرفته البلاد من تطورات بعد 1990، وخصوصا، خلال العشرية السوداء وما تلاها من أحداث حتى بداية الألفية الجديدة واعتلاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كرسي الرئاسة في عام 1999 وهو الذي لم يتنح عن السلطة إلا عن طريق حراك شعبي آخر عرفته البلاد في 2019

وفي ضوء الذكرى الـ35 لتلك الأحداث، تنتظر الجزائر إجراء انتخابات رئاسية العام المقبل، بعد ولاية أولى للرئيس عبد المجيد تبون الذي أتت به أحداث حراك فبراير 2019 إلى الواجهة إثر انتخابات ديمسبر  من تلك السنة.

قوات من بعثة المينورسو في الصحراء الغربية - فرانس برس
قوات من بعثة المينورسو في الصحراء الغربية - فرانس برس

يثير النزاع بشأن الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو توترا سياسيا وعسكريا في المنطقة المغاربية، رغم المساعي الأممية للتوصل إلى حل سلمي.

وفي هذا الصدد شرع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، هذا الأسبوع، في جولة جديدة بالمنطقة، وذلك عشية المشاورات غير الرسمية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المرتقبة منتصف شهر أبريل من السنة الجارية.

واستهل المبعوث الأممي زيارته للمنطقة بلقاء مع وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة في الرباط، واستعرض الوفد المغربي خلال اللقاء "الديناميكية الدولية الداعمة لمغربية الصحراء وللمبادرة المغربية للحكم الذاتي"، وفق بيان للخارجية المغربية.

وأشار البيان إلى أن الوفد المغربي "جدد التأكيد على دعم المملكة لجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي واقعي، وبراغماتي ومستدام على الأساس الحصري للمبادرة المغربية للحكم الذاتي".

وكانت الأمم المتحدة عينت ستافان دي ميستورا، مبعوثا خاص للصحراء الغربية في أكتوبر 2021.

وتسيطر الرباط على ما يقرب من 80% من هذه المنطقة وتقترح منحها حكماً ذاتياً تحت سيادتها، فيما تدعو جبهة البوليساريو إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير برعاية الأمم المتحدة نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991.

وشهد النزاع حول الصحراء الغربية تطورات إقليمية في السنوات القليلة الماضية، آخرها الاعتراف الفرنسي بالطرح المغربي في إطار "مبادرة الحكم الذاتي" في نهاية يوليو 2024، وذلك على خطى إسبانيا التي اعترفت بـنفس الطرح سنة 2022، كما سبق للولايات المتحدة الاعتراف رسميا، خلال العهدة السابقة للرئيس ترامب، بـ"مغربية الصحراء".

"إنهاء" مسار التسوية الأممية

وفي تعليقه على الجولة الأممية الجديدة، يرى عضو المجلس المغربي للشؤون الخارجية، أحمد نور، أن دي ميستورا أثبت "فشلة في ملف الصحراء، كما أثبت فشله في سوريا"، مشيرا إلى وقائع عدة، أبرزها طلبه من المغرب توضيحات حول مقترح الحكم الذاتي، واعتبر المتحدث أن هذا الطلب "إهانة" لمجلس الأمن الذي ظل يعتبر المقترح "جاد وواقعي ويحظى بالمصداقية".

كما انتقد أنور في حديثه لـ "الحرة" عودة دي ميستورا إلى مقترح "تقسيم الصحراء الذي رفضه المغرب بعدما قدمه الرئيس الجزائري الأسبق، عبد العزيز بوتفليقة للمبعوث الأممي جيمس بيكر سنة 2002".

وأشار المتحدث إلى أنه على دي ميستورا الاعتراف في تقريره بأن مسار التسوية الأممية في الصحراء الغربية قد "انهار"، عقب إعلان جبهة البوليساريو في ديسمبر 2020 تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991 والعودة إلى حمل السلاح، مما يعني، وفق المصدر، أن التسوية الأممية "ميتة وملغاة".

وعليه فإن ما يتطلع إليه المغرب، حسب تصريح أحمد نور، هو "إنهاء مسار التسوية الأممية"، متوقعا استقالة دي ميستورا مباشرة بعد اجتماع مجلس الأمن، و"إنهاء مهمة البعثة الأممية (المينورسو)، وعودة اللاجئين من مخيمات تيندوف".

خطوات "أكثر جرأة"

لكن بالنسبة للجزائر فإنها تتطلع، حسب الخبير في القانون الدولي والدستوري، موسى بودهان إلى أن"تدعم جولة دي ميستورا مساعي الأمم المتحدة الرامية لإيجاد مخرج للنزاع المستمر منذ نصف قرن بالمنطقة، بما يحفظ للشعب الصحراوى حقوقه".

وأضاف بودهان لـ"الحرة" أن الجزائر تتطلع إلى خطوات أممية "أكثر جرأة، لتسريع وتيرة الحل الأممي، وضمان الحقوق الفردية والجماعية لأبناء الشعب الصحراوي بواسطة رقابة أممية على حقوق الانسان".

كما أفاد المتحدث أن المطلوب من المبعوث الأممي الأخذ بعين الاعتبار "قرارات المحاكم الأوروبية التي منعت الاستغلال غير القانوني لثروات الصحراء الغربية وشعبها من طرف المغرب وبعض شركائه الأوروبيين الذين يسعون إلى الاستثمار في قطاعات المعادن والصيد البحري".

وبرأي الخبير الجزائري، فإن دي ميستورا تنتظره "مهام كثيرة" في سياق تجسيد متطلبات السيادة الدولية، على حد تعبيره.