مجموعة فاغنر قوة عسكرية روسية خاصة ذات علاقات وثيقة مع بوتين
مجموعة فاغنر قوة عسكرية روسية خاصة ذات علاقات وثيقة مع بوتين

كشف تمرد يفغيني بريغوجين، قائد مجموعة فاغنر، حجم الصراع داخل الصف الروسي في وقت تواجه فيه موسكو حربا طويلة في أوكرانيا.

وسلط تحقيق لبرنامج "الحرة تتحرى" الضوء على الأسباب التي دفعت فاغنر إلى شق عصا الكرملين، وحجم الصراع الذي كشفه تمرد بريغوجين داخل الصف الروسي، كما تتبع تأثير هذه الأحداث على مصير المجموعة وقائدها داخل لعبة موسكو السياسية.

ومجموعة فاغنر قوة عسكرية روسية خاصة، ذات علاقات وثيقة مع الرئيس، فلاديمير بوتين، وتم استخدامها في مناطق الحروب في أنحاء العالم، وفق صحيفة "نيويورك تايمز".

أما بريغوجين، قائد المرتزقة، فهو رجل أعمال ومؤسس مجموعة فاغنر. عُرف على مدى عقود بأنه "طباخ بوتين". ومن غير الواضح مدى صداقته مع الرئيس الروسي، لكنهما يعرفان بعضهما البعض، وكلاهما وُلدا وترعرعا في مدينة سان بطرسبرغ، وفق وكالة رويترز للأنباء.  

في 23 من يونيو من عام 2023، وفي خضم الحرب الروسية على أوكرانيا، خرج قائد مجموعة فاغنر، متهما موسكو بشن هجوم جوي على معسكر لقواته في باخموت، شرقي أوكرانيا.

وقال بريغوجين: "يجب وقف الشر الذي تسببت فيه قيادة البلاد العسكرية، تجاهلوا أرواح الجنود، نسوا العدالة، ونحن سنعيدها، لذا سنعاقب من ضربوا رجالنا اليوم، وحطموا حياة عشرات الآلاف من الجنود الروس".

ورغم أن وزارة الدفاع الروسية نفت رسميا تلك الاتهامات، نفذ بريغوجين تهديده صباح اليوم التالي، إذ استولت عناصر فاغنر على مقر قيادة العمليات الروسية في أوكرانيا المتواجدة في مدينة روستوف نادانو جنوبي روسيا.

وأعلن بريغوجين استيلاءه على المقر وقال في مقطع مصور: "نحن داخل مقر القيادة عند السابعة والنصف صباحا. المنشآت العسكرية في روستوف، بما في ذلك المطار تحت السيطرة، هرب رئيس هيئة الأركان من هنا بمجرد سماعه خبر اقترابنا من المبنى".

يقول المحلل السياسي الروسي، ديمتري بريغا، إن "سيطرة قوات فاغنر على روستوف نادانو كانت بمثابة رسالة بكل تأكيد، هي مدينة مهمة، كونها تحتضن القواعد العسكرية الروسية، وهي مركز تحكم القوات الروسية فيما يسمى العملية العسكرية الخاصة"، وهو الاسم الذي تطلقه روسيا على حربها ضد أوكرانيا.  

لكن بريغوجين لم يكتف بذلك، فبعد ساعات من السيطرة على المدينة الاستراتيجية، أمر قواته بالزحف نحو العاصمة، موسكو.

وكان ذلك أول تهديد مباشر للعاصمة الروسية، منذ الحرب العالمية الثانية.

يقول كولين كلارك، زميل أول في برنامج الأمن القومي، من معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركي: "خلال 48 ساعة، شهدنا أحداثا غير عادية، قاد يفغيني بريغوجين، قائد مجموعة فاغنر، تمردا، أو بشكل أوضح انقلابا على الدولة الروسية". 

وفي مواجهة أخطر تحدٍّ لحكمه المستمر منذ ما يقارب ربع قرن، هدد بوتين، بسحق التمرد. إذ أغار سلاح الجو الروسي على طابور فاغنر المتقدم نحو موسكو دون مقاومة تذكر على الأرض. 

وفي مقطع آخر، قال بريغوجين: "توقفنا في اللحظة، التي قامت فيها مفرزة الهجوم الأولى على مسافة 200 كلم من موسكو بنشر مدفعيتها واستطلاع المنطقة، وأصبح من الواضح أن الكثير من الدماء ستراق في تلك اللحظة، لذلك شعرنا بأن إظهار ما كنا سنفعله كان كافيا". 

حجم الصراع

يقول كلارك: " أعتقد أن حقيقة ما رأيناه يحدث، على الرغم من عدم اكتماله، أضر بالفعل بالمعنويات الروسية هناك انقسام حقيقي ولن يكون من السهل إصلاحه".

أما بريغا فيقول: "أعتقد حتى لو تم التخلص منها في المعركة في أوكرانيا، يمكن أن تكون لها دواع في دول خارجية، إن كان في القارة الأفريقية، وفي الشرق الأوسط، لأن شركة فاغنر لها دور مهم، لها دور اقتصادي وتجاري، وتأثيرها على مناجم الذهب وعلى حقول النفط، إن كان في سوريا أو في القارة الأفريقية، سوف يبقى هو المؤثر والأهم".  

ظهر مقاتلو فاغنر لأول مرة إلى العلن، في ربيع عام 2014، عندما استخدمت موسكو عناصر المجموعة خلال غزوها لشرقي أوكرانيا.  

ويقول الجنرال مارك كيميت، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق للشؤون السياسية والعسكرية، إن فاغنر "منظمة خاصة جدا ترعاها الحكومة، ليست ميليشيا على طريقة حزب الله، فتصنيفها يقع في منطقة رمادية، وأيضا وضعها القانوني غامض جدا، ويشمل ذلك عملياتها ومقاتليها على حد سواء".

ويضيف بريغا "كما هو معروف، هي ليست شركة مرخّصة، لأن في الدستور الروسي، يمنع استعمال المرتزقة، ومن الممنوع استعمال شركات أمنية خاصة، ولكن يبدو، بسبب قرب يفغيني بريغوجين، للرئيس فلاديمير بوتين، تم إغلاق هذا الملف، بأن شركة فاغنر تنتهك الدستور الروسي".  

واعتمادا على العلاقة الشخصية بين بوتين وبريغوجين تضخمت فاغنر عددا وعتادا، وامتدت أذرع المجموعة إلى الخارج بدءا من سوريا مرورا بالسودان وليبيا ودول في جنوب الصحراء الأفريقية وصولا إلى أميركا اللاتينية.

روسيا عززت نفوذها في أفريقيا بواسطة مجموعة "فاغنر"

يرى ماتياس بروغمان، باحث في شؤون روسيا وأوروبا الشرقية، أن نموذج عملهم هو القتال لأجل المصالح الروسية، فهم يحمون الديكتاتوريات في جمهورية أفريقيا الوسطى وأماكن أخرى، ويتقاضون رواتبهم من قادة هذه الدول عبر الحصول على حقوق وامتيازات في مناجم الذهب وغيرها من المواد الخام التي يمكنهم تصديرها بحرّية، مؤكدا أنها تجارة بمليارات الدولارات.

وإضافة إلى دورها الأمني والمالي في الخارج، ومع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، في شتاء عام  2022، استدعى الكرملين مرتزقة فاغنر إلى المعركة التي ازدادت شراسة يوما تلو الآخر.

وبحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس، لعبت مجموعة فاغنر دورا متزايدا وواضحا في الحرب على أوكرانيا، بعد أن عانت القوات النظامية الروسية من الاستنزاف الشديد، وفقدت السيطرة على بعض المواقع التي احتلتها عقب سلسلة من الاخفاقات المخزية.

ومنذ مايو من عام 2022، قادت فاغنر الهجوم الروسي على باخموت في شرقي أوكرانيا، واستمر القتال لعام كامل للسيطرة على المدينة ذات الموقع الاستراتيجي.

يقول كلارك: "في باخموت وحدها يُعتقد أن فاغنر خسرت ما يصل إلى 20 ألف من عناصرها، شعر بريغوجين أن قواته يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، وهم كذلك على مستويات عديدة".

ويضيف "فاغنر دخلت السجون الروسية وجنّدت المحكومين والمجرمين وغيرهم من السجناء لترسلهم إلى الخطوط الأمامية كوقود للحرب، ودفعت بهم إلى ما وصفه الكثيرون بمفرمة اللحم في باخموت".

وبحسب تقرير لرويترز، يظل العديد من المقاتلين الأحياء من السجناء السابقين مخلصين بشدة لبريغوجين الذي أعطاه بعضهم الفضل في منحهم فرصة ثانية في الحياة، فأولئك الذين يبقون على قيد الحياة لمدة ستة أشهر في أوكرانيا يحصلون على عفو من بوتين بموجب مرسوم سري.

ويقول بريغا إن "الكرملين يحاول قدر الإمكان جلب متطوعين جدد، جلب جنودا جددا، ليس من السهل جلب جنود من السجون بالطريقة الرسمية إلى القوات المسلحة الروسية، ولذلك تم جلبهم عبر شركة فاغنر، لأنه لا يتواجد هناك أي شيء يثبت قانونيا، بأنهم كانوا جنودا أو قُتلوا في المعركة".

أسباب الصراع

وفي مايو من عام 2023، ظهر بريغوجين من باخموت في مقطع مصور مليء بالشتائم.  وألقى باللوم على قادة وزارة الدفاع الروسية متهما إياهم بحرمان قواته من الذخيرة.  

وقال بريغوجين في المقطع: "هؤلاء الـ....  الذين لا يعطوننا أي ذخيرة سيذهبون إلى الجحيم".

ويرى كيميت أن "القادة العسكريين الروس وبريغوجين يتنافسون على نفس الموارد، كلاهما يحتاج إلى ذخيرة، إلى مزيد من القوات والإمدادات، ولكن أيضا على المستوى السياسي، يحاول القادة العسكريون أن يُظهروا لبوتين أنهم يقومون بعمل جيد، وبريغوجين يحاول ذلك أيضا، لذا هناك الكثير من المنافسة السياسية الجارية والتي تظهر في ساحة المعركة".

بريغوجين انتقد بحدة إخفاقات الغزو داخل روسيا والاستراتيجيات التي استخدمها وزير الدفاع، سيرغي شويغو، وقائد الجيش، فاليري غيراسيموف.

وكان بريغوجين قد عبّر عن "نقص بنسبة 70 في المئة في الذخيرة، شويغو! غيراسيموف! - أين الذخيرة الـ.....؟".

ويؤكد كيميت أن بريغوجين "حتى لو لم يخاطب بوتين مباشرة، فهو بالتأكيد يقصده، بوتين ديكتاتور يدير العمليات، بشكل لا يختلف عن تحريك (القائد النازي، أدولف) هتلر للوحدات الصغيرة على الأرض، لذا فكل رسالة موجهة له".

وبنهاية مايو من عام 2023، وبعد عام من الكر والفر، ورغم نفي حكومة كييف، أعلن بريغوجين قائد مجموعة فاغنر، سيطرة قواته على مدينة باخموت الأوكرانية. 

وأعلن بريغوجين حينها أنه "تم الاستيلاء على باخموت بالكامل بكل حدودها الإدارية وحتى آخر سنتيمتر".

ومع تأكيد بريغوجين جاء بعد أيام من اتهامه للجيش الروسي بالفرار من معارك باخموت ووقوع عبء احتلال المدينة بالكامل على قواته.

ويقول كلارك: "أعتقد أن أشخاصا مثل وزير الدفاع ورئيس (هيئة) الأركان الروسيين. قد سئموا بالفعل من بريغوجين وسلوكه الغريب فهو يجذب الكثير من الاهتمام لنفسه لدرجة قد تصل لعبادة الذات".

وبعد أقل من شهر من احتلال باخموت، حاول قادة موسكو العسكريون فرض سيطرتهم على بريغوجين ومجموعته. 

يقول نيكولاي بانكوف، نائب وزير الدفاع الروسي: "اعتمد وزير الدفاع في الاتحاد الروسي قرارا يحدد إجراءات تنظيم خدمات المنظمات التطوعية وتحدد الوثيقة توقيع مجموعات المتطوعين للعقود مع وزارة الدفاع قبل الأول من يوليو من هذا العام".

لكن بريغوجين رفض توقيع العقود فتحوّل من حليف إلى منافس شرس.

وفي مقطع، أكد قائد فاغنر أن "تلك الأوامر والمراسيم  التي وقعها شويغو (وزير الدفاع)،  تنطبق على موظفي وزارة الدفاع والجيش، فاغنر لن توقع أي عقود مع شويغو".

ويرى بريغا أنه "كانت هناك محاولة لإجبار شركة فاغنر على توقيع اتفاق مع وزارة الدفاع الروسية، ولكن يفغيني بريغوجين رفض. يريد أن يعطي الانطباع بأن قواته هي المهمة. هي تلعب دورا مهما في المعركة، هي القوات التي لها الكفاءة والتدريب العالي، وليس القوات المسلحة الروسية".  

وذكر بريغوجين أن "لدى فاغنر الخبرة الأعمق، وهيكلها فعال للغاية، ولسوء الحظ لا تمتلك معظم الوحدات العسكرية  مثل هذه الكفاءة، وهذا تحديدا بسبب حقيقة أن شويغو لا يستطيع إدارة التشكيلات القتالية بشكل صحيح".  

بريغا رجح أن القادة العسكريين قرروا إنهاء تواجد الجماعة، وقال: "يبدو أن سيرغي شويغو، وغيراسيموف، يريدون التخلص من شركة فاغنر، يرون بأن هذا المنافس هو مضر، يعني هو يهدد القوات المسلحة الروسية، يهدد وجودهم". 

وبنهايات يونيو من عام 2023، ووسط هذه الأجواء المتوترة، زعم بريغوجين وقوع غارة جوية روسية على معسكر فاغنر في باخموت، ما أسفر عن مقتل نحو 30 من رجاله.

يقول كلارك: "أحس بريغوجين بالاستفزاز، وشعر بأن قوات فاغنر لم تحصل على الإمدادات والذخيرة التي تحتاجها، ثم حدث الهجوم الصاروخي على معسكرهم، وكانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير".

وبأوامر من بريغوجين، استولى مقاتلو فاغنر على مقر قيادة العمليات الروسية في مدينة روستوف نادانو ثم تحركوا بكامل سلاحهم شمالا تجاه موسكو.

وفي اليوم ذاته، ظهر بوتين في خطاب متلفز مهددا بسحق المتمردين. 

وقال بوتين في خطابه: "أدت الطموحات المتهورة والمصالح الخاصة إلى الخيانة، خيانة الدولة وشعبها والقضية التي قاتل من أجلها جنود وقادة مجموعة فاغنر، إن الإجراءات التي سنتخذها لحماية وطننا من هذا التهديد ستكون قاسية، كل الذين اختاروا بإرادتهم طريق الخيانة والابتزاز والإرهاب ودبروا تمردا مسلحا سيواجهون عقابا لا مفر منه".

ويرى كلارك أن بوتين "ضرب قدمه في الأرض وقال: 'كفى'، فحدوث هذا الشجار أو القتال الداخلي شيء، ولكن عندما يخرج ليراه العالم بأكمله فإنه يُظهر روسيا بشكل سيء، ويُشعر بوتين بأنه ضعيف، ولا يملك السيطرة الكاملة على الموقف".

وتهديد بوتين بالقضاء على عصيان فاغنر بالقوة لم يُنفَّذ بعدما تدخل الرئيس البيلاروسي، ألكساندر لوكاشينكو، شخصيا لنزع فتيل الأزمة.

وقال لوكاشينكو: "فهمت أنه تم اتخاذ قرار قاس كان باطن الخطاب، هو القضاء على بريغوجين واقترحت على بوتين ألا يتسرّع". 

وبوساطة من لوكاشينكو، انتهت الأزمة باتفاق أُعلنت عناوينه وبقيت معظم تفاصيله غامضة.

في تقرير لوكالة أسوشيتد برس، بموجب الاتفاق الذي أعلنه المتحدث باسم الكرملين،  غادر بريغوجين إلى بيلاروسيا، بشريطة إسقاط التهم الموجهة بحقه بشن تمرد مسلح، كما أكد عدم محاكمة مقاتلي فاغنر الذين شاركوا في هذا التمرد، في حين عرضت وزارة الدفاع على من لم يشاركوا في التمرد توقيع عقود مقابل خدماتهم .

وبعد يومين فقط من تمردٍ طرق أبواب عاصمته، تغيرت نبرة بوتين في كلمة وجهها لمقاتلي فاغنر. 

وقال الرئيس الروسي حينها: "اليوم لديكم الفرصة لمواصلة خدمتكم لروسيا عبر توقيع عقد مع وزارة الدفاع أوغيرها من المؤسسات العسكرية والأمنية أو يمكنكم العودة إلى عائلاتكم وأقاربكم، ومن يريد المغادرة إلى بيلاروسيا، فله ذلك الوعد الذي قطعته، سوف يتحقق".  

بوبالنسبة لكيميت فهو يرجح "أن الرئيس الروسي سيستغل مجموعة فاغنر لأطول فترة ممكنة، لأن كل مرتزق يحارب في ساحة المعركة يعني عدم اللجوء لتجنيد مواطن آخر، وفي الوقت الحالي، يحاول بوتين الحفاظ على دعم مواطنيه للحرب في أوكرانيا".

وسط غموض يحيط بالأحداث، أعلن الكرملين أن بوتين التقى بريغوجين وقادة فاغنر، في 29 يونيو عام 2023. 

والاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات كاملة، انتهى بإعلان الحاضرين ولاءهم وتأييدهم لرئيس الدولة، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بوتين.

يقول بريغا: "لا أعتقد بأن شركة فاغنر تهدد الكرملين، بل العكس. يجب أن نفهم أن هذا التمرد لم يكن ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل كان ضد القيادة العسكرية الروسية، التي كان يرى يفغيني بريغوجين بأنها غير جادة في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، وبأنه يجب أن تكون هناك صرامة في العملية العسكرية الخاصة ضد القوات الأوكرانية، وتكون هناك استراتيجيات مختلفة".

وبعيدا عن الخلاف العسكري الذي نشب في أوكرانيا، تظهر استفادة موسكو من المجموعة على مستوى آخر قد يكون أكثر أهمية. 

يقول كلارك: "نمت فاغنر لتصبح تكتلا دوليا، إنها أكثر من مجرد مجموعة مرتزقة، فهناك شركات تعمل كواجهة لها، وتحافظ على حضور عالمي، ليس فقط في أوكرانيا، بل في ليبيا وسوريا وفي البلدان النامية جنوب الصحراء الأفريقية". 

وقدرت تقارير صحفية عالمية عوائد فاغنر بنحو سبعة 7 مليارات دولار.  

يقول تقرير صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إنه لسنوات عديدة، عمل جيش بريغوجين الخاص بهدوء كوكيل للسياسة الخارجية الروسية وساعدت قوات المجموعة المؤلفة من آلاف المرتزقة الكرملين على تأمين الموارد الطبيعية، والتأثير بالمشاريع في الدول الفاشلة ومناطق الصراع في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا.

وأضافت الصحيفة أنه، ومنذ التمرد، أرسل الكرملين مسؤولين إلى دول تعمل بها فاغنر، بما في ذلك سوريا ومالي، لطمأنة حكوماتها بأنه لن يكون هناك انقطاع في المساعدة الروسية. 

وبعد أقل من شهر من الهدوء النسبي، عاد قائد فاغنر لسابق عهده، ليقول في مقطع: "ما يحدث على جبهات القتال الآن هو وصمة عار، لا ينبغي أن نشارك فيه نحن بحاجة لانتظار اللحظة التي يمكننا فيها أن نظهر حقيقة أنفسنا". 

ومن منفاه في بيلاروسيا، ظهر بريغوجين ليؤكد تواجده على رأس المجموعة، وقال في مقطع مصور: "يجب أن نستمر في تحضير أنفسنا! - يجب أن نستمر في التطور! - أمامنا طريق جديد إلى أفريقيا! - ربما نعود إلى العملية العسكرية في أوكرانيا  في وقت نتأكد فيه من أننا لن نُجبر على تغطية أنفسنا وتراثنا بالعار". 

ويؤكد كلارك أنه "لم يذهب أحد إلى الحد الذي ذهب اليه بريغوجين .ولذا يتوقع البعض اقتراب نهايته حتى لو كان ذلك عبر إرساله بعيدا عن أوكرانيا إلى ساحات القتال في أفريقيا مثلا حيث يكون بعيدا عن الأنظار والذاكرة".

ويرى كيميت أن "للروس تاريخا طويلا في تصفية المنشقين. في الماضي، كانوا يقولون إن الهدف قد يجد نفسه بصحبة 9 غرامات من الرصاص، وهي الكمية المتواجدة في طلقة قد تصل مؤخرة الرأس، لكن في الوقت الحاضر هم يستخدمون البلوتونيوم، وأنواعا أخرى من السموم الكيماوية، لا أعتقد أن بريغوجين سيموت لأسباب طبيعية".

وعلى الرغم من اتفاق منح بريغوجين ملاذا في بيلاروسيا، لم تطو صفحة ثنائية الكرملين وفاغنر.

وربما كانت دعوة مقاتلي فاغنر لتوقيع عقود مع وزارة الدفاع الروسية، هي خطوة أولى لاحتواء الوحش الذي نشأ بمباركة بوتين.

جرف الصخر تتحول لقاعدة عسكرية إيرانية في العراق. أرشيفية
الحرة تتحرى تفتح ملف جرف الصخر العراقية وأهميتها العسكرية

في برنامج "الحرة تتحرى" استعرض الجزء الأول من تحقيق "جرف الصخر العراقية... العودة الممنوعة " قصة أهالي جرف الصخر في العراق، الذين أصبحوا نازحين في بلدهم، ورغم مرور 10 سنوات على تحرير المنطقة من داعش تعتبر العودة لبلداتهم محرَّمة عليهم.

وفي الجزء الثاني القصة، يستعرض برنامج "الحرة تتحرى" الأهمية العسكرية للمنطقة باعتبارها مركزا للتصنيع الحربي أكان في عهد النظام السابق، أو بعدما أصبحت خاضعة لسيطرة الميليشيات الموالية لطهران، والتي يصفها البعض بأنها أصبحت "قاعدة عسكرية إيرانية" داخل العراق.

جرف الصخر هي واحدة من خمس نواحٍ في قضاء المسيب في العراق، تتبع إداريا محافظة بابل، وتقع على بعد نحو 60 كلم جنوب غرب بغداد. تضم عدة قرى وبلدات، من بينها واحدة تحمل اسمها، وتعد المركز الإداري للناحية.

في أواخر أكتوبر من عام 2014، أصبحت جرف الصخر ضمن قائمة المناطق العراقية المحررة من تنظيم داعش، لكن تزامن ذلك مع إخلاء لسكان الناحية على يد قوات الحشد الشعبي.

مايكل نايتس، زميل بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قال لـ"الحرة" إنه في عام "في 2014 ولموقعها الاستراتيجي جنوب بغداد، استولت قوات الحشد الشعبي على جرف الصخر، واتخذتها قاعدة عسكرية ومنذ ذلك الحين بقيت المنطقة تحت سيطرة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وتعد واحدة من أضخم ثلاث قواعد لتلك الميليشيات في العراق".

مقربون من الحشد الشعبي أكدوا دخول الحشد الشعبي جرف الصخر، وقال المحلل السياسي العراقي، مفيد السعيدي: "دخلت قيادات الحشد الشعبي، وألوية الحشد الشعبي، بعد أن ذهب أكثر من ثلث مساحة العراق في يد عصابة داعش الإجرامية. القوات الأمنية بصورة عامة، والمنظومة السياسية، وحتى منظومة الحشد الشعبي، هي دفعت الدماء وضحت، ولازالت تضحي، من أجل لملمة شتات الوضع العراقي، ودحر العصابات الإجرامية بصورة عامة".

سبع سنوات مرت على إعلان الحكومة العراقية الانتصار على تنظيم داعش، وانتفى السبب وراء دخول قوات الحشد الشعبي إلى جرف الصخر ، ولكن إلى اليوم لا يزال المكان تحت سيطرة كاملة للفصائل المسلحة، وسكانه مهجرين بعيدا عن منازلهم، وقد يعود ذلك إلى المكانة العسكرية والاستراتيجية لهذه المنطقة.

سامي الجارالله، عالم فيزياء عراقي يقول لـ"الحرة" إن "جرف الصخر تقع عليه ثلاث منشآت مهمة وهذه مجهزة أبنية كاملة جاهزة، وهي مخصصة للأمور العسكرية. هي كانت مبنية بناء جيدا جدا، ومسيَّجة، من ناحية الخدمات، كلها جاهزة، ككهرباء، كمياه المجاري (الصرف الصحي)، كل شيء فيها، كل الخدمات، التي يتم احتياجها هي موجودة، وممكن أن تكون معسكرا كاملا".

المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة، ناجي حرج، يقول: "المعلومات لدينا هي أنه استخدمت بعض المصانع القديمة، التي كانت تابعة للدولة قبل عام 2003، وأنه يجري التعاون مع الحرس الثوري الإيراني في كل هذه القضايا. عندما لا يسمح لأي مسؤول عراقي بالذهاب إلى جرف الصخر، والتجول في جرف الصخر، وعندما لا يسمح للأهالي بالعودة، إذاً هنالك أمر خطير جدا يجري إخفاؤه".

النائب العراقي السابق، محمد سلمان الطائي، يشير من جانبه إلى انتهاء عمليات التحرير "ولم يسمح للسكان بالعودة إلى مزارعهم، وإلى بيوتهم، وإلى مساكنهم، مثلما سمح لمئات الآلاف من النازحين، من العمليات العسكرية في باقي المحافظات".

رئيسة لجنة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي المعنية بالاختفاء القسري، باربرا لوشبيهلر، ذكرت أنه "أحيانا يخرج الأشخاص الذين يتحكمون في المنطقة لنقل ميليشيات معينة، ويهددون علنا أي مسؤول عراقي 'إذا اقتربت من المكان ستندم'، وهذا يعني أن الناس خائفون جدا من الذهاب إلى جرف الصخر، أو حتى التعامل مع هذا الملف".

توجهت "الحرة" بسؤال للمحل السياسي، السعيدي، عن أسماء الفصائل الموجودة في جرف الصخر، لكنه رفض تسمية أي منها، ولفت إلى أنه "في تلك المنطقة، ألوية حشد شعبي، لا أريد أن أسميها".

متابعون للملف أكدوا أن أكثر الميليشيات سيطرة على المنطقة هي: كتائب حزب الله، المدرجة منذ عام 2009 على القوائم الأميركية للمنظمات الإرهابية العالمية.

ويقول نايتس: "تأسست كتائب حزب الله على يد أبو مهدي المهندس، الحليف الأكثر ولاء لإيران داخل العراق، والذي عمل بشكل مباشر مع الجنرال قاسم سليماني، وعندما دخلت قوات الحشد الشعبي جرف الصخر، عام 2014، شكلت هذه الكتائب قوة القتال الرئيسية، فحصلت على هذه المنطقة القيّمة جنوب بغداد، لأنها كانت أهم ميليشيا عراقية مدعومة من طهران".

واحتفاءً للميليشيات بالسيطرة الكاملة، غيرت قوات الحشد الشعبي اسم الناحية إلى جرف النصر وأعلنتها منطقة مغلقة يُمنع دخولها.

ويلفت تقرير معهد دراسات الحرب الأميركي إلى أن "جرف الصخر، كانت في السابق، منطقة ذات غالبية سنية لتصبح اليوم ذات أغلبية شيعية، تهيمن عليها كتائب حزب الله وتمنع السكان السنة من العودة، وتبعد قوات الأمن العراقية الأخرى عن المنطقة، لإخفاء أنشطتها عن حكومة بغداد".

ويوضح نايتس "لم تدمر قوات الحشد الشعبي جرف الصخر عندما اقتحمتها، بل على العكس فبعد طرد السكان، هيمنت تماما على المنطقة، لكن مع الحفاظ على البنى التحتية سليمة قدر الإمكان".

وهنا يطرح السؤال: لماذا كان هذا الحرص وسط قتال عنيف ضد عناصر داعش؟

ويقول نايتس إن "المنطقة المجاورة لجرف الصخر كانت مركز المجمع الصناعي العسكري في عهد صدام حسين، وبالتالي كانت موقعا للمنشآت، الخاصة باختبار القذائف والصواريخ".

ويؤكد ذلك الفيزيائي العراقي، الجارالله، الذي كان واحدا من العلماء الذين عملوا في مختبرات جرف الصخر قبل عام 2003، قائلا: "جرف الصخر تقع في شمال محافظة بابل. منطقة غالبيتها، هي منطقة زراعية. المكان الذي كنا فيه بعيد عن المنطقة الزراعية، بعيد عن النهر. كان اسم المشروع '190'، أو 'الأثير'. المنشأة الثانية 'الرحاب;، التي كانت تخص المختبرات البيولوجية، ومختبر ودائرة أخرى أيضا، تابعة لهيئة التصنيع العسكري، التي هي 'منشأة الشهيد'".

ولا تقتصر أهمية المنطقة على وجود المنشآت العسكرية فقط، بل تتضاعف باعتبارها كانت ساحة شاسعة لاختبار الأسلحة.

ويشرح العالم الجارالله "بعد جرف الصخر، داخلين إلى صحراء الأنبار، فمن هذا المنطلق، كانت هي ميدان رمي لفحص المنتج، المقذوفات والأعتدة، التي كانت تُصنع، فهذه المنطقة هي كانت متخصصة لفحص المقذوفات، بكل أنواعها تقريبا، التي (كانت) تنتج آنذاك بالعراق".

جرف الصخر تتضمن قواعد لتدريب المقاتلين . أرشيفية

هذه البنى التحتية الحربية، جعلت من جرف الصخر في نظر مراقبين موقعا جاهزا للاستخدام لمن يملك السيطرة الكاملة على المنطقة.
 
ويرى نايتس أن "المنطقة صالحة للاستخدام، أولا، هي مجهزة بتوصيلات الكهرباء الصناعية على شبكة الطاقة العراقية، وثانيا، بها مصانع كبيرة يمكن تنظيفها وإعادتها للعمل، ثالثا، هي تحتوي على منشآت ضخمة تحت الأرض محصنة ضد الهجمات العسكرية، وبالإمكان إخفاء الكثير داخل تلك الأنفاق الكبيرة كمراكز تصنيع الطائرات المسيرة والصواريخ".

جرف الصخر عبر الأقمار الصناعية

لا عودة لأهالي جرف الصخر. أرشيفية

ودخلت "الحرة تتحرى" جرف الصخر عبر العالم الافتراضي، من خلال صور الأقمار الصناعية بحثا عن أدلة على وجود أنشطة عسكرية بداخلها.

وفي صيف عام 2018 نشرت وكالة رويترز خبرا مفاده نقل إيران صواريخ باليستية لجماعات شيعية تقاتل بالوكالة عنها في العراق.

وأفاد التقرير "تطور إيران قدراتها على صنع المزيد من الصواريخ في العراق، لدرء الهجمات المحتملة على مصالحها في الشرق الأوسط، ولامتلاك وسيلة تمكّنها من ضرب خصومها في المنطقة".

بعدها بثلاث سنوات وفي الذكرى السابعة لتأسيسها استعرضت قوات الحشد الشعبي أسلحتها في عرض عسكري كان الأكبر من نوعه.

الأكاديمي والباحث السياسي الإيراني، حسين رويران، لم ينكر في مقابلة مع "الحرة" تزويد إيران الحشد الشعبي بالعتاد الحربي.

وقال رويران: "إيران ساعدت في بناء الحشد الشعبي، وقامت بتدريبه وتسليحه أيضا، جل السلاح الموجود بأيدي الحشد الشعبي هو إيراني".

لا أحد يستطيع دخول جرف الصخر عير الميلشيات الموالية لإيران. أرشيفية

إيران زودت الحشد الشعبي بالأسلحة الخفيفة، وكذلك بالمسيرات، وكذلك نعم حتى الصواريخ. وهذا ضمن صفقات سلاح بين الطرفين، من هنا هل يمتلك الحشد الشعبي صواريخ؟ نعم هو يمتلك صواريخ.

وفقا لتقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومن بين أكثر من 60 فصيلا يشكلون الحشد الشعبي، تسيطر كتائب حزب الله على الإدارات الرئيسة، ومن بينها الصواريخ.

ويقول نايتس: "كتائب حزب الله مجموعة موالية جدا لإيران، فيلق القدس في الحرس الثوري بناها وطورها، أفرادها عراقيون، لكنها في الأصل وحدة تابعة لفيلق القدس داخل العراق، وهذا يعني أنها نادرا ما تفعل أي شيء بدون أوامر أو على الأقل موافقة طهران".

وأشار إلى "أن كتائب حزب الله تستخدم بشكل أساسي الطائرات المسيرة والصواريخ وأنظمة الراجمات المقدمة من إيران".

اليوم، وطبقا للخبراء، تفرض كتائب حزب الله سيطرة كاملة على جرف الصخر.

عالم الفيزياء العراقي، الجارالله، رجح تخزين الصواريخ الإيرانية في نفس المنطقة التي كانت قبل عام 2003 مركزا للصناعة الحربية العراقية.

وقال: "الصواريخ البالستية خزْنها، يكون له معايير معينة معين، وهذه المعايير موجودة في المباني، التي كنا فيها، في موقع الأثير، الذي كان يسمى موقع 190. فلذلك، إذا أرادوا البحث عن مكان، لوضع كل أنواع الأسلحة في مكان آمن وأبنية جاهزة، فهو جرف الصخر، وتحديدا موقع الأثير".

الميلشيات الموالية لإيران تسطير على جرف الصخر

بعض المتابعين للملف ربطوا بين ذلك وقرار صدر عن الحكومة العراقية، عام 2018، العام ذاته الذي ظهرت فيه أخبار عن نقل إيران لصواريخ إلى الميليشيات الموالية لها في العراق.

ويشير نايتس إلى أنه "بين عامي 2018 و2019 منعت حكومة عادل عبد المهدي الطائرات الأميركية المسيرة من التحليق فوق جرف الصخر، ما سمح خلال هذه الفترة بإخفاء عدد من شحنات الأسلحة الإيرانية في المنطقة، التي تعتبرها طهران مخزنا آمنا للصواريخ الباليستية في العراق، فهي تحتوي على عدد كبير من المباني الفارغة، ولا يسمح لأي مدني أو وسيلة إعلام بدخولها".

وتواصلت "الحرة" مع مستشارين للحكومة العراقية للتعليق ولكنهم اعتذروا لحساسية الموضوع.

ووسط إغلاق تام، دخلت "الحرة" إلى جرف الصخر عبر تطبيق غوغل إيرث، والذي أتاح فرصة مراقبة ورصد أي تغيير حدث في المنطقة.

حتى يوليو عام 2022، كانت منشآت التصنيع الحربي السابقة في أماكنها على مدى العقدين الماضيين، ما يجعلها وفقا لتحليلات متخصصين، مكانا مناسبا للميليشيات المسلحة.

ويقول نايتس من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: "لدى كتائب حزب الله عدد من القواعد داخل جرف الصخر من بينها مقر كبير للقيادة، هذه مبان محصنة فيها قسم للمستشارين الإيرانيين ومرافق اتصالات مؤمنة يمكنها استقبال البث المشفر من إيران، كما توجد عدة مراكز للتدريب بعضها مخصص للقناصة، ومشغلي الأسلحة الثقيلة والقوات الخاصة، فضلا عن مواقع للتدرب على تجميع وتشغيل الطائرات المسيرة".

جرف الصخر لم تعد تحت سيطرة الحكومة العراقية

على الرغم من إخلاء سكان الناحية بالكامل، وإعلان الميليشيات استمرار بقائها في جرف الصخر بحجة حفظ الأمن إلا أنه بالعودة إلى غوغل إيرث لوحظت حركة بناء في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة.

إذ تظهر الخرائط موقعا قريبا من محطة توليد الطاقة والذي كان خاليا قبل دخول الحشد الشعبيا في  أكتوبر عام 2014، وبعدها بسنتين بدأ هذا المبنى في الظهور والتوسع.

لكن الدليل على وجود حركة نقل ضخمة من المنطقة وإليها يظهر في أرض خالية، في عام 2014، تحولت، بحلول عام 2018، إلى محطة لتفريغ عشرات الشاحنات ذات الحمولة المجهولة.

ويقول عالم الفيزياء، الجارالله: "بالإمكان استخدام المواقع الثلاثة، هذه الأثير 100 بالمئة يستغلونها، ساكنين بها. البقية هل هي يستخدموها أم لا؟ لكن كون هذه أبنية فعلا جاهزة، أنا لا أعتقد سيتركها، وإنما تستغل. لماذا؟ لأنها أفضل أبنية مؤثثة وضمن المعايير العسكرية، ولذلك هي تكون مطلوبة لهذا النوع من الخزن، الذي هو خزن الصواريخ البالستية، لأن قاعات ضخمة هي مخصصة لهذا الشيء".

في المقابل، ينفي مقربون من طهران والحشد الشعبي وجود أي قواعد أو قوات إيرانية لا في جرف الصخر ولا في العراق.

ويقول الباحث الإيراني، رويران: "ما يطرح أن إيران موجودة في بعض القواعد في جرف النصر، أو في أي مكان آخر، في تصوري هو يعني اتهام ترفضه إيران. نعم، لإيران حلفاء في العراق، ولكن ليس هناك من تواجد عسكري إيراني في أي قاعدة من قواعد الحشد الشعبي. تلتقي إيران أيديولوجيا مع الكثير من الفصائل في العراق، ولكن هذا لا يعني أن إيران متواجدة ميدانيا، أو تدير عمليات معينة من داخل العراق".

جرف الصخر بلدة تقع جنوب غرب العاصمة بغداد وخضعت لسيطرة تنظيم داعش قبل هزيمته

ربما لا توجد قوات لطهران على أرض العراق، لكن الدلائل تشير إلى أن الصواريخ المستخدمة في الهجمات على قواعد تستضيف قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة كانت صواريخ إيرانية.

في ربيع عام 2020، شنت كتائب حزب الله هجوما صاروخيا على قاعدة تستضيف قوات التحالف الدولي في معسكر التاجي شمالي بغداد ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود.

وردت الولايات المتحدة بقصف خمسة مواقع تابعة للميليشيا، من بينها جرف الصخر.

وقال بيان لوزارة الدفاع الأميركية آنذاك: "استخدمت الولايات المتحدة الطائرات لمهاجمة مواقع الأسلحة التابعة لميليشيا كتائب حزب الله المدعومة من إيران، موقعان في جرف الصخر، أحدهما لتخزين الصواريخ الثقيلة المطورة والآخر لإنتاج وقود الدفع وتخزين أسلحة تقليدية متقدمة".

وأضاف "نحن واثقون من أننا دمرنا هذه المنشآت بشكل فعال، ونتوقع أنها لن تكون قادرة بعد الآن على إيواء أنواع الأسلحة المتقدمة التي قدمتها إيران، واستخدمتها الميليشيا في الهجمات على معسكر التاجي".

بالرغم من ذلك استمرت هجمات الميليشيات على قواعد التحالف الدولي لتتصاعد إلى أكثر من 170 هجوم منذ خريف عام 2023.

وفقا لتقارير أميركية، لم تعد جرف الصخر مجرد مخزن للأسلحة الإيرانية، ويقول نايتس: "لدينا عدد من المناسبات التي تم فيها استخدام جرف الصخر كموقع إطلاق متقدم للصواريخ الإيرانية أو أنظمة الطائرات المسيرة، ونمتلك دليلا على ذلك وهو الخريطة التي أصدرتها وزارة الدفاع الأميركية، وتوضح أن الهجوم على قاعدة (تستضيف) التحالف في التنف في سوريا صيف عام 2022 حدث باستخدام مسيرة أطلقت من جرف الصخر".

معسكر الميليشيا في جرف الصخر تعرض للقصف في مارس الماضي

ويقول المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة، حرج، إن "الميليشيات سيطرت على المدينة وهجرت الناس من المساكن. جرف الصخر أغلقت تماما بوجه عودة الناس الذين كانوا يسكنون فيها، إذا أنتم حررتم المدينة من الإرهابيين، والآن هنالك قرابة عشر سنوات من سيطرة مطلقة لكم (الميليشيات) على المدينة، ومداخلها ومخارجها، يفترض الآن أن المدينة آمنة جدا، وبالتالي لا بد أن يعود الناس إلى مساكنهم، وإلى قراهم، ويمارسوا حياتهم الطبيعية، بدلا أن يبقوا يعانون الأمرّين، كونهم الآن نازحين في مناطق أخرى".

وبعد عشر سنوات من تهجير أهالي جرف الصخر قد يكون أملهم في العودة بعيد المنال، فالأهمية الاستراتيجية والعسكرية لبلدتهم تحتّم عليهم البقاء نازحين داخل وطنهم ، أما الميليشيات ومن خلفها، إيران، فلا تبدي أي نية للجلاء عن المنطقة.