ساعات عصيبة تعيشها أسر المصريين المقيمين في أوكرانيا، منذ بدء الهجوم الروسي، قلقا على أبنائهم الذين بات أغلبهم يحاول الخروج من الأراضي الأوكرانية في ظل تصاعد الأحداث في مدن كثيرة.
ومع صعوبة التواصل مع الأبناء، ازداد القلق خلال اليومين الماضيين، ولجأ الأهل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، بحثا عن سبل اطمئنان يعرفون من خلالها أين وصل أقاربهم وكيف ستسير الأمور معهم.
إسلام شومان، ظل يبحث عن شقيقه محمد طوال يوم السبت، ولم يعرف مكانه حتى صباح الأحد.
وقال شومان لموقع "الحرة"، إن "شقيقه محمد يدرس طب الأسنان في كييف منذ خمس سنوات، ومع الساعات الأولى للقصف الروسي اتفقا على أن يتحرك شقيقه تجاه أي بلد حدودي حتى يغادر البلاد"، مضيفا أن "الأمور كانت تسير على ما يرام، حتى اختفى محمد ولم يتمكن من الوصول له نهائيا".
مضت ساعات القلق وكان محمد وأصدقاؤه من المصريين يعدون أنفسهم لركوب القطار إلى أي مدينة قرب الحدود البولندية، واستغرقت رحلتهم تسع ساعات كاملة قبل أن يجدوا أنفسهم في منطقة تبعد عن حدود بولندا مسافة 45 كيلومترا.
يقول إسلام: "انقطعت الاتصالات بعد نزول محمد من القطار، وبدأت أبحث عن أي طريقة أصل بها إليه، فكتبت على السوشيال ميديا بياناته وطريق سيره، منتظرا أن تأتيني معلومة تمكنني من الاتصال به حتى اتصل بي صباح اليوم الأحد، وأرسل لي صورة من مكانه قرب الحدود الأوكرانية البولندية".
أخبر محمد شقيقه أنه استقل سيارة بعد نزوله وأصدقائه من القطار إلى الحدود البولندية، لكن السائق توقف في منطقة بعيدة نسبيا عن مناطق العبور لعدم إمكانية المضي بهم هناك، فساروا تلك المسافة على أقدامهم من مساء أمس حتى التاسعة صباح اليوم، وخلال تلك الرحلة نفذت بطاريات هواتفهم، ومع سوء الاتصالات لم يستطع التواصل معه قبل صباح الأحد، أثناء انتظاره في طابور طويل لعبور الحدود إلى بولندا.
لم يكن إسلام وحده الذي يبحث عن شقيقه، فقد امتلأت صفحات السوشيال ميديا بآخرين يطلبون المساعدة في الوصول لذويهم، أو يعرضون المشكلات التي يتعرضون لها وتعيقهم عن الخروج من أوكرانيا، أملا في أن تساعدهم مجموعات المتطوعين في أوكرانيا أو رومانيا وبولندا في حل تلك المشكلات والفرار من المدن الأوكرانية.
عماد الفقي، كان واحدا من هؤلاء، يبحث عن ابن شقيقته للاطمئنان عليه، وقال لموقع "الحرة": "ما بين كل ست أو سبع ساعات، يتصل بي من النفق الذي يختبئ فيه عن طريق هاتف أحد الأشخاص الذين يختبئون معه"، مشيرا إلى أنه لا يستطيع الخروج من النفق.
وفي أحد الفنادق في رومانيا، انتهت رحلة مصطفى عطالله، التي بدأت من مدينة أوديسا جنوب أوكرانيا، بعد ارتفاع وتيرة الأحداث ودوي الإنفجارات.
وقال عطالله الذي يدرس الهندسة لموقع "الحرة": "تحركت مع مجموعة من زملائي عبر سيارة أجرة، اتفقنا مع سائقها على توصيلنا إلى الحدود الرومانية مقابل مبلغ من المال جمعناه من بعضنا. كان الطريق غير ممهد بشكل كاف لكنه كان أقصر الطرق ففضلنا أن نسلكه".
وأضاف: "حين بدأنا المغادرة كانت المعدات العسكرية الروسية تسير في شوارع أوديسا، ما جعلنا نعجل بالرحيل"، مشيرا إلى أنهم قطعوا بالسيارة مسافة 200 كيلو متر في ست ساعات، "حتى وصلنا الحدود الرومانية".
وتابع "على المعبر، أنهينا إجراءات الخروج إلى الأراضي الرومانية، ومنها إلى بوخارست بعد إخطار السفارة المصرية هناك، والتي أرسلت إلينا سيارة تنقلنا إلى أحد الفنادق حتى نجد طريقة للسفر إلى القاهرة".
الطريق الذي سلكه مصطفى ورفاقه كان واحدا من الطرق التي لجأ إليها المصريون في أوكرانيا للخروج إلى رومانيا، لكن طريقا آخر عبر حدود ملدوفا، لجأ إليه آخرون تحركوا في مجموعة قوامها 23 طالبا مصريا للرحيل إلى رومانيا.
أحمد قنديل، الطالب بكلية الصيدلة، كان بين هذه المجموعة، التي كان بينها 8 فتيات، اعتبروا أن طريق حدود مولدوفا الأكثر أمانا لهم رغم طوله عن باقي الطرق.
وقال قنديل لموقع "الحرة": "بحثنا عن حافلة، تنقلنا خارج أوديسا وفي الطريق سألنا وعرفنا أننا لا يمكننا دخول مولدوفا، لأنها ليست من دول الاتحاد الأوروبي وسندخل إلى هناك كلاجئي حرب ولكن سنحبس هناك، ولا نستطيع التحرك خارجها ففضلنا السير بمحاذاة حدود مولدوفا نحو رومانيا".
بدأت رحلة قنديل ورفاقه عصر الخميس، ووصلوا إلى نقطة العبور بعد نحو 20 ساعة تخللها عدة ساعات في مركبة نهرية، عبرت بهم نهرا بين أوكرانيا ورومانيا حتى وصلوا إلى أحد فنادق بوخارست في الساعات الأولى من صباح الأحد.
في القاهرة، كان مسؤولون في وزارة الهجرة، يجرون اجتماعات رسمية في محاولة لمتابعة الموقف، والاطمئنان على المصريين في مختلف المدن الأوكرانية مع تطورات الأزمة.
وقالت وزيرة الهجرة، نبيلة مكرم، في بيان إنها: "تتابع المصريين الذين تحركوا من الأماكن الخطرة، وموقف الحالات الإنسانية في أماكن الاختباء، والتأكد من سلامة الجالية المصرية في مختلف المدن بالإضافة إلى التيسيرات التي تقدمها السفارة المصرية في بوخارست للعابرين من أوكرانيا من حجز الفنادق وتذاكر العودة إلى القاهرة، وإتاحة أرقام تواصل مباشر لحل أي مشكلة تواجه المصريين خلال التوجه للمناطق الآمنة".
وخلال اجتماع لهم مع الوزيرة، عبر تطبيق زووم أعلن مسئولو الجالية المصرية في أوكرانيا عن أول إصابة لمصري في أوكرانيا جراء القصف، موضحين أنه مقيم يدعى محمد سعد محمد زايد.
وذكر البيان أن "زايد أصيب جراء قصف جوي في مدينة خاركوف، وحالته مستقرة ويتلقى الرعاية الطبية داخل أحد المستشفيات عقب إجراء جراحة له، وطلبت الوزيرة متابعة حالته والاطمئنان عليه".
وقال رئيس الجالية المصرية في أوكرانيا، علي فاروق، لموقع "الحرة" إن "المصريين في أوكرانيا يقدر عددهم بقرابة ستة آلاف مصري بين طالب ومقيم"، مشيرا إلى أن ثلاثة آلاف منهم يقيمون في المنطقة الشرقية وأغلبهم من الطلبة.
وأضاف: "هناك مجموعات عمل بين مسئولي الجالية في كل المدن تعمل طوال الأيام الماضية على الاطمئنان على المصريين وتحديد خطوط سير آمنة لمن يتحرك في اتجاه الحدود، وسيارات تسمح بنقل أعداد مع بعضها، لزيادة عامل الأمان بدلا من التحرك فرادى أو في مجموعات صغيرة".
وأوضح قنديل، أن "هناك بعض العقبات التي تواجه التحركات إلى الحدود من الأراضي الأوكرانية بينها تعطل المواصلات وانقطاع الاتصالات، وكذلك توقف البنوك وماكينات سحب الأموال عن العمل، ونحن نحاول التغلب على ذلك من خلال مجموعات عمل سواء داخل المدن الأوكرانية أو على المدن الحدودية في رومانيا وبولندا وغيرها حتى نطمئن على الجميع".
الأسئلة حول مصير الطلاب الراحلين عن أوكرانيا بسبب الحرب يبحث الجميع عن إجابتها، في ظل الأوضاع الراهنة، خاصة من يدرسون في السنة النهائية من كليات الطب أو الصيدلة أو الهندسة
وذكرت وزارة الهجرة المصرية، في بيان لها، أنها تلقت العديد من استفسارات الطلاب بشأن مستقبلهم التعليمي وموقفهم الدراسي، وأوضحت أنها "تتلقى كافة الاستفسارات والأوراق الخاصة بالطلبة المصريين عبر بريدها الإلكتروني وتنقل موقفهم بشكل تفصيلي إلى وزارة التعليم العالي المصرية لبحث الموقف واتخاذ ما تراه من إجراءات حيال ذلك".
