مع استمرار الغزو الروسي وتصاعد المعارك في أوكرانيا، تسود أجواء من الترقب وعدم الاستقرار في دولة مولدافيا الصغيرة، ولاسيما في منطقة ترانسنيستريا، التي كانت قد أعلنت نفسها جمهورية انفصالية معترفاً بها من قبل موسكو، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "إندبندنت".
وقد شهدت تيراسبول، عاصمة ذلك الإقليم الانفصالي الموالي لروسيا، تظاهرات، حيث قالت امرأة ناطقة بالروسية إن "المخربين" المؤيدين لأوكرانيا حاولوا تنظيم احتجاج مناهض لموسكو، سرعان ما تم قمعه، أعقبته مظاهرة أكبر مؤيدة لروسيا، قبل أن تأمر السلطات هناك بعدم خروج أي تظاهرات.
وتبلغ مساحة الإقليم الانفصالي نحو 4 آلاف كيلومتر مربع، ثلث سكانه من الناطقين بالروسية والثلثان الآخران يتحدثون الأوكرانية والمولدافية، ويبلغ عدد السكان فيه بشكل عام نحو نصف مليون نسمة.
وعبر خط التماس، في كيشيناو وغيرها من مدن مولدافيا، تتصاعد المخاوف أيضًا حيث تستقبل الدولة، التي تعد من بين الأفقر في أوروبا، عشرات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين الذين تدفقوا هرباً من الحرب المجاورة وتؤويهم.
وقالت الإعلامية في صحيفة زيارول دي غاردا الأسبوعية في مولدوفا، دانييلا كالميش: "البلد منقسم بالفعل فبعض الناس يؤيدون أوكرانيا والبعض الآخر يؤيدون روسيا".
وطالب وزير خارجية مولدافيا، نيكو بوبيسكو، في إيجاز مع الصحفيين الدوليين يوم الأربعاء بتقديم الدعم المالي والسياسي، قائلا: "نحن الجار الأكثر هشاشة لأوكرانيا ووضعنا معقد على جميع الجبهات الممكنة".
ومثل أوكرانيا، فإن هذه الجمهورية السوفيتية السابقة لديها رئيسة منتخبة شعبيًا تؤيد الانضمام للاتحاد الأوروبي وتصدت لعدد كبير من السكان الناطقين بالروسية والمتعاطفين مع الكرملين والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وعلى غرار أوكرانيا أيضا، تخضع تلك الدولة التي تبلغ مساحتها نحو 33 ألف كيلومترا مربعاً جزئيًا للاحتلال من قبل القوات الموالية لروسيا على طول جناحها الشرقي، وقد عانت من حرب دامت 20 شهرًا بين القوات الموالية لروسيا والقوات الموالية للغرب في أوائل التسعينيات مما أدى إلى سقوط 2000 قتيل.
وكانت مولدافيا، مثل غيرها من الجمهوريات السوفيتية السابقة، هدفًا لعمليات النفوذ والتلاعب السياسي الروسيين منذ فترة طويلة، في حين يخشى البعض أن تنهار الدولة الهشة، وهنا يوضح العضو البارز في البرلمان، دان بيرسيون، في مقابلة: "هذه مخاطرة كبيرة.. ولقد تحدثنا عنها منذ البداية."
وفي نهاية الأسبوع الماضي، زار وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكين، مولدافيا لإظهار الدعم لرئيستها، مايا ساندو، التي جرى انتخابها في عام 2020 في انتصار مفاجئ على شاغل المنصب الموالي للكرملين.
وقد طلبت ساندو تسريع محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، رغم أن مولدافيا تصر على أنها لن تنضم إلى حلف شمالي الأطلسي خوفا من تقويض التوازن السياسي الدقيق في البلاد.
وعقد مسؤولون بارزون في كل من الحكومة والمعارضة محادثات في محاولة لتهدئة التوترات السياسية، وفي هذا الصدد يوضح مواطن يدعى بوبيسكو: "منذ الاستقلال لم يكن لدينا مجتمع موحد عندما يتعلق الأمر بتفضيلات السياسة الخارجية والتوجهات السياسية".
ويبلغ عدد سكان مولدافيا حوالي 2.7 مليون نسمة، يعيش خمسهم تقريبًا في العاصمة كيشيناو وحولها، فيما يبلغ عدد سكان الإقليم الانفصالي ترانسنيستريا حوالي نصف مليون نسمة . ويوجد فيه حوالي 1300 جندي روسي داخل حامية بمنطقة تحتوي على بعض التلال، وتبعد حوالي 002 كيلومتر عن الحدود مع رومانيا العضو في الاتحاد الأوروبي والناتو، ولذلك ينظر إليها الناتو على أنها البؤرة الاستيطانية في أقصى الغرب للكرملين.
مخاوف وآمال
ويوم الأربعاء، خلال زيارة سرية استمرت يومًا كاملاً للجيب الانفصالي، تحدثت "إندبندنت" مع السكان حول مخاوفهم. في الأسواق والمقاهي، حيث قالت امراة وهي تقف قرب تمثال ضخم لمؤسس الاتحاد السوفياتي فلاديمير لينين: "من منظور أخلاقي، نحن قلقون جدًا مما يحدث في أوكرانيا.. نحن بلد متعدد الأعراق، ونحب حقيقة أن لدينا الكثير من التنوع هنا ".
وقالت امرأة أخرى لديها أقارب في مدينة ميكولايف الأوكرانية، التي تتعرض لهجوم روسي مستمر، إنها لم تسمع أي أخبار عنهم منذ بدء الحرب: "بغض النظر عن كيفية اندلاع الحرب، أنا متأكدة من أننا هنا في ترانسنيستريا سوف ندفع الثمن".
لقد أدت الحرب بالفعل إلى تعطيل تدفق البضائع من أوكرانيا، فضلاً عن تقسيم العائلات والأصدقاء، وفي هذا الصدد تقول ماريا وهي سيدة عمرها 60 عاما: "لا أستطيع أن أحكم على ما يجري هناك، أنا أبيع القبعات والأوشحة، ولكن البعض يقول إن الحرب جيدة وآخرون يرون أنها أمر سيئ".
ونوهت إلى أن ابنتها تعيش بالقرب من مدينة خاركيف شمال شرق أوكرانيا المحاصرة، وهي خائفة عليها.
وأشاد رجل عجوز ، جالسًا بين مجموعة من الأصدقاء في مقهى فاخر في تيراسبول، العاصمة الإدارية لجيب ترانسنيستريا، بالقوات الروسية لقتلها "النازيين" الأوكرانيين.
بينما قال ميخائيل، 33 عامًا، ويعمل مدير مطعم في بندر: "لا أختار أي طرف، فنحن في ترانسنيستريا، نعيش على كلا الجانبين، في هذا الجانب مولدافيا، وفي الجانب الآخر أوكرانيا".
وأوضح إنه يرفض مشاهدة الأخبار أو حتى التحقق من وسائل التواصل الاجتماعي ، لأنه لا يستطيع النوم بعد ذلك، مردفا: "كنت أذهب كل عام إلى شاطئ البحر في أوديسا"، في إشارة إلى منتجع البحر الأسود الأوكراني والمدينة الساحلية التي تتعرض الآن لتهديد القوات الروسية.
يبدو أن سكان مولدافيا، بشكل عام، يدعمون القضية الأوكرانية بقوة أكبر، فبعد فوز ساندو بفارق ضئيل في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2020، حاز حزبها المؤيد للاتحاد الأوروبي بـ 63 مقعدًا من أصل 101 مقعدًا برلمانيًا في انتخابات يوليو 2021.
و أظهر استطلاع حديث، أُجري بعد بدء الغزو الروسي، أن 66 في المائة من سكان مولدوفا يؤيدون اندماج البلاد في الاتحاد الأوروبي.
و قالت تاتيانا، وهي كاتبة تبلغ من العمر 46 عامًا في مكتبة في مدينة تشيسيناو: "أنا لست مع روسيا.. أنا أعتبر هذه الحرب كلها خطأ موسكو، لقد كانت لدينا بالفعل حرب في هذا البلد، وأتذكرها جيدًا، وأخشى أن يشتعل الصراع مرة أخرى في ترانسنيستريا".
"الحياد أفضل"
على عكس أوكرانيا، يكرس دستور مولدافيا الحياد في الصراع بين الشرق والغرب، وقد صرح المسؤولون المحليون مرارًا وتكرارًا أن البلاد لن تسعى إلى عضوية الناتو.
ومع ذلك، قام رئيس بيلاروسيا، ألكسندر لوكاشينكو والحليف الرئيسي للكرملين، بإدراج ترانسنيستريا على خريطة معركة للأصول الروسية في أوروبا الشرقية، وهي لفتة أثارت المزيد من القلق.
يشترك سكان مولدافيا أيضًا في اللغة والتاريخ مع رومانيا، ويحمل 40 في المائة على الأقل جواز سفر دولة أخرى عضو في الاتحاد الأوروبي.
و منذ الحرب في أوكرانيا، تشكلت طوابير طويلة من طالبي جوازات السفر في المراكز الدبلوماسية الرومانية الثلاثة في مولدافيا مع تزايد المخاوف من عدم الاستقرار.
ويقول المسؤولون في مولدافيا إن البلاد بحاجة إلى الاستعداد لمجموعة جديدة من التهديدات الناشئة عن الصراع المجاور.
وقالت وزيرة داخلية مولدافيا، آنا ريفينكو، في مقابلة: "عندما تكون هناك حرب على مقربة منك، فمن الواضح أن المخاطر على النظام العام والأمن تزداد بشكل كبير".
وزادت" إن وجود حرب قريبة حيث يكون المدنيون مدججين بالسلاح يزيد من مخاطر تهريب الأسلحة عبر الحدود ومخاطر تهريب البضائع".
ومولدافيا مستهدفة أيضًا من خلال حملات وسائل التواصل الاجتماعي باللغتين الرومانية والروسية، وعمليات التضليل المشتبه بها التي يدعمها الكرملين تهدف على ما يبدو إلى زعزعة استقرار البلاد من خلال تأجيج العداء تجاه اللاجئين والغرب.
وقال عضو البرلمان بيرسيون: "لقد رأينا حملة منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي تصور اللاجئين الأوكرانيين على أنهم لصوص و بغيضون، و من الواضح أن هناك محاولة لتأجيج الرأي العام".
من الناحية العسكرية، مولدافيا ضعيفة، فعلى الرغم من أن رومانيا ساعدتها خلال حرب ترانسنيستريا، فإن نونو فيليكس، ضابط العمليات الخاصة السابق بالجيش البرتغالي الذي شارك في تدريبات الناتو في البلقان، يقول: "لست بحاجة إلى جيش كبير لمحاولة غزوهم وقطع المداخل الرئيسية في البلاد”.
لكن الجشع قد يكون أقوى وسيلة تحول ضد التوغل في مولدافيا، إذ يستفيد حكام الأوليغارشية في ترانسنيستريا من سخاء روسيا ومولدافيا والاتحاد الأوروبي، ويبدو أنهم غير مستعدين للمخاطرة بمؤسساتهم المختلفة، والتي تضمن لهم تهريب البضائع وغسيل الأموال، والسيطرة الاحتكارية على التجارة.
وقال سكان ترانسنيستريا إن الحياة قد تحسنت في السنوات الأخيرة، ففي مدينة تيراسبول ازدهرت المتاجر والمقاهي الجديدة النابضة بالحيوية وكذلك المجمعات السكنية الفاخرة.
