صواريخ جافلين مكنت الجيش الأوكراني صد الهجمات الروسية
صواريخ جافلين مكنت الجيش الأوكراني صد الهجمات الروسية

بعد مرور أكثر من عام ونصف على الغزو الروسي لأوكرانيا، فشلت موسكو في إخضاع جارتها، ولم تحسم المعركة خلال أيام، أو حتى أسابيع، ولم ترفرف أعلام الكرملين فوق كييف، كما توقعت حينها.

ويسلط برنامج "الحرة تتحرى" الضوء على الأسلحة الغربية في أوكرانيا، وكيف غيّرت معادلة الحرب.

يقول الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن العدوان الروسي "فشل"، بعد مرور 522 يوما على ما أطلقت عليه موسكو اسم "العملية العسكرية الخاصة"، والتي توقعت القيادة الروسية أن تنهيها خلال أسبوع أو أسبوعين، مضيفا أن "أوكرانيا تزداد قوة، وتدريجيا انتقلت الحرب إلى الأراضي الروسية".

ويقول مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق، مايك مولوري: "اعتقدنا جميعا أن روسيا، التي تعتبر من أكبر القوى في العالم، ستكون قادرة عسكرياً على الاستيلاء على أوكرانيا، البلد الأصغر منها بأربع مرات".

وبعد أسبوع واحد من بدء الغزو، تغيرت المعادلة، وبشكل سريع لصالح أوكرانيا، وهو تغيّر أرجعته تقارير متخصصة لوصول أسلحة غربية، مكّنت كييف من تحدي الدب الروسي.

وفي تقرير صحيفة "Business Insider" الأميركية، من بين هذه الأسلحة، الصواريخ المضادة للدبابات المحمولة على الكتف، وطائرات بدون طيار، وراجمات صواريخ ذاتية الحركة، وهي أنظمة غيرت قواعد اللعبة، وساعدت أوكرانيا في إخراج حملة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن مسارها، وعزّزت قدرات كييف العسكرية.

وبمرور الوقت، وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، تمكنت القوات الأوكرانية من تحرير نصف الأراضي التي استولت عليها روسيا في بداية الغزو.

ويقول المحلل العسكري الروسي، بافل فيلغين هاور: "ظهرت أسلحة موجّهة ودقيقة، ساعدت الأوكرانيين ليس فقط على الصمود، لكن أيضًا على تحدي الروس على الصعيد الاستراتيجي".

الغرب يساند كييف في مقاومة جحافل الكرملين

ويقول القائد في القوات المسلحة الأوكرانية، فيكتور تريغيبوف، إن "الأسلحة الغربية كانت المُنقِذ، ليس فقط لجيشنا ولكن أيضا للمدنيين، فهي أسلحة دقيقة للغاية من المدفعية إلى الصواريخ، مروراً بالأسلحة قصيرة ومتوسطة المدى". 

وبعد إعلان بوتين بدء "عمليته العسكرية الخاصة" في أوكرانيا، تقدمت القوات الروسية بشكل كاسح خلال الأيام الأولى للحرب، فسيطرت على ما يقارب ربع الأراضي الأوكرانية، ووصلت إلى تخوم العاصمة، كييف.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشنكوف: "خلال الـ24 ساعة الماضية، حاصرت القوات المسلحة الروسية بالكامل مدينتي خيرسون وبيرديانسك، وقصفت القوات المسلحة الروسية 975 منشاة حيوية عسكرية في أوكرانيا".

ووفقا لأرقام معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد أنفقت روسيا على قواتها المسلحة ما يصل إلى 72 مليار دولار أميركي، عام 2022، أي حوالي 10 أضعاف ما تنفقه أوكرانيا في المجال العسكري. 

وفي نفس العام، وبحسب موقع "Global Fire Power"، كانت روسيا ثاني أقوى دولة عسكريا، بينما احتلت أوكرانيا المرتبة 22.

وعلق كبير الباحثين في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بيتر دي ويزمان، على ذلك، بالقول: "خلال الغزو الروسي، أوائل عام 2022، استخدمت الترسانة الكاملة للأسلحة المتواجدة لدى الروس، وبالطبع لدى الأوكرانيين، مع الاختلاف هو أن كمية الأسلحة لدى أوكرانيا أقل، نظرًا لكون روسيا دولة أكبر بكثير".

واعتمد الجيش الأوكراني في بداية الحرب على ما ورثه من الاتحاد السوفيتي، عقب تفكك الكيان الشيوعي في أوائل التسعينيات.  

عتاد قديم مقارنة بترسانة روسية ضخمة

وقال المستشار في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي، مارك كانسيا: "بدأت أوكرانيا الحرب بـ 850 دبابة تنتمي للحقبة السوفيتية، لذا زودتها الولايات المتحدة، ودول حلف شمال الأطلسي في البداية بحوالي 300 دبابة من طراز T 72،  بالإضافة إلى قطع المدفعية، والكثير من الذخيرة لهذه الأسلحة السوفيتية".

وخلال الأيام الأولى للحرب، ومع تزايد التهديد الروسي، لم تكتف كييف باستقبال نسخ من معدات كانت تملكها بالفعل، وبدأت تطالب بأسلحة غربية متطورة، لكن تلك الطلبات لم تتم تلبيتها على الفور.

وقال المحاضر في العديد من الجامعات البريطانية، الباحث في النزاعات المسلحة في الاتحاد السوفيتي السابق، حسين آلييف، والذي نشر عدة أبحاث حول الصراع الروسي الأوكراني: "تباطأت معظم الدول الغربية في توفير أنواع الأسلحة المطلوبة، نظرا لبعض الاعتبارات السياسية لدول حلف الناتو، لذلك كان هناك تباين واضح بين ما يحدث على مسرح الحرب، وبين الإمدادات العسكرية".

لكن وبعد أسبوع من بدء الغزو، بدأت أولى شحنات الأسلحة الغربية في الوصول إلى أوكرانيا.

وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد أرسلت الولايات المتحدة المئات من صواريخ "ستينغر" للدفاع الجوي، وما يقارب ألفي صاروخ من طراز "جافلين" المضاد للدروع.

وهي أسلحة اختارتها واشنطن بعناية، وبغرض تحييد نقاط القوة الروسية، خاصة المدرعات.

القديس جافلين

وقال المستشار في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي، مارك كانسيان: "أرسلت الولايات المتحدة والناتو، أسلحة من السهل استخدامها، ولا يستغرق التدرب عليها وقتا طويلا، مثل صواريخ جافلين". 

وأضاف: "مكّن ذلك الأوكرانيين من صد الهجوم الروسي، الذي بدأ في فبراير عام 2022، إذ استحوذ (صاروخ) جافلين على الاهتمام بسبب قدرته على إيقاف المدرعات، فأُنشِدَت له الأغاني، ولُقِّب بالقديس جافلين".

وأشارت وكالة "فرانس برس" إلى أن قاذفات جافلين، أميركية الصنع، "يمكنها اختراق الدبابات الأكثر تطورا في العالم، خصوصا الدبابة الروسية T 90، مع وصول مداها إلى 2500 متر".

ويطلق الصاروخ إلى ارتفاع يصل إلى 160 مترا ثم يسقط عموديا على هدفه، وهذا المسار من الأعلى هو ما يجعل صواريخ جافلين سلاحا فعالا جدا ضد الدبابات،  إذ أن فتحات دخول المدرعات متواجدة في الجهة العلوية، وهذا هو المكان الأضعف. 

وبحسب قوات الجيش الأوكراني، لعبت صواريخ جافلين (أو الرُمح بالعربية)، دوراً أساسياً في دحر الهجوم الروسي على كييف، بعد أن خسرت موسكو ما يقارب 1500 دبابة ومدرعة.

وقال القائد في القوات المسلحة الأوكرانية، فيكتور تريغيبوف: "بالفعل كانت صواريخ جافلين فعالة أثناء معركة كييف، لأنها سمحت لنا بنصب كمائن ضخمة للدبابات الروسية في الغابات شمال العاصمة، لقد كانت حقًا لعنة على الروس ومنقذةً لنا".

وفي 6 من أبريل عام 2022، انسحبت القوات الروسية من محيط كييف بشكل كامل لتعلن وزارة الدفاع الأميركية بعد أسبوعين، عن بداية مرحلة جديدة من الدعم العسكري لأوكرانيا.

وهي مرحلة خطط لها في مبنى البنتاغون، وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، مع مساعديه.

تفاصيل هذه الخطة  

في مايو عام 2023، كشف تقرير لمجلة "بوليتيكو" عن قيام وزير الدفاع الأميركي، بدعوة مسؤولي 40 دولة غربية في قاعدة رامشتاين الجوية جنوب غربي ألمانيا.

والاجتماع، الذي عُقد بعد شهرين من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، كان بغرض دعم كييف بالمزيد من الأسلحة المتطورة.

ووفق تقرير "بوليتيكو"، فقد أطلق أوستن على المجموعة اسم "مجموعة الاتصال الدفاعية مع أوكرانيا"، والتي اجتمعت لأول مرة، في 26 من أبريل عام 2022، في رامشتاين.

ومنذ ذلك الحين، يجمع الوزير الأميركي القادة العسكريين لأكثر من 40 دولة في ألمانيا كل شهر، وعادة ما ينتهي الاجتماع الذي يستمر لساعات، بسؤال من مدير شؤون الأمن الدولي في البنتاغون لكل دولة مشاركة عن قائمة الأسلحة التي ستقدمها لأوكرانيا.

وقال المستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي، مارك كانسيان: "كان تأثير ذلك مهما للغاية، ومكّن كييف من وقف الروس وتحقيق الاستقرار في الخطوط الأمامية، فلولا دعم الولايات المتحدة والناتو وحلفاء دوليون آخرون، كانت أوكرانيا ستنهار في غضون أسبوعين أو 3". 

وبتأسيس الولايات المتحدة لمجموعة الاتصال، في ربيع عام 2022، بدأت المرحلة الثانية من تدفق الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا، ومعها تغيرت دفة الحرب.

وقال آلييف: "قدم أعضاء حلف الناتو والدول الغربية عامة قائمة ضخمة من الأسلحة إلى أوكرانيا، واختلف تأثير أنواع هذه الأسلحة بحسب مراحل الحرب المختلفة، فعندما ظهرت أنظمة هيمارس HIMARS لأول مرة في المعارك، في يونيو عام 2022، كان لها أثر هائل، لأنها منحت الأوكرانيين القدرة على استهداف مستودعات الأسلحة والذخيرة ومواقع القيادة الروسية  المتواجدة في عمق الأراضي التي تسيطر عليها روسيا". 

وبحلول يونيو 2022، وصلت أوكرانيا الدفعة الأولى من راجمات هيمارس الصاروخية الأميركية.

وأضاف كانسيان: "تأتي أهمية منظومة هيمارس لسبيين: أولاً المدى الطويل الذي يصل إلى 80 كلم، وبالتالي يمكن أن تصل إلى عمق الأراضي الروسية، والسبب الثاني أنها تصيب أهدافها بدقة، لأنها توجه بواسطة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)".

واعتمادا على القدرات القتالية لأنظمة هيمارس، وبعد مرور 6 أشهر على اندلاع الحرب، تقدمت القوات الأوكرانية جنوبا لتحرير مدينة خيرسون، التي احتلتها روسيا خلال الأيام الأولى للغزو.

وحسب تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، يقدر القادة الأوكرانيون أن المنظومة "مسؤولة عن 70 في المئة من التقدم العسكري على جبهة خيرسون".

وبحسب قائد المجموعة، فإن 4 راجمات في وحدته قتلت مئات الجنود الروس، ودمرت نحو 20 بطارية مضادة للطائرات.

وفي نوفمبر عام 2022، أعلنت موسكو رسمياً انسحابها من خيرسون، ولم يُخفِ المحللون الروس قدرة صواريخ هيمارس على ترجيح كفة كييف العسكرية خلال هذه المرحلة.

وقال المحلل العسكري الروسي، بافل فيلغين هاور: "منحت هيمارس الأوكرانيين القدرة على قصف الأهداف بدقة عالية، وذلك من خلال المعلومات الاستخباراتية الواردة من الدول الغربية، مما يعني أن لديها إحداثيات استهداف جيدة جداً، ومحدثة عبر الإنترنت، الأمر الذي منحهم ميزة كبيرة في ساحة المعركة".

ومع بداية عام 2023، أعلن البيت الأبيض دخول دبابات القتال الرئيسية لأول مرة إلى قائمة المساعدات العسكرية المقدمة لأوكرانيا. 

وهو تطور نوعي، أعلن بداية مرحلة جديدة من المعارك، ومهّد الطريق أمام قرار كييف لشن الهجوم المضاد، وحينها أعلن الرئيس الأميركي، جو بايدن، أن الولايات المتحدة سترسل 31 دبابة أبرامز إلى أوكرانيا، قائلا: "أوصى الوزير أوستن بهذه الخطوة، لأنها ستعزز قدرة أوكرانيا على الدفاع عن أراضيها، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية". 

وترافق قرار الإدارة الأميركية مع إرسال 50 مدرعة من طراز برادلي إلى أوكرانيا، وهي خطوة شجعت كلاً من بريطانيا وألمانيا لاتخاذ إجراء مماثل بإرسال دبابات تشالنجر وليوبارد. 

وقال ويزمان: "ترددت الدول الأوروبية، ألمانيا ودول أخرى في إرسال الدبابات، لكنهم بدّلوا موقفهم، بداية عام 2023، وقرروا إرسال هذه الدبابات الثقيلة المتقدمة".

وبحسب موقع معهد "كيل" الألماني، المتخصص في دراسة الاقتصاد العالمي، سلّمت الدول الغربية كييف، حتى صيف عام 2023، 471 دبابة جديدة، بينما لا تزال 286 أخرى تنتظر الشحن، من بينها أبرامز الأميركية.

ومع خسارة روسيا نصف مدرعاتها، تفوقت أوكرانيا للمرة الأولى في عدد الدبابات على جبهة القتال.

ونقلت وكالة "بلومبيرغ" عن مجموعة "Oryx" الاستخباراتية إحصائيات للخسائر، رجحت نمو أسطول الدبابات الأوكراني من 987 دبابة في بداية الغزو إلى 1500، بينما تراجعت أعداد الدبابات الروسية إلى النصف من 3400 إلى 1400.

وعلى الجانب الآخر، حاولت موسكو الترويج لفشل الأسلحة الغربية التي وصلت أوكرانيا وخاصة المدرعات.

ويظهر مقطع مصور، بثه إعلام موسكو الرسمي بكثافة، تحطم عدد قليل من مدرعات برادلي أميركية الصنع ودبابات ليوبارد ألمانية الصنع في زابوريجيا جنوب شرقي أوكرانيا.

لكن خبراء يؤكدون أن هذه المركبات لم تدمر في قتال مباشر مع القوات الروسية.

وأوضح كانسيان: "زرع الروس حقول ألغام كثيفة وشاسعة للغاية أمام مواقعهم، وليس هناك شك في أنهم دمروا بالفعل بعض المعدات الأوكرانية، وعدداً من دبابات ليوبارد، ومدرعتين من طراز برادلي، ومع ذلك، فالمقاطع التي عرضت استخدمت للدعاية، ولا تمثل ما يحدث بشكل كامل".

"باتريوت" الأميركي في مواجهة "كينغال" الروسي 

وفي ربيع عام 2018، كشفت موسكو لأول مرة عن 6 طرازات جديدة من الصواريخ فرط الصوتية، منها واحد محمول جوا ويحمل اسم "كينجال". 

ومنذ بداية الغزو، استخدمت روسيا الصواريخ الفرط صوتية وعلى رأسها "كينغال" في قصف البنية التحتية الأوكرانية بهدف إيقاف هذه الهجمات، ومع مطلع عام 2023، وافقت الولايات المتحدة على إرسال بطارية واحدة من صواريخ باتريوت للدفاع عن العاصمة الأوكرانية.

وذكر تقرير صحيفة "ذا ويك" البريطانية، أن نظام باتريوت هو نظام صواريخ أرض جو متحرك، مصمم لإسقاط الصواريخ الجوالة والباليستية قصيرة المدى والطائرات، ويعتبر نظام الدفاع الجوي الأكثر تقدماً الذي تقدمه الولايات المتحدة.

وكانت لحظة الاختبار الحقيقية لقدرات "كينغال" حانت فجر 16 من مايو عام 2023، وكانت المفاجأة، عندما أسقطت منظومة باتريوت أميركية الصنع، ستة صواريخ روسية عن بعد بلغ أكثر من 100 ميل (160 كلم).

وقال تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية: "قام كمبيوتر نظام الباتريوت بتتبع صواريخ 'كينغال' وأطلق عليها قذائف اعتراضية ليدمرها جميعا".

ونقلت الصحيفة عن الكولونيل سيرغي يارمينكو، قائد فرقة الدفاع الجوي، المسؤولة عن حماية كييف، قوله: "لم يكن أحد متأكداً بنسبة 100 في المئة، من أن نظام باتريوت قادر على تدمير صواريخ كينغال الفرط صوتية، لكن الأوكرانيين أثبتوا ذلك".

وعلى مدى أكثر من عقدين، أولى بوتين اهتماماً بالغاً بتسليح القوات المسلحة الروسية، بغرض خلق صورة لجيش حديث وقوي، جاهز للانتصار، مهما كانت الصعوبات، لكن المعدات الغربية أنقذت أوكرانيا من مصير مجهول، وكشفت أمام العالم، حقيقة قدرات روسيا العسكرية، إذا وضعت في مواجهة خصم يمتلك أسلحة بإمكانها تغيير المعادلة.

مشكلات تونس السياسية والاقتصادية انعكست في أزمة بيئية غير مسبوقة
مشكلات تونس السياسية والاقتصادية انعكست في أزمة بيئية غير مسبوقة

تضمن الدولة التونسية الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ بحكم دستور البلاد، لكن ناشطين يشتكون نقص الإرادة السياسية لتحقيق ذلك.

ويسلط برنامج "الحرة تتحرى" الضوء على محاربة التلوث البيئي في تونس وهو منصوص عليه في الفصل 47 من الدستور التونسي.

تونس ... الملقبة بـ "الخضراء" 

كانت تونس بلدا سباقا، عربيا وأفريقيا، في الانضمام للعديد من الاتفاقيات الدولية للحفاظ على البيئة ومنع التلوث.

الاتفاقيات الدولية عززتها دساتير البلاد، وآخرها الصادر، في أغسطس من عام 2022.

يقول حمدي شبعان، الخبير في تدوير النفايات، إن دستور عام 2022، كان واضحا في المسائل البيئية، "ما ينقصنا هو الإرادة السياسية الفعلية من طرف السياسيين المتواجدين اليوم في صلب الحكم".  

وانعكست مشاكل البلاد السياسية والاقتصادية في أزمة بيئية غير مسبوقة، نتيجة تراكم النفايات المنزلية والصناعية داخل المصبات.

يقول منير حسين، عضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: "نحن لا نعالج النفايات، بل نقوم بنقلها من الأوساط الحضرية القوية، المدن، إلى غير ذلك. ونلقي بها في مصبات، عادة ما يتم اختيار الموقع بجانب مجموعات سكانية صغيرة، لا تملك الإمكانيات السياسية، والإمكانيات المادية للدفاع عن حقوقها". 

وتشير مبروكة ابن براهيم، مواطنة مقيمة في مدينة عقارب، إلى أن سكان المنطقة لم يواجهوا مشاكل حتى اتخذ القرار بتحديد منطقتهم كمكب للنفايات، وتقول: "(كنا) عايشين لا بأس علينا، نقعدوا برا (في الخارج) ونمشوا، لا عندنا ريحة فيتور، ولا عندنا ريحة دخان، ولا ريحة ازبل (نفايات)، ما عندناش، حتى جانا هذا المصب". 

يقول شبعان،  إن عدم الاستقرار السياسي، هو الذي جعل موضوع النفايات في تونس "ما يتطورش".

ويضيف حسين أن "الشركات الكبرى هي التي تسيطر على أغلب المصبات، وتستخلص أموالا ضخمة جدا، وهذه المشاريع، مشاريع المصبات، تقريبا (تشكل) تكلفة على الدولة، أموالا ضخمة جدا، دون أن تقوم بتجويد (بتحسين) الواقع البيئي". 

وبحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، وبغرض مراقبة التصرف في النفايات وإزالتها اعتمد البرلمان التونسي آنذاك قانونا جديدا. 

وينص "القانون 41" في الدستور التونسي على "تثمين النفايات عن طريق إعادة الاستعمال والتحويل، وكل الأعمال الأخرى الرامية إلى استخراج المواد القابلة لإعادة الاستعمال، ولاستخدامها كمصدر للطاقة، وتخصيص مصبّات مراقبة لإيداع النفايات المتبقية، أي بعد استيفاء كل مراحل التثمين الممكنة".

وبعد عام على صدور "القانون 41"، شرعت الحكومة التونسية في إنشاء مصبات مراقبة وصل عددها اليوم إلى عشرة، لكن الحال تغير بعد عام 2011.

ويقول محمد تومي، مسؤول سابق بالوكالة الوطنية للتصرف في النفايات: "في تونس حاليا نعيش أزمة، والأزمة هذه، على الأقل منذ ثماني أو تسع سنوات، ما بعد الثورة بالضبط، أصبحت مشكلة النفايات أزمة". 

ويوضح أنه "قبل الثورة، كان هناك برنامج مُسطّر، فبعد الثورة، المركز الوحيد لمعالجة النفايات الخطرة تم إغلاقه، وبالتالي، وليت (أصبحت) كل النفايات الخطرة تُرمى في المحيط".  

وطبقا لمؤشر الأداء البيئي لعام 2022 الصادر عن جامعة ييل الأميركية، تحتل تونس مستويات متدنية في مجال التعامل مع النفايات، وإعادة تدويرها ضمن 180 دولة شملها التقرير.

تقول بثينة الغانمي، نائبة رئيس لجنة الصناعة والبيئة في البرلمان التونسي المنحل: "هناك مصبات لم تعد مؤهلة، لأنها تحوي الكم الهائل من الفضلات، التي تعد متنوعة، يمكن أن تثمّن هذه النفايات، ويعني يتم استغلالها وتصبح ثروة، لكن الآليات والإمكانيات ربما تفوق توازنات (ميزانيات) وإمكانيات الدولة". 

وبعدد سكان تعدى 12 مليون نسمة، ووفقا لأرقام الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات لعام 2023، تنتج تونس سنويا حوالي 2.6 مليون طن من المخلفات.

وفي تقرير الوكالة التونسية للتصرف في النفايات، فإنه وفقا للدراسات، تتميز هذه النفايات بنسبة عالية من المواد العضوية تتجاوز 60 في المئة، وبنسبة عالية من الرطوبة تتراوح بين 65 و70 في المئة. 

ويرى تومي أن تكلفة حرق تلك النفايات أعلى مما يمكن الاستفادة منه في حال إعادة تدويرها وفرزها، وقال: "مثلا نحن، تونس العاصمة وما جاورها، المواد العضوية في حدود 68 في المئة"، موضحة "معناها ماعدش تعمل (لم نعد نعمل) عملية الفرز، كل شي يوقف، باش تقول إنت تشد الكتلة ككل، ونقول نحرقه، باش (من أجل أن) نخرج طاقة، ما تجيبش تخرج الطاقة، على خاطر، تكلفة الحرق أغلى من الي باش تنتج (الذي يمكن أن ينتج) الطاقة".  

ودفع ازدياد حجم المخلفات سنويا، وكون معظمها غير قابل لإعادة التدوير، الجهات المختصة للجوء لطرق يراها خبراء لا تحافظ على البيئة.

يقول شبعان،"طمر النفايات شر لا بد منه، لكن كم كمية النفايات التي توضع بالمصبات؟ نحن في تونس نردم تقريبا 95 في المئة من جميع النفايات. في الدول الغربية اليوم وصلوا لخمسة في المئة".

وامتنعت الجهات الرسمية عن إجابة تساؤلات "الحرة تتحرى".

يقول تومي، الذي عمل سابقا كرئيس لمديرية التصرف في النفايات في الوكالة الوطنية: "بالنسبة للنفايات المنزلية والمشابهة، ما هيش (ليست) الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات فقط المسؤولة، على خاطر (لأن) النفايات المنزلية والمشابهة تتبع البلديات، هما المسؤولان مباشرة، وهنا، هناك تضارب في القوانين، من يفعل ماذا؟ بعد الثورة كل واحد يقول لك: 'أنا خاطيني (لا علاقة لهذا بي)، ويرمي الكرة للآخر'".

وطبقا لوسائل إعلام محلية، تحتكر شركات "سيغور" و"إيكوتي" و"فاليس" تشغيل كل مصبات النفايات القانونية في البلاد، والبالغ عددها عشرة، مقابل عقود سنوية تبلغ قيمتها 24 مليون دولار أميركي.

ويقول موقع مرصد مجلس النواب التونسي: "ثبت بأن الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات لا تحكم عملية تحديد احتياجاتها، سواء على المستوى الكمي أو النوعي، ويظهر ذلك من خلال التعديل في حاجياتها، وبعد الإعلان عن كراسات الشروط، وبعد الإعلان عن المنافسة.

ويضيف "كذلك شابت كراسات الشروط العديد من النقائص، التي ساهمت في توجيه طلبات العروض نحو مزودي أو مُقدّمي خدمات معينين". 

ويقول شبعان: "عندما يُطلب، 30 مليون دينار للاشتراك في الصفقة، من هي الشركة التي تستطيع أن تنافس الشركات الكبرى (فيما يخص) مجال الخبرة؟ متواجدة في الغرب وليست متوفرة في تونس، وأغلب الشركات هي شركات فرنسية أو إيطالية، متواجدة في تونس، ليست شركات تونسية 100 في المئة، يعني كراسة شروط على المقاس".

حاولت قناة "الحرة" التواصل مع شركات"سيغور" و"إيكوتي" و"فاليس" للتعليق على الأمر، دون رد.

لأكثر من عقدين، ووفقا لأرقام رسمية، أدت عمليات طمر النفايات المستمرة في تونس إلى امتلاء المصبات المرخصة خاصة مع عدم إنشاء أي أماكن جديدة خلال العشر سنوات الماضية.

يقول شبعان إن "برج شكير تجاوز تقريبا 23 سنة في استغلاله"، مشيرا إلى أنه تجاوز أصلا عمره الافتراضي، "إلا أن الدولة التونسية ما تزال متمسكة باستغلال برج شكير، وبنفس الطريقة منذ 23 سنة بدون أي تغيير".

ووفقا لدراسات بحثية يتسبب طمر النفايات العضوية في تلوث كبير لعناصر البيئة: الماء والهواء والتربة".

وفي دراسة أجرتها جامعة كولورادو الأميركية، "يُطلِق تحلل الكتلة العضوية في مدافن النفايات غاز الميثان، الذي يعتبر أكثر فاعلية بمقدار 84 مرة في امتصاص حرارة الشمس من ثاني أكسيد الكربون، مما يجعله أحد أكثر الغازات مساهمة في الاحتباس الحراري وتغير المناخ".

وأضافت "في المتوسط، تقلل مدافن النفايات الكبيرة من قيمة الأراضي المجاورة لها بنسبة 12.9 بالمئة، وتتسبب في مخاطر مثل الروائح والدخان والضوضاء والحشرات وتلوث إمدادات المياه".

ويقول دكتور  هشام العيسى، وهو متخصص في الأمراض السرطانية: "لاحظنا (في) المناطق القريبة من المصبات في صفاقس، نسبة حدوث مرضى (الإصابة بـ) السرطان ما بين 10 و20 في المئة أكثر من الولايات الأخرى".

ونوه إلى أنه تنبه إلى أن الحالات التي ازدادت في المناطق التي تضم مكبات النفايات، "هي أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب وأمراض نقص المناعة، والتشوهات الخلقية لدى الأطفال حديثي الولادة. زيادة (بالإضافة إلى) طفرات جينية، تؤدي إلى مرض مقاوم للعلاج". 

مصب صفاقس

واستقبل مصب النفايات الرئيسي لولاية صفاقس، المعروف باسم "مصب القنة"، أكثر من 600 طن من النفايات يوميا، حتى أواخر عام 2021.

وفي تقرير لجمعية نواة التونسية للصحافة المستقلة، في أكتوبر عام 2018،  أصدرت الوكالة الوطنية لحماية المحيط تقريرا عقب حملة لقياس جودة الهواء بمعتمدية عقارب، أثبت أن التلوث في الهواء تجاوز الحدود المتعارف عليها، خاصة بالنسبة للغبار، ولسولفيد (كبريتيد) الهيدروجين، وأرجع التقرير هذا التلوث إلى احتمال تسبب مصانع هناك في التلوث، إضافة إلى مصب القنة. 

يقول سامي البحري، الناشط بحركة "مانيش مصب": "ثما (هنالك) كوكتيل من الروائح في عقارب من (بسبب) المصب، من المعامل، من الميثان، هو الذي فاقم المشاكل الصحية، مسّنا في صحتنا معناتها، التقارير بتاع الهواء التي عملتها الـ ANPE، خرجت قالت راه (انظروا) يا ناس، الهواء بتاع (في) عقارب راه ملوث، وعملت صيحة فزع، راه (انظروا) الهواء هنا مسموم". 

وإضافة إلى مشكلة تلوث الهواء في عقارب، عانى السكان من أضرار أخرى للمصب، إذ تشير مبروكة ابن ابراهيم إلى أن بعض السكان تعرضوا للسعات الحشرات ولدغات الأفاعي.

وعلى بعد أمتار من مصب القنة، تقيم مبروكة، وابنتها يسرى، التي تدهورت حالتها الصحية، في خريف عام 2019، إثر لسعة بعوضة، ونقلت للمستشفى. 

وتقول مبروكة إن الأطباء المشرفين على ابنتها منعوها من رؤيتها، مشيرين إلى أنها تعرضت لجرثومة معدية ينقلها البعوض.

تقول سميرة العبيدي، المدير العام للتراتيب والنظافة بوزارة البيئة التونسية: "صحيح الأيام هذه، وبعد مرة المطر ومرة السخانة (نشهد أمطارا تارة وموجات الحر تارة)، معمول به (من الطبيعي) إنه تكثر الحشرات، وتكثر الناموس، واللدغة بتعها راه غير طبيعية، لكن نحب (أن) نؤكد واطمئن المواطنين، معندناش (لا تتواجد لدينا) النواقل هذه بتاع الأمراض الخطيرة".

ورغم نفي مسؤولي وزارة البيئة التونسية تواجد أي نوع خطير من الحشرات في البلاد، إلا أنه، وطبقا لتقرير طبي مستقل، أصيبت به عائلة ابن براهيم، إذ توفيت يسرى بسبب التهاب بكتيري ناتج عن لسعة بعوضة. 

وفي 11 من يوليو عام 2019، وبعد سنوات من المعاناة، وتقدمِ قرابة 200 من سكان عقارب بشكاوى قضائية، صدر حكم المحكمة بغلق مصب القنة، وبعد أكثر من سنتين من صدور قرار المحكمة تم التنفيذ.   

لكن إغلاق المصب، نتج عنه تراكم للنفايات في شوارع وأحياء الولاية، ولأكثر من 40 يوما، غابت فيها الحلول لأكبر أزمة فضلات في صفاقس، تقاطعت مع أزمة البيئة في عقارب، جراء مصب القنة. 

تقول زهور الهلالي، المديرة العامة بوزارة البيئة التونسية، إن "الفضلات التي تراكمت في صفاقس، لازمنا نهزوها (يجب حلها)، ومش معقول أنها تقعد متراكمة، هذا السبب، إلى خلانا نعلنوا (وهذا ما دفعنا إلى الإعلان) عن استئناف نشاط مصب القنة بعقارب، هو مصب مراقب، وتنجم تقول (ومن الممكن القول) إنه تسكر (أغلق) بطريقة تعسفية".

وأشعل القرار نار الاحتجاجات في عقارب التي تطورت إلى مواجهات مع قوات الأمن.  

يقول شكري البحري، عضو مجلس النواب التونسي المنحل عن دائرة عقارب، "كل أهالي عقارب خرجوا في الحراك، كل الناس خرجت، باش (كي) تقول 'لا للنفايات، نعم لتطبيق الاتفاقيات، والقرارات القضائية، والقرارات البلدية'. نحن كنا دائما ندافع عن بيئة نظيفة. إذا خرجنا للشارع وقلنا 'لا'، الشيء الذي حدث، عملية فتح بالقوة، وأدى إلى نتائج كارثية". 

وفي 9 نوفمبر من عام 2021، وخلال المواجهات في عقارب، توفي عبد الرزاق لشهب، ونفت وزارة الداخلية التونسية علاقته بالاحتجاجات، وقالت إن الوفاة حدثت في منزله البعيد عن مناطق التظاهر".

لكن عائلته تصر على أنه مات مختنقا بالغاز المسيل للدموع الذي أطلقته الشرطة.

يقول عبد العزيز لشهب، شقيق عبد الرزاق: "مصدقتش (لم أصدق) إن هو طاح، دورت فيه هاكا، راهو يشخر! مخنوق! (رأيته وهو يختنق) ياك الزبلة صبيتها، ومزال تلاحق في العباد! معناها تحب تقتلهم انت! معاناتها الزبلة تتصب في المصب أغلى من العباد! (معنى ذلك أن النفايات أغلى من العباد)".

وفي غضون أيام من اندلاع الاحتجاجات، وصل صدى أزمة عقارب إلى الرئيس التونسي، قيس سعيد، فاستقبل نشطاء من حملة "مانيش مصب".

ويقول شكري البحري، عضو مجلس النواب المنحل عن دائرة عقارب،:"تلقينا دعوة من سيادة رئيس الجمهورية باش نفهموه (كي نفهمه)، ونوصلوا (ونوصل إليه) صوت أهالي عقارب، ومشكلتهم الدائمة مع النفايات، إذا، تفهّم الوضع، تفهم الطلبات، سيادة الرئيس مشكورا، وتعهد لنا، (أن) نعيد اجتماعا مع السيدة وزيرة البيئة، ومع سيادته في ظرف نهارين (يومين)، لإيجاد حل نهائي لمنصب النفايات بالقنة".  

وبعد أيام من لقاء الرئيس، أغلق مصب القنة نهائيا، لكن البعض يرى أن أزمة التلوث في عقارب، وفي تونس كلها لم تنته بعد.

يقول حمدي شبعان، الخبير في تدوير النفايات: "أغلق مصب بصفاقس، لكن ليس هناك حل، على الأقل فيما هناك حل جزئي، لمصب شبه مراقب أو عشوائي منظم، وتشوبه كثير من التساؤلات أيضا، لكن في صفاقس اليوم تقريبا، ثمة هناك مئات من المصبات العشوائية، بمدخل المدينة صفاقس على جميع النواحي ككل، روائح كريهة، هذا بالنسبة لي، كمختص في مجالي، ليس إنجازا صحيحا، قضية بيئية ربحت من طرف المجتمع المدني في غلق المصب، لكنها أحدثت 100 مصب آخر، و100 مشكلة أخرى، وهذا ليس حلا". 

وتفاقمت مشكلة التعامل مع النفايات في هذا البلد المغاربي، في منتصف عام 2020، بوصول أطنان من المخلفات المنزلية القادمة من أوروبا.