بعد مرور أكثر من عام ونصف على الغزو الروسي لأوكرانيا، فشلت موسكو في إخضاع جارتها، ولم تحسم المعركة خلال أيام، أو حتى أسابيع، ولم ترفرف أعلام الكرملين فوق كييف، كما توقعت حينها.
ويسلط برنامج "الحرة تتحرى" الضوء على الأسلحة الغربية في أوكرانيا، وكيف غيّرت معادلة الحرب.
يقول الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن العدوان الروسي "فشل"، بعد مرور 522 يوما على ما أطلقت عليه موسكو اسم "العملية العسكرية الخاصة"، والتي توقعت القيادة الروسية أن تنهيها خلال أسبوع أو أسبوعين، مضيفا أن "أوكرانيا تزداد قوة، وتدريجيا انتقلت الحرب إلى الأراضي الروسية".
ويقول مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق، مايك مولوري: "اعتقدنا جميعا أن روسيا، التي تعتبر من أكبر القوى في العالم، ستكون قادرة عسكرياً على الاستيلاء على أوكرانيا، البلد الأصغر منها بأربع مرات".
وبعد أسبوع واحد من بدء الغزو، تغيرت المعادلة، وبشكل سريع لصالح أوكرانيا، وهو تغيّر أرجعته تقارير متخصصة لوصول أسلحة غربية، مكّنت كييف من تحدي الدب الروسي.
وفي تقرير صحيفة "Business Insider" الأميركية، من بين هذه الأسلحة، الصواريخ المضادة للدبابات المحمولة على الكتف، وطائرات بدون طيار، وراجمات صواريخ ذاتية الحركة، وهي أنظمة غيرت قواعد اللعبة، وساعدت أوكرانيا في إخراج حملة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن مسارها، وعزّزت قدرات كييف العسكرية.
وبمرور الوقت، وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، تمكنت القوات الأوكرانية من تحرير نصف الأراضي التي استولت عليها روسيا في بداية الغزو.
ويقول المحلل العسكري الروسي، بافل فيلغين هاور: "ظهرت أسلحة موجّهة ودقيقة، ساعدت الأوكرانيين ليس فقط على الصمود، لكن أيضًا على تحدي الروس على الصعيد الاستراتيجي".
الغرب يساند كييف في مقاومة جحافل الكرملين
ويقول القائد في القوات المسلحة الأوكرانية، فيكتور تريغيبوف، إن "الأسلحة الغربية كانت المُنقِذ، ليس فقط لجيشنا ولكن أيضا للمدنيين، فهي أسلحة دقيقة للغاية من المدفعية إلى الصواريخ، مروراً بالأسلحة قصيرة ومتوسطة المدى".
وبعد إعلان بوتين بدء "عمليته العسكرية الخاصة" في أوكرانيا، تقدمت القوات الروسية بشكل كاسح خلال الأيام الأولى للحرب، فسيطرت على ما يقارب ربع الأراضي الأوكرانية، ووصلت إلى تخوم العاصمة، كييف.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشنكوف: "خلال الـ24 ساعة الماضية، حاصرت القوات المسلحة الروسية بالكامل مدينتي خيرسون وبيرديانسك، وقصفت القوات المسلحة الروسية 975 منشاة حيوية عسكرية في أوكرانيا".
ووفقا لأرقام معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد أنفقت روسيا على قواتها المسلحة ما يصل إلى 72 مليار دولار أميركي، عام 2022، أي حوالي 10 أضعاف ما تنفقه أوكرانيا في المجال العسكري.
وفي نفس العام، وبحسب موقع "Global Fire Power"، كانت روسيا ثاني أقوى دولة عسكريا، بينما احتلت أوكرانيا المرتبة 22.
وعلق كبير الباحثين في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بيتر دي ويزمان، على ذلك، بالقول: "خلال الغزو الروسي، أوائل عام 2022، استخدمت الترسانة الكاملة للأسلحة المتواجدة لدى الروس، وبالطبع لدى الأوكرانيين، مع الاختلاف هو أن كمية الأسلحة لدى أوكرانيا أقل، نظرًا لكون روسيا دولة أكبر بكثير".
واعتمد الجيش الأوكراني في بداية الحرب على ما ورثه من الاتحاد السوفيتي، عقب تفكك الكيان الشيوعي في أوائل التسعينيات.
عتاد قديم مقارنة بترسانة روسية ضخمة
وقال المستشار في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي، مارك كانسيا: "بدأت أوكرانيا الحرب بـ 850 دبابة تنتمي للحقبة السوفيتية، لذا زودتها الولايات المتحدة، ودول حلف شمال الأطلسي في البداية بحوالي 300 دبابة من طراز T 72، بالإضافة إلى قطع المدفعية، والكثير من الذخيرة لهذه الأسلحة السوفيتية".
وخلال الأيام الأولى للحرب، ومع تزايد التهديد الروسي، لم تكتف كييف باستقبال نسخ من معدات كانت تملكها بالفعل، وبدأت تطالب بأسلحة غربية متطورة، لكن تلك الطلبات لم تتم تلبيتها على الفور.
وقال المحاضر في العديد من الجامعات البريطانية، الباحث في النزاعات المسلحة في الاتحاد السوفيتي السابق، حسين آلييف، والذي نشر عدة أبحاث حول الصراع الروسي الأوكراني: "تباطأت معظم الدول الغربية في توفير أنواع الأسلحة المطلوبة، نظرا لبعض الاعتبارات السياسية لدول حلف الناتو، لذلك كان هناك تباين واضح بين ما يحدث على مسرح الحرب، وبين الإمدادات العسكرية".
لكن وبعد أسبوع من بدء الغزو، بدأت أولى شحنات الأسلحة الغربية في الوصول إلى أوكرانيا.
وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد أرسلت الولايات المتحدة المئات من صواريخ "ستينغر" للدفاع الجوي، وما يقارب ألفي صاروخ من طراز "جافلين" المضاد للدروع.
وهي أسلحة اختارتها واشنطن بعناية، وبغرض تحييد نقاط القوة الروسية، خاصة المدرعات.
القديس جافلين
وقال المستشار في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي، مارك كانسيان: "أرسلت الولايات المتحدة والناتو، أسلحة من السهل استخدامها، ولا يستغرق التدرب عليها وقتا طويلا، مثل صواريخ جافلين".
وأضاف: "مكّن ذلك الأوكرانيين من صد الهجوم الروسي، الذي بدأ في فبراير عام 2022، إذ استحوذ (صاروخ) جافلين على الاهتمام بسبب قدرته على إيقاف المدرعات، فأُنشِدَت له الأغاني، ولُقِّب بالقديس جافلين".
وأشارت وكالة "فرانس برس" إلى أن قاذفات جافلين، أميركية الصنع، "يمكنها اختراق الدبابات الأكثر تطورا في العالم، خصوصا الدبابة الروسية T 90، مع وصول مداها إلى 2500 متر".
ويطلق الصاروخ إلى ارتفاع يصل إلى 160 مترا ثم يسقط عموديا على هدفه، وهذا المسار من الأعلى هو ما يجعل صواريخ جافلين سلاحا فعالا جدا ضد الدبابات، إذ أن فتحات دخول المدرعات متواجدة في الجهة العلوية، وهذا هو المكان الأضعف.
وبحسب قوات الجيش الأوكراني، لعبت صواريخ جافلين (أو الرُمح بالعربية)، دوراً أساسياً في دحر الهجوم الروسي على كييف، بعد أن خسرت موسكو ما يقارب 1500 دبابة ومدرعة.
وقال القائد في القوات المسلحة الأوكرانية، فيكتور تريغيبوف: "بالفعل كانت صواريخ جافلين فعالة أثناء معركة كييف، لأنها سمحت لنا بنصب كمائن ضخمة للدبابات الروسية في الغابات شمال العاصمة، لقد كانت حقًا لعنة على الروس ومنقذةً لنا".
وفي 6 من أبريل عام 2022، انسحبت القوات الروسية من محيط كييف بشكل كامل لتعلن وزارة الدفاع الأميركية بعد أسبوعين، عن بداية مرحلة جديدة من الدعم العسكري لأوكرانيا.
وهي مرحلة خطط لها في مبنى البنتاغون، وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، مع مساعديه.
تفاصيل هذه الخطة
في مايو عام 2023، كشف تقرير لمجلة "بوليتيكو" عن قيام وزير الدفاع الأميركي، بدعوة مسؤولي 40 دولة غربية في قاعدة رامشتاين الجوية جنوب غربي ألمانيا.
والاجتماع، الذي عُقد بعد شهرين من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، كان بغرض دعم كييف بالمزيد من الأسلحة المتطورة.
ووفق تقرير "بوليتيكو"، فقد أطلق أوستن على المجموعة اسم "مجموعة الاتصال الدفاعية مع أوكرانيا"، والتي اجتمعت لأول مرة، في 26 من أبريل عام 2022، في رامشتاين.
ومنذ ذلك الحين، يجمع الوزير الأميركي القادة العسكريين لأكثر من 40 دولة في ألمانيا كل شهر، وعادة ما ينتهي الاجتماع الذي يستمر لساعات، بسؤال من مدير شؤون الأمن الدولي في البنتاغون لكل دولة مشاركة عن قائمة الأسلحة التي ستقدمها لأوكرانيا.
وقال المستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي، مارك كانسيان: "كان تأثير ذلك مهما للغاية، ومكّن كييف من وقف الروس وتحقيق الاستقرار في الخطوط الأمامية، فلولا دعم الولايات المتحدة والناتو وحلفاء دوليون آخرون، كانت أوكرانيا ستنهار في غضون أسبوعين أو 3".
وبتأسيس الولايات المتحدة لمجموعة الاتصال، في ربيع عام 2022، بدأت المرحلة الثانية من تدفق الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا، ومعها تغيرت دفة الحرب.
وقال آلييف: "قدم أعضاء حلف الناتو والدول الغربية عامة قائمة ضخمة من الأسلحة إلى أوكرانيا، واختلف تأثير أنواع هذه الأسلحة بحسب مراحل الحرب المختلفة، فعندما ظهرت أنظمة هيمارس HIMARS لأول مرة في المعارك، في يونيو عام 2022، كان لها أثر هائل، لأنها منحت الأوكرانيين القدرة على استهداف مستودعات الأسلحة والذخيرة ومواقع القيادة الروسية المتواجدة في عمق الأراضي التي تسيطر عليها روسيا".
وبحلول يونيو 2022، وصلت أوكرانيا الدفعة الأولى من راجمات هيمارس الصاروخية الأميركية.
وأضاف كانسيان: "تأتي أهمية منظومة هيمارس لسبيين: أولاً المدى الطويل الذي يصل إلى 80 كلم، وبالتالي يمكن أن تصل إلى عمق الأراضي الروسية، والسبب الثاني أنها تصيب أهدافها بدقة، لأنها توجه بواسطة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)".
واعتمادا على القدرات القتالية لأنظمة هيمارس، وبعد مرور 6 أشهر على اندلاع الحرب، تقدمت القوات الأوكرانية جنوبا لتحرير مدينة خيرسون، التي احتلتها روسيا خلال الأيام الأولى للغزو.
وحسب تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، يقدر القادة الأوكرانيون أن المنظومة "مسؤولة عن 70 في المئة من التقدم العسكري على جبهة خيرسون".
وبحسب قائد المجموعة، فإن 4 راجمات في وحدته قتلت مئات الجنود الروس، ودمرت نحو 20 بطارية مضادة للطائرات.
وفي نوفمبر عام 2022، أعلنت موسكو رسمياً انسحابها من خيرسون، ولم يُخفِ المحللون الروس قدرة صواريخ هيمارس على ترجيح كفة كييف العسكرية خلال هذه المرحلة.
وقال المحلل العسكري الروسي، بافل فيلغين هاور: "منحت هيمارس الأوكرانيين القدرة على قصف الأهداف بدقة عالية، وذلك من خلال المعلومات الاستخباراتية الواردة من الدول الغربية، مما يعني أن لديها إحداثيات استهداف جيدة جداً، ومحدثة عبر الإنترنت، الأمر الذي منحهم ميزة كبيرة في ساحة المعركة".
ومع بداية عام 2023، أعلن البيت الأبيض دخول دبابات القتال الرئيسية لأول مرة إلى قائمة المساعدات العسكرية المقدمة لأوكرانيا.
وهو تطور نوعي، أعلن بداية مرحلة جديدة من المعارك، ومهّد الطريق أمام قرار كييف لشن الهجوم المضاد، وحينها أعلن الرئيس الأميركي، جو بايدن، أن الولايات المتحدة سترسل 31 دبابة أبرامز إلى أوكرانيا، قائلا: "أوصى الوزير أوستن بهذه الخطوة، لأنها ستعزز قدرة أوكرانيا على الدفاع عن أراضيها، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية".
وترافق قرار الإدارة الأميركية مع إرسال 50 مدرعة من طراز برادلي إلى أوكرانيا، وهي خطوة شجعت كلاً من بريطانيا وألمانيا لاتخاذ إجراء مماثل بإرسال دبابات تشالنجر وليوبارد.
وقال ويزمان: "ترددت الدول الأوروبية، ألمانيا ودول أخرى في إرسال الدبابات، لكنهم بدّلوا موقفهم، بداية عام 2023، وقرروا إرسال هذه الدبابات الثقيلة المتقدمة".
وبحسب موقع معهد "كيل" الألماني، المتخصص في دراسة الاقتصاد العالمي، سلّمت الدول الغربية كييف، حتى صيف عام 2023، 471 دبابة جديدة، بينما لا تزال 286 أخرى تنتظر الشحن، من بينها أبرامز الأميركية.
ومع خسارة روسيا نصف مدرعاتها، تفوقت أوكرانيا للمرة الأولى في عدد الدبابات على جبهة القتال.
ونقلت وكالة "بلومبيرغ" عن مجموعة "Oryx" الاستخباراتية إحصائيات للخسائر، رجحت نمو أسطول الدبابات الأوكراني من 987 دبابة في بداية الغزو إلى 1500، بينما تراجعت أعداد الدبابات الروسية إلى النصف من 3400 إلى 1400.
وعلى الجانب الآخر، حاولت موسكو الترويج لفشل الأسلحة الغربية التي وصلت أوكرانيا وخاصة المدرعات.
ويظهر مقطع مصور، بثه إعلام موسكو الرسمي بكثافة، تحطم عدد قليل من مدرعات برادلي أميركية الصنع ودبابات ليوبارد ألمانية الصنع في زابوريجيا جنوب شرقي أوكرانيا.
لكن خبراء يؤكدون أن هذه المركبات لم تدمر في قتال مباشر مع القوات الروسية.
وأوضح كانسيان: "زرع الروس حقول ألغام كثيفة وشاسعة للغاية أمام مواقعهم، وليس هناك شك في أنهم دمروا بالفعل بعض المعدات الأوكرانية، وعدداً من دبابات ليوبارد، ومدرعتين من طراز برادلي، ومع ذلك، فالمقاطع التي عرضت استخدمت للدعاية، ولا تمثل ما يحدث بشكل كامل".
"باتريوت" الأميركي في مواجهة "كينغال" الروسي
وفي ربيع عام 2018، كشفت موسكو لأول مرة عن 6 طرازات جديدة من الصواريخ فرط الصوتية، منها واحد محمول جوا ويحمل اسم "كينجال".
ومنذ بداية الغزو، استخدمت روسيا الصواريخ الفرط صوتية وعلى رأسها "كينغال" في قصف البنية التحتية الأوكرانية بهدف إيقاف هذه الهجمات، ومع مطلع عام 2023، وافقت الولايات المتحدة على إرسال بطارية واحدة من صواريخ باتريوت للدفاع عن العاصمة الأوكرانية.
وذكر تقرير صحيفة "ذا ويك" البريطانية، أن نظام باتريوت هو نظام صواريخ أرض جو متحرك، مصمم لإسقاط الصواريخ الجوالة والباليستية قصيرة المدى والطائرات، ويعتبر نظام الدفاع الجوي الأكثر تقدماً الذي تقدمه الولايات المتحدة.
وكانت لحظة الاختبار الحقيقية لقدرات "كينغال" حانت فجر 16 من مايو عام 2023، وكانت المفاجأة، عندما أسقطت منظومة باتريوت أميركية الصنع، ستة صواريخ روسية عن بعد بلغ أكثر من 100 ميل (160 كلم).
وقال تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية: "قام كمبيوتر نظام الباتريوت بتتبع صواريخ 'كينغال' وأطلق عليها قذائف اعتراضية ليدمرها جميعا".
ونقلت الصحيفة عن الكولونيل سيرغي يارمينكو، قائد فرقة الدفاع الجوي، المسؤولة عن حماية كييف، قوله: "لم يكن أحد متأكداً بنسبة 100 في المئة، من أن نظام باتريوت قادر على تدمير صواريخ كينغال الفرط صوتية، لكن الأوكرانيين أثبتوا ذلك".
وعلى مدى أكثر من عقدين، أولى بوتين اهتماماً بالغاً بتسليح القوات المسلحة الروسية، بغرض خلق صورة لجيش حديث وقوي، جاهز للانتصار، مهما كانت الصعوبات، لكن المعدات الغربية أنقذت أوكرانيا من مصير مجهول، وكشفت أمام العالم، حقيقة قدرات روسيا العسكرية، إذا وضعت في مواجهة خصم يمتلك أسلحة بإمكانها تغيير المعادلة.
