الدولار المجمد يوقع العديد من الضحايا في دول عربية. أرشيفية - تعبيرية
الدولار المجمد يوقع العديد من الضحايا في دول عربية. أرشيفية - تعبيرية

"ربح خيالي وسريع" هذا ما تروج له إعلانات على شبكات التواصل الاجتماعي تسوق لبيع ما يعرف بـ"الدولار المجمّد" أو ما يسميه البعض بـ"الدولار الليبي المجمّد".

الصفحات التي تروج لبيع "تلال من الدولارات" تزعم سلامتها من الناحية المالية، ويشير أصحابها إلى أن منع التداول بها يعود لأنها ضمن المبالغ الممنوع تداولها، لأنها كانت في حوزة نظام الرئيس المخلوع، معمر القذافي، قبل أكثر من عقد.

فما حقيقة هذا "الدولار المجمّد"؟

برنامج "الحرة تتحرى" الذي تبثه قناة "الحرة" تتبع رحلة هذا الدولار من مرحلة طباعته وصولا إلى المشترين أو المستهلكين الذين غالبا ما يصبحون ضحية.

يقول أحد مروجي "الدولار المجمد" في إعلان عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنها نقود "سليمة 100 في المئة.. مشكلتها أنها لا تدخل البنوك المركزية.. يتم تداولها عبر التحويل لها وعبر التسليم.. من يريدها يتواصل عبر الخاص".

استغلال للأزمة في لبنان

في لبنان وخلال الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد فيما يرتبط بأموال مئات الآلاف من المودعين لدى البنوك، ظهرت أولى عمليات الترويج لهذه النقود، إذ أصبح العديد ممن يمتلكون سيولة نقدية يبحثون عن تحقيق "أرباح سريعة وسهلة".

الأكاديمية الباحثة اللبنانية في القوانين المصرفية والمالية، سابين الكيك، تقول إن المروجين يختارون من هم من "بيئة متواضعة تعاني من أزمات اقتصادية أو مالية، مستوى الوعي المالي في هذه البيئة متدني، إن لم نقل معدوم".

وأشارت إلى أن السلطات اللبنانية، خاصة مديرية قوى الأمن الداخلي، أصدرت في لبنان تعميما، في عام 2020، إذ "نبهت بوضوح تام، أن قصة الدولارات الليبية المجمّدة، هي (عمليات احتيال)".

وقالت قوى الأمن اللبناني في بيان حينها إن "الهدف من إطلاق هذه الشائعات، هو لتسهيل عمليات ترويج دولارات مزيفة، وذلك من خلال إيهام الناس بتوفر هذه الدولارات للاستيلاء على أموالهم، بحيث يجري تبديل العملة الصحيحة بالعملة المزيفة في أثناء عملية التسلم والتسليم".

وفي غضون شهرين، خلال ربيع عام 2022، ألقت قوى الأمن القبض على ثلاث مجموعات اتهمت بترويج "الدولار المجمّد" بعد إيقاعهم بأكثر من 60 ضحية.

ولم تجب قوى الأمن الداخلي اللبناني عن استفسارات "الحرة تتحرى".

"الدولار المجمد" و"ليبيا"

من أبرز الروايات التي تلاحق هذه النقود أنها "مليارات تعود لنظام الرئيس الليبي الأسبق، القذافي"، مشيرين إلى أنه يتم "منع تداولها بسبب عقوبات دولية أوسع" والتي فرضت على ذلك النظام.

ويرى مختصون أن هذه الرواية تفتقر للمنطق، بحسب ما توكد الأكاديمية الكيك إذ أن "ما حصل في ليبيا، كان عبارة عن تجميد أصول وحسابات مصرفية، وليس وقف التعامل بأوراق نقدية مباشرة ضمن أرقام متسلسلة".

وأضافت "السؤال الذي نطرحه للإجابة بمنطق أكبر: كيف يمكن لمصرف، أن يحدد أن هذا الحساب أو ذاك الحساب، يمتلك هذه الأوراق النقدية؟ الأوراق النقدية هي أوراق قابلة للتداول. هذه العملة التي يدّعون أنها عملات حقيقية، يتبين في أغلب الأوقات أنها مزيفة".

وتزعم شبكات الترويج لهذه النقود "أن تجميدا فرضته واشنطن حينها طال أوراقا نقدية أميركية بعينها لدى البنك المركزي الليبي"، وهو ما لم يذكره صراحة ما فرضته الولايات المتحدة.

ونص القرار التنفيذي الأميركي "رقم 13566" بشأن ليبيا بتجميد "جميع الممتلكات وفوائدها المتواجدة في الولايات المتحدة، والتي تدخل فيما بعد إليها أو التي تصبح لاحقا في حوزة أو سيطرة أي شخص أميركي، بما في ذلك أي فروع خارجية للحكومة الليبية، ووكالاتها وأجهزتها والكيانات الخاضعة لها ومصرف ليبيا المركزي".

كبير الباحثين بجامعة جونز هوبكنز الأميركية، حافظ الغويل، يقول إن "ليبيا كانت لديها أموال تتبع جهتين في ليبيا، واحدة منهم هي الأموال الليبية المجمّدة التي تتبع البنك المركزي".

وذكر الغويل ،الذي كان مستشارا لنائب رئيس البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن المبالغ المجمّدة "كانت حوالي 120 مليار دولار في ذلك الوقت. وكان هناك حوالي 68 مليار تتبع شركة الاستثمارات الليبية. المجتمع الدولي جمّد كل هذه الأموال".

وأضاف أنه "عندما سقط النظام السابق، وتولى المسؤولية نظام جديد. رفعوا الحظر على أموال البنك المركزي، والبنك المركزي من ذلك اليوم، له كامل الحرية في استعمال الأموال التي تتبعه حول العالم، ولكن العقوبات الدولية لم تتطرق إلى أوراق نقدية بعينها، يعني من الصعب في أي مكان في العالم أن تستهدف نقودا أو أوراق مالية".

مهمة مستحيلة

مدير معهد السياسات الدولية في واشنطن، باولو فون شيراك، قال إن "وزارة الخزانة الأميركية، وجهاز الخدمة السرية والسلطات الأخرى تحرص على جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات التفصيلية، لكن الأمر معقد.. فكيف يمكنك مراقبة كل ما يحدث في أي جزء من العالم؟ وأي وقت؟ وحتى الوصول لفهم واضح حول كل شيء؟".

وأضاف "يبدو ذلك مستحيلا"، ومؤكدا أنه من الصعوبة "تجميد أوراق نقدية بعينها، إذ يستحيل تتبعها".

وأوضح شيراك "ما أن يبدأ تداول الأوراق النقدية الأميركية، لا أتصور أن هناك إمكانية لتعقبها فما أن أخرج ورقة 'البنكنوت' من جيبي لأدفع لك مقابل شيء ما، ثم تستخدم أنت نفس الورقة النقدية لتدفع مقابل الحصول على شيء لشخص آخر، فمن يمكنه ملاحقة هذه الورقة تحديدا؟ هذا مستحيل!".

"الدولار المجمد" والعراق

ورغم ربط هذا الدولار بعقوبات فرضت على ليبيا، إلا أن الحديث عن "الدولار المجمّد" ظهر أول مرة، في عام 2003، بعد حرب العراق، عندما خسرت البنوك العراقية مليارات الدولارات، وقدمت بغداد حينها طلبا رسميا بأن تجمّد واشنطن "جميع الأوراق النقدية التي اختفت".

المستشار في البنك المركزي العراقي، إحسان الشمري، نفى هذه الرواية وقال: "لا، هذا في الحقيقة ليس صحيحا. نعم، تمت سرقة بعض الأموال من المصارف في العراق، ولكن البنك المركزي فورا قام باستبدال الأوراق النقدية العراقية".

واستطرد "خلال أقل من سنة، والدولارات التي كانت بالعراق، كانت قليلة جدا، لأنها استنفدت أصلا من قبل الحكومة وأجهزتها، سرقت بعض الدولارات، ولكن هذا لم يؤثر على الوضع الاقتصادي، ولا دفع بأميركا ولا العراق إلى تبيان أرقامها وتسلسلها، فهذا كلام حقيقةً غير صحيح".

ومع عودة الترويج لـ"الدولار المجمّد"، في عام 2020، "تصدى البنك المركزي العراقي حينها، ونوّرنا الجمهور أنه لا يتواجد شيء اسمه 'ورقة الدولار الليبي'، أو 'دولار عراقي'، أو 'دولار ألماني' إلى آخره. الإصدار النقدي في البنك المركزي الأميركي الفيدرالي هو إصدار اعتيادي. المطبعة تطبع الأوراق ونظام حاسوبي كامل هو الذي ينتج الرموز وتسلسلها"، بحسب الشمري.

ورغم هذه الجهود، وجدت مجموعات الترويج لهذه النقود المزيفة طريقها للإيقاع بضحاياها.

ومع استمرار الحملات الأمنية، واصلت شبكات البيع الترويج لها باعتبارها دولارات ليبيا المجمدة، ما دفع البنك المركزي العراقي، في عام 2022، إلى إصدار بيان ثان.

وأكد البنك المركزي في بيانه أنه "يحتفظ بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يتداول مثل هذه الأوراق المزيفة أو يروج لها، وبالتنسيق مع الأجهزة المختصة".

الإحجام عن الشكوى

وتواصل فريق "الحرة تتحرى" مع بعض من تعرضوا للاحتيال، ولكنهم آثروا عدم الحديث مثلما عزفوا عن إبلاغ الشرطة، خوفا من أن يجدوا أنفسهم متهمين أمام القانون.

علي سلوم، وهو قاض أول مكتب التحقيق في الكاظمية ببغداد، أكد أنه لا مسؤولية جزائية بحق المشتكي، إذ "تباشر المحكمة بإجراءاتها التحقيقية العاجلة، ومن خلال متابعة الجناة ومحاولة ضبطهم بالجرم المشهود".

وأشار إلى أن المواطن قد يصبح "تحت طائلة المساءلة القانونية لعدة أوجه، من أهمها إذا حاول المواطن مستقبلا الترويج وبيع هذه العملات، مع علمه بتزويرها".

فيما يسرد الضحايا أسبابا أخرى لعدم إبلاغهم عمن تلاعبوا بهم، منها أن أعضاء هذه الشبكات عادة ما يخفون هوياتهم الحقيقية ، خاصة وأنهم يضللونهم باستخدام ما يعرف بـ"أرقام الهواتف الافتراضية والمتاحة للشراء ببضعة دولارات عبر الإنترنت".

وتقول الخبيرة اللبنانية في مجال جرائم المعلومات، جنان خوري، أن استخدام "رموز اتصال لبلد ثان، تتيح للمحتال أن يرتكب جرائمه أكثر وأكثر، لأنه أولا سيكون هو خارج تغطية الدولة".

شبكات دولية

رغم التحريات الرسمية في العراق حسب تصريحات قاضي التحقيق العراقي سلوم، لم تُكشَف حتى الآن شبكات عابرة للحدود، إلا أنه يشير إلى تدفق الدولارات المزورة من دول مجاورة.

وأشار إلى أن "التحقيقات لم تتوصل إلى ارتباط هذه المجموعات، التي تم التحقيق بها وإكمال التحقيق وإحالتهم للمحاكم المختصة، لم يتبين من خلال هذه الدعاوى، تواجد أي ارتباط لها بالخارج. ذكرنا آنفا أنه لا يمكن إدخال أي نوع من أنواع العملات المزيفة أو المجمّدة إلى أي بلد عن طريق الحوالات المصرفية والمعاملات البنكية الأصولية، وإنما يعمدون إلى إدخالها عن طريق شبكات التهريب عبر الحدود".

وتفيد شهادة لأحد المتهمين نشرتها مديرية مكافحة إجرام بغداد إلى تواجد شبكات تمتد إلى خارج العراق.

"طفرة تزييف الدولار"

ولضعف قصة الربط بين هذه النقود والعقوبات على ليبيا، يربط محللون انتشار ما أسموه بـ"حيلة الدولار المجمّد" بطفرة شهدتها دول كتركيا في أنشطة تزييف النقد الأميركي خلال السنوات الأخيرة.

وتكشف البيانات، التي تتيحها شبكة فيسبوك عبر ما يعرف بخاصية شفافية الصفحات، أن بعض القائمين على حسابات بيع الدولارات المزوّرة "موزّعون بين العراق وتركيا".

وقال المحلل في شؤون الأمن القومي التركي، عمر أوزكيريلجيك، إن السلطات في إسطنبول "صادرت أكبر ضبطية مسجلة حتى الآن من الدولارات المزورة، قيمتها مليار دولار كانت ستُشحَن إلى أفريقيا".

وأضاف أن "الأمن التركي نفذ عمليات أخرى ضبط خلالها ما مجموعه 15 مليون دولار مزورة قبل ضخّها في السوق التركية أو تهريبها لسوريا والعراق".

ويوضح أوزكيريلجيك أنه "عادة عندما ننظر إلى تقارير الشرطة التركية، نجد أن ما يقرب من 80 في المئة من الأموال المزيّفة التي تمت مُصادرتها كانت بالليرة التركية على سبيل المثال في العام الماضي، لكنني أتوقع أن ترتفع نسبة الدولار الأميركي في التقرير القادم عن هذا العام".

وتشير بيانات رسمية وتقارير صحفية إلى ملايين الدولارات المزورة تم ضبطها فيما كان طابعوها يحضّرون لتهريبها إلى الخارج.

مدير الأخبار في شبكة "سي إن إن تورك" في إسطنبول، نهاد أولوداغ، يقول إن التحريات كشفت "مطبعة رقمية كاملة للنقود المزيفة، في قبو مركز تجاري بمنطقة الفاتح في إسطنبول. تم ضبط 12 مليون دولار في هذا الموقع من فئتي 50 و100 دولار، وكان المزورون يتهيؤون لطباعة دفعات جديدة على أن يوزّعوها في تركيا وسوريا والعراق".

وأشارت تقارير صحفية تركية إلى أن هذه الشحنات المزوّرة كانت ستُطرح في سوريا والعراق بنصف قيمة الدولار الحقيقي، وهي آلية عرض ما يعرف بالدولارات المجمّدة.

وهو ما يؤكده أيضا المحلل أوزكيزيلجيك، بقوله: "نعلم أن بعض الأموال المزيفة قد تم إرسالها من تركيا إلى العراق، لكننا نعلم أيضا أن بعض المواد الأولية والعاملين في التزوير جاؤوا من العراق إلى تركيا، لذلك ليس من الجيد إلقاء اللوم على جانب واحد، ولكن ما يجب التركيز عليه هو أن هذه الأنشطة تعدّ مجالات تهديد مشتركة ويجب أن تشهد تعاونا مشتركا لمواجهتها".

الخبير الاقتصادي الغويل يرجح بدوره أن هذه "الأرقام متوفرة لدى جهاز الخدمة السرية الأميركي".

ولم يجب جهاز الخدمة السرية الأميركي عن استفسارات "الحرة تتحرى".

ويؤكد مدير معهد السياسات الدولية في واشنطن، شيراك، أنه عادة "ما يتم الربط بين الخدمة السرية بحماية كبار الشخصيات وخاصة رئيس الولايات المتحدة، هذا هو واجبهم الأبرز حماية الشخصيات المهمة وأيضا حماية السفارات الأجنبية".

واستدرك بقوله "لكن مهمتهم الأولى كانت ولا تزال مراقبة الأموال، والبحث عن المزورين وملاحقتهم".

وتسفر جهود جهاز الخدمة السرية حول العالم عن ضبط عشرات الملايين من الدولارات المزيفة سنويا، كما تنشر إحصاءاتها في تقرير دوري.

وكشف التقرير السنوي لجهاز الخدمة السرية الأميركي، لعام 2022، عن مصادرة أكثر من 41 مليون دولار من العملة المزوّرة" دون تحديد الدول التي تمت مصادرتها منها.

وتحذر الأكاديمية الكيك، من مخاطر "الدولار المجمّد" وأثره على مستوى الاقتصاد الكلي، مؤكدة أن تداعياته هي "الأخطر على المستوى الشخصي بخسارة المدّخرات".

كورماشيفا كانت في زيارة سريعة لمسقط رأسها العام الماضي
كورماشيفا كانت في زيارة سريعة لمسقط رأسها قبل اعتقالها من السلطات الروسية. أرشيفية

تعد روسيا رابع أسوأ دولة في العالم سجنا للصحفيين، حيث وثقت أحدث تقارير لجنة حماية الصحفيين الدولية، وجود ما لا يقل عن 22 صحفيا في السجون الروسية.

في صيف عام 2023 ألقت السلطات الروسية القبض على الصحفية الأميركية، ألسو كورماشيفا، في مطار قازان، عاصمة تترستان، إحدى جمهوريات الاتحاد الروسي، واتهمتها بالفشل في التسجيل كمراسلة أجنبية إضافة إلى نشر معلومات كاذبة عن الجيش الروسي.

الحرة تتحرى تلقي الضوء على ملف حرية الصحافة في روسيا، وتكشف مدى تراجع مساحة التعبير منذ تولي فلاديمير بوتين الرئاسة، وكيف تصاعدت الضغوط على المؤسسات، والأفراد، خلال العقدين الماضيين.

ويستعرض التحقيق الأدوات والقوانين، التي يستخدمها الكرملين لقمع الأصوات المعارضة، وكيف أثرت تلك التشريعات على عمل الصحفيين والمؤسسات داخل روسيا.

المستشار في معهد الولايات المتحدة للسلام، دونالد جنسن قال "الوضع سيء للغاية، يمكنك إما محاولة القيام بعملك، كما يحدث في الغرب، وفي هذه الحالة قد يتعرض البعض للقتل، أو السجن، أو التهديد، أما إذا أردت الحفاظ على وظيفتك، فعليك إذاعة ما يمليه الكرملين، هذه هي الخيارات".

الخبير في الشؤون الروسية، بافيل فيلجينهاور يوضح أنه خلال الفترة الماضية "توقفت صحيفة نورويا غازيت، واختفت إذاعة صدى موسكو نهائيا، وبالتالي لا توجد حاليا أي خدمة إخبارية مستقلة، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مكتوبة، ومن يحاول نشر أي شيء، لا يعجب السلطات على الإنترنت، يتعرض للملاحقة القضائية، وقد يعاقب بغرامات باهظة، أو بالسجن".

مطلع تسعينيات القرن الماضي، وفي السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأت موسكو في هيكلة نظامها الجديد، فأصدرت آنذاك، أول قانون لتنظيم الإعلام.

الرئيس بوريس يلتسين وقع قانون الإعلام الروسي لعام 1991، والذي يضمن حرية الصحافة، مع وجود استثناءات محددة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تنص المادة الرابعة على حظر الدعوة إلى تغيير النظام الدستوري القائم بالقوة، وحظر إثارة الكراهية الاجتماعية أو الطبقية أو الوطنية، بحسب تقرير مركز القانون بجامعة تورو الأميركية.

ويشرح جنسن أنه "خلال التسعينيات، كان يقال دائما إن الصحافة في روسيا حرة، لم تكن حرة بالمعنى الذي نفهمه في الغرب، لكنها كانت على الأقل، أكثر حرية وتعددية من اليوم، تواجدت مؤسسات إعلامية، أشهرها NTV، وهي شبكة تلفزيون مستقلة، مولها أحد الاثرياء الروس، المرتبطين ببوريس يلتسين، لكن عندما تولى بوتين السلطة، استولى على هذه الشبكة، ووضعها تحت سيطرة الكرملين".

ومع تولي فلاديمير بوتين الرئاسة مطلع الألفية الثالثة، تراجعت حرية الإعلام الروسي بشكل مطرد، وتقلصت حتى، المساحة المحدودة، التي كانت متاحة.

ويشير تقرير لمنظمة مراسلون بلا حدود إلى أن هيئة تنظيم وسائل الإعلام الروسية وضعت رقابة على معظم المواقع الإخبارية المستقلة، وتم تصنيف المواقع الأكثر شعبية، مثل ميدوزا، وTV Rain، بكونها منظمات غير مرغوب فيها، ما يعني أن ذكرها أو الاقتباس عنها، قد يؤدي إلى مسؤولية جنائية. اما وسائل الإعلام المتبقية فمملوكة للدولة أو لحلفاء الكرملين، ويجب على موظفيها اتباع الأوامر الصادرة من مكتب الرئيس بشأن المواضيع التي يتم تجنبها، كما يجب عليهم ممارسة الرقابة الذاتية بدقة.

وقال جنسن إنه "لا ضرورة لسجن الناس، بل يمكن زرع الخوف، وإملاء ما يجب إذاعته على الإعلاميين الحكوميين، هذا ما سنبثه اليوم، وهكذا سنغطي حرب أوكرانيا، إضافة لإجراءات أخرى، مثل زيارة المحطات الاهلية والمستقلة، وإخبارهم بانتهاء تراخيصهم الصادرة في فترة يلتسين، أو وجود مخالفات في العقد، يترتب عليها إغلاق المحطة".

حملة بوتين القمعية لم تتوقف، ففي صيف عام 2012، صادق الرئيس الروسي على قانون جديد يشدد الرقابة، على، جماعات الحقوق المدنية الممولة من الخارج، ويسميها، العملاء الأجانب.

واستهدف قانون العملاء الأجانب المنظمات غير الحكومية التي تتلقى منحا من الخارج. ومن وقتها تم تعديل التشريع بحيث لا يستهدف المنظمات الإعلامية فحسب، بل الصحفيين وناشطي اليوتيوب وأي شخص يتلقى أموالا من الخارج، ويعبر عن رأي سياسي، بحسب تقرير لمحطة NPR الأميركية.

وبدخول قانون العملاء الأجانب حيز التنفيذ أواخر 2012، تعرضت مئات المنظمات لتقلص في التمويل، وتشويه للسمعة.

ونقلت قناة PBS الأميركية عن منظمات حقوق الإنسان قولهم إن مصطلح "العميل الأجنبي" في روسيا يشبه وصف "الجاسوس" أو "الخائن". ولا توجد طريقة للطعن في هذا التصنيف أمام المحكمة مسبقا. كما يُحظر على من يسمون "عملاء أجانب" ممارسة العديد من أنشطة الحياة العامة، كالخدمة المدنية، والتبرع للحملات الانتخابية، وتعليم الأطفال.

ويشرح الخبير في شؤون الدفاع الروسية، فيلجينهاور أن "تصنف كعميل أجنبي" يتبعها اتهامات "بنشر معلومات مضللة أو أخبار كاذبة، وقد تصل العقوبة إلى السجن لمدة لا تقل عن سبع سنوات، والأسوأ، أن تعمل مع منظمة غير مرغوب فيها، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى عقوبات تصل للسجن عشر سنوات، الجميع يدرك العواقب، لذا يرحل الكثيرون قبل أن يتم اعتقالهم".

وبعد غزو أوكرانيا، نهايات فبراير 2022، أصدر الكرملين حزمة من التشريعات، أصبح معها المشهد الإعلامي الروسي أشد قسوة.

وفي السنوات الأخيرة، خاصة بعد بدء الحرب في أوكرانيا، تم تعديل وتوسيع القوانين المتعلقة بحرية التعبير، بما في ذلك التشهير ونشر الأخبار الكاذبة، أو أي معلومات عن الحرب، قد تعتبرها الحكومة الروسية غير صحيحة، والتي يؤدي نشرها إلى عقوبة السجن لمدة تصل إلى خمس عشرة 15 سنة، وغرامات تصل إلى خمسة ملايين روبل (أي ما يزيد عن 48 ألف دولار)، بحسب تقرير نشره موقع قناة PBS الأميركية.

الخبيرة في شؤون الصحافة الروسية، ماريا أوردزونيكيدزه قالت إن القوانين الجديد "تفرض قواعد معينة على تغطية الحرب في أوكرانيا، ومن لا يلتزم بهذه القواعد، يمكن أن يتعرض للمحاكمة، بتهمة نشر أخبار كاذبة، لذا أصبح من الخطر على الصحفيين نشر أي معلومات، لا تتوافق مع ما تروجه وسائل الإعلام الحكومية الروسية، سواء كانت أخبارا، أو معلومات، أو صورا، أو مقاطع مصورة".

ووفقا لمنظمة مراسلون بلا حدود، تصاعدت أعداد الصحفيين، الذين تعرضوا للاضطهاد في روسيا، بين عامي 2000 و2024، لتصل 162 صحفيا، 41 منهم في عداد القتلى، وما لا يقل عن 111 قيد الاحتجاز، إضافة لعشرة في عداد المفقودين.

وقالت أوردزونيكيدزه لقد "رأينا حالات لاعتقال صحفيين أجانب، كمراسل وول ستريت جورنال، إيفان جيرشكوفيتش، والذي قضى أكثر من عامين في سجن روسي، قبل أن يتم استبداله بجواسيس ومجرمين، كما نشهد حاليا اتهاما لمجموعة من الصحفيين بإنتاج محتوى متطرف، حيث يُزعم أنهم عملوا على مساعدة المعارض الروسي، اليكسي نافالني، في نشر مواد إعلامية".

كانت قوانين العملاء الأجانب، والأخبار الكاذبة، هي أساس الاتهامات الموجهة للصحفية الأميركية، ألسو كورماشيفا، والتي تحولت قضيتها إلى مسألة دبلوماسية، بين واشنطن وموسكو، فما قصة احتجازها، وكيف تم الإفراج عنها.
وفي تقرير وثائقي نشرته "صوت أميركا" قال بافيل بوتورين زوج ألسو كورماشيفا "أنا زوج ألسو كورماشيفا، وأعمل مديرا لقناة Current Time، في محطة راديو أوروبا الحرة / راديو ليبرتي، هنا في براغ، أتولى مسؤوليات كثيرة، مسؤوليتي كأب لفتاتين، كان عليهما أن يكبرا بسرعة، خلال الأشهر القليلة الماضية".

وأضاف "قمنا بحساب الوقت الذي مر دون ألسو بأعياد ميلادنا، لأنها غابت عنها كلها، لا يوجد أي منطق في العقوبة التي تتعرض لها، ومن وجهة نظري حدث ذلك فقط، لأنها عاشت الحلم الأميركي، ومارست حقوقها، التي يكفلها التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة".

وقالت بيبي بوتورين، ابنة ألسو "ربما يكون من المستحيل وصف أمي، لأنها تمتلك العديد من الصفات، هي محبة وتهتم بالآخرين، كما أنها خفيفة الدم حقا، ومن أكثر الأشياء التي أحبها فيها، اهتمامها بكل من حولها".

ويشرح بافيل أن زوجته ألسو "تهتم كثيرا بالآخرين، وهو ما دفعها حقا للسفر إلى روسيا، على الرغم من أننا كنا ندرك المخاطر المحتملة، وعندما كانت تستعد للمغادرة، قالت، أخبرني إن كل شيء سيكون على ما يرام، ماذا يمكن للزوج أن يقول لزوجته في مثل هذا الموقف، وأحيانا أتساءل، ماذا لو كنت قد قلت لا".

وقال بافيل إن "أصعب اللحظات عندما أكون بمفردي، لذا أستمد القوة من أطفالي، إنهم دعم كبير لي، كانوا رائعين، وأعتقد أنني تعودت على أن أبقي متماسكا مهما حدث، لكن وبالتأكيد أثر هذا الأمر علينا عاطفيا، عادة ما أستيقظ مبكرا لممارسة رياضة الصباح، لذا، ومن أجل الحفاظ على أي نوع من الطبيعية أو العقلانية، يتعين علي حقا أن أتوقف عن التفكير".

مدير الخدمة التترية في راديو أوروبا الحرة / راديو ليبرتي، ريم جيلفانوف قالت إنها "التقطت صورة بمناسبة الذكرى الستين لبدء الخدمة، وقررنا الاحتفال بهذه الطريقة، التقطنا صورة بالزي التتري التقليدي، ألسو شخصية جادة، لا شك في ذلك، ومع ذلك، فالصفة الرئيسية التي تتبادر إلى ذهني، عندما أفكر فيها، هي الحماس الدائم، والاستعداد لمساعدة كل من حولها".

رئيس محطة راديو أوروبا الحرة / راديو ليبرتي، ستيفن كابوس قال إن الأمر "تطور تدريجيا، ذهبت ألسو لزيارة والدتها، ولم تكن هناك للعمل الصحفي، وعندما حاولت المغادرة، منعت من السفر، بدأت الامور تسوء تدريجيا من تلك اللحظة، وشيئا فشيئا، أصبح واضحا أنهم لن يسمحوا لها بالمغادرة، بعدها، لم يتم سجنها إلا في أكتوبر".

وذكر بافيل أن "ألسو امرأة قوية وصامدة، لكن عندما أراها في جلسات المحكمة، أستطيع أن أرى التأثير العاطفي والجسدي، الذي تركه هذا الاحتجاز الظالم عليها، مكانها ليس في زنزانة السجن، بل مع أسرتها هنا".

وفي 19 يوليو 2024 حكم على ألسو كورماشيفا بالسجن لست سنوات ونصف، فيما انتقد مراقبون محاكمتها السرية ووصفوها بالصورية.

وقال بافيل "صدمت بعد سماع خبر هذا الحكم المروع، ولكنه كان متوقعا، فمعدلات الإدانة في روسيا مرتفعة بشكل لا يصدق، وتصل إلى 100 في المئة تقريبا، وخاصة في القضايا السياسية، مثل قضية ألسو".

من حضن عائلتها إلى زنزانة باردة.. ماذا حدث للصحفية الأميركية كورماشيفا في روسيا؟
بعد نحو 10 أشهر من السجن والضغط لانتزاع اعترفات، أصدرت محكمة روسية حكما بالسجن على صحفية روسية أميركية كانت في زيارة سريعة لمسقط رأسها، العام الماضي، ليضاف إلى سلسلة أحكام روسية صدت بحق مواطنين أميركيين يعتبرها البعض ذات أغراض سياسية.

واستطاعت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن التوصل لتبادل تاريخي للسجناء مع روسيا، والتي كانت أكبر عملية تبادل منذ الحقبة السوفيتية بين روسيا والدول الغربية، ليشمل ثلاثة مواطنين أميركيين، وحامل إقامة دائمة.

وقال الرئيس الأميركي، جو بايدن حينها "نعيد إلى الوطن، بول وإيفان وألسو وفلاديمير، ثلاثة مواطنين أميركيين، إضافة لحامل بطاقة خضراء، والأربعة سُجنوا ظلما في روسيا".

وفي أواخر أغسطس بعد نحو شهر على إطلاق سراحها ووصولها للولايات المتحدة قالت الصحفية ألسو كورماشيفا إنها "تستمتع بالحرية، وبكل لحظة فيها، بمذاق الطعام والماء، وبالتحدث إلى الناس".

وأضافت "أنا سعيدة بلقاء عائلتي، ولكنني أفكر أيضا في أولئك الذين ما زالوا في السجن، وخاصة الصحفيين، وتحديدا ثلاثة من زملائي في راديو أوروبا الحرة، أشعر بآلامهم، وآلام عائلاتهم".