الدولار المجمد يوقع العديد من الضحايا في دول عربية. أرشيفية - تعبيرية
الدولار المجمد يوقع العديد من الضحايا في دول عربية. أرشيفية - تعبيرية

"ربح خيالي وسريع" هذا ما تروج له إعلانات على شبكات التواصل الاجتماعي تسوق لبيع ما يعرف بـ"الدولار المجمّد" أو ما يسميه البعض بـ"الدولار الليبي المجمّد".

الصفحات التي تروج لبيع "تلال من الدولارات" تزعم سلامتها من الناحية المالية، ويشير أصحابها إلى أن منع التداول بها يعود لأنها ضمن المبالغ الممنوع تداولها، لأنها كانت في حوزة نظام الرئيس المخلوع، معمر القذافي، قبل أكثر من عقد.

فما حقيقة هذا "الدولار المجمّد"؟

برنامج "الحرة تتحرى" الذي تبثه قناة "الحرة" تتبع رحلة هذا الدولار من مرحلة طباعته وصولا إلى المشترين أو المستهلكين الذين غالبا ما يصبحون ضحية.

يقول أحد مروجي "الدولار المجمد" في إعلان عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنها نقود "سليمة 100 في المئة.. مشكلتها أنها لا تدخل البنوك المركزية.. يتم تداولها عبر التحويل لها وعبر التسليم.. من يريدها يتواصل عبر الخاص".

استغلال للأزمة في لبنان

في لبنان وخلال الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد فيما يرتبط بأموال مئات الآلاف من المودعين لدى البنوك، ظهرت أولى عمليات الترويج لهذه النقود، إذ أصبح العديد ممن يمتلكون سيولة نقدية يبحثون عن تحقيق "أرباح سريعة وسهلة".

الأكاديمية الباحثة اللبنانية في القوانين المصرفية والمالية، سابين الكيك، تقول إن المروجين يختارون من هم من "بيئة متواضعة تعاني من أزمات اقتصادية أو مالية، مستوى الوعي المالي في هذه البيئة متدني، إن لم نقل معدوم".

وأشارت إلى أن السلطات اللبنانية، خاصة مديرية قوى الأمن الداخلي، أصدرت في لبنان تعميما، في عام 2020، إذ "نبهت بوضوح تام، أن قصة الدولارات الليبية المجمّدة، هي (عمليات احتيال)".

وقالت قوى الأمن اللبناني في بيان حينها إن "الهدف من إطلاق هذه الشائعات، هو لتسهيل عمليات ترويج دولارات مزيفة، وذلك من خلال إيهام الناس بتوفر هذه الدولارات للاستيلاء على أموالهم، بحيث يجري تبديل العملة الصحيحة بالعملة المزيفة في أثناء عملية التسلم والتسليم".

وفي غضون شهرين، خلال ربيع عام 2022، ألقت قوى الأمن القبض على ثلاث مجموعات اتهمت بترويج "الدولار المجمّد" بعد إيقاعهم بأكثر من 60 ضحية.

ولم تجب قوى الأمن الداخلي اللبناني عن استفسارات "الحرة تتحرى".

"الدولار المجمد" و"ليبيا"

من أبرز الروايات التي تلاحق هذه النقود أنها "مليارات تعود لنظام الرئيس الليبي الأسبق، القذافي"، مشيرين إلى أنه يتم "منع تداولها بسبب عقوبات دولية أوسع" والتي فرضت على ذلك النظام.

ويرى مختصون أن هذه الرواية تفتقر للمنطق، بحسب ما توكد الأكاديمية الكيك إذ أن "ما حصل في ليبيا، كان عبارة عن تجميد أصول وحسابات مصرفية، وليس وقف التعامل بأوراق نقدية مباشرة ضمن أرقام متسلسلة".

وأضافت "السؤال الذي نطرحه للإجابة بمنطق أكبر: كيف يمكن لمصرف، أن يحدد أن هذا الحساب أو ذاك الحساب، يمتلك هذه الأوراق النقدية؟ الأوراق النقدية هي أوراق قابلة للتداول. هذه العملة التي يدّعون أنها عملات حقيقية، يتبين في أغلب الأوقات أنها مزيفة".

وتزعم شبكات الترويج لهذه النقود "أن تجميدا فرضته واشنطن حينها طال أوراقا نقدية أميركية بعينها لدى البنك المركزي الليبي"، وهو ما لم يذكره صراحة ما فرضته الولايات المتحدة.

ونص القرار التنفيذي الأميركي "رقم 13566" بشأن ليبيا بتجميد "جميع الممتلكات وفوائدها المتواجدة في الولايات المتحدة، والتي تدخل فيما بعد إليها أو التي تصبح لاحقا في حوزة أو سيطرة أي شخص أميركي، بما في ذلك أي فروع خارجية للحكومة الليبية، ووكالاتها وأجهزتها والكيانات الخاضعة لها ومصرف ليبيا المركزي".

كبير الباحثين بجامعة جونز هوبكنز الأميركية، حافظ الغويل، يقول إن "ليبيا كانت لديها أموال تتبع جهتين في ليبيا، واحدة منهم هي الأموال الليبية المجمّدة التي تتبع البنك المركزي".

وذكر الغويل ،الذي كان مستشارا لنائب رئيس البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن المبالغ المجمّدة "كانت حوالي 120 مليار دولار في ذلك الوقت. وكان هناك حوالي 68 مليار تتبع شركة الاستثمارات الليبية. المجتمع الدولي جمّد كل هذه الأموال".

وأضاف أنه "عندما سقط النظام السابق، وتولى المسؤولية نظام جديد. رفعوا الحظر على أموال البنك المركزي، والبنك المركزي من ذلك اليوم، له كامل الحرية في استعمال الأموال التي تتبعه حول العالم، ولكن العقوبات الدولية لم تتطرق إلى أوراق نقدية بعينها، يعني من الصعب في أي مكان في العالم أن تستهدف نقودا أو أوراق مالية".

مهمة مستحيلة

مدير معهد السياسات الدولية في واشنطن، باولو فون شيراك، قال إن "وزارة الخزانة الأميركية، وجهاز الخدمة السرية والسلطات الأخرى تحرص على جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات التفصيلية، لكن الأمر معقد.. فكيف يمكنك مراقبة كل ما يحدث في أي جزء من العالم؟ وأي وقت؟ وحتى الوصول لفهم واضح حول كل شيء؟".

وأضاف "يبدو ذلك مستحيلا"، ومؤكدا أنه من الصعوبة "تجميد أوراق نقدية بعينها، إذ يستحيل تتبعها".

وأوضح شيراك "ما أن يبدأ تداول الأوراق النقدية الأميركية، لا أتصور أن هناك إمكانية لتعقبها فما أن أخرج ورقة 'البنكنوت' من جيبي لأدفع لك مقابل شيء ما، ثم تستخدم أنت نفس الورقة النقدية لتدفع مقابل الحصول على شيء لشخص آخر، فمن يمكنه ملاحقة هذه الورقة تحديدا؟ هذا مستحيل!".

"الدولار المجمد" والعراق

ورغم ربط هذا الدولار بعقوبات فرضت على ليبيا، إلا أن الحديث عن "الدولار المجمّد" ظهر أول مرة، في عام 2003، بعد حرب العراق، عندما خسرت البنوك العراقية مليارات الدولارات، وقدمت بغداد حينها طلبا رسميا بأن تجمّد واشنطن "جميع الأوراق النقدية التي اختفت".

المستشار في البنك المركزي العراقي، إحسان الشمري، نفى هذه الرواية وقال: "لا، هذا في الحقيقة ليس صحيحا. نعم، تمت سرقة بعض الأموال من المصارف في العراق، ولكن البنك المركزي فورا قام باستبدال الأوراق النقدية العراقية".

واستطرد "خلال أقل من سنة، والدولارات التي كانت بالعراق، كانت قليلة جدا، لأنها استنفدت أصلا من قبل الحكومة وأجهزتها، سرقت بعض الدولارات، ولكن هذا لم يؤثر على الوضع الاقتصادي، ولا دفع بأميركا ولا العراق إلى تبيان أرقامها وتسلسلها، فهذا كلام حقيقةً غير صحيح".

ومع عودة الترويج لـ"الدولار المجمّد"، في عام 2020، "تصدى البنك المركزي العراقي حينها، ونوّرنا الجمهور أنه لا يتواجد شيء اسمه 'ورقة الدولار الليبي'، أو 'دولار عراقي'، أو 'دولار ألماني' إلى آخره. الإصدار النقدي في البنك المركزي الأميركي الفيدرالي هو إصدار اعتيادي. المطبعة تطبع الأوراق ونظام حاسوبي كامل هو الذي ينتج الرموز وتسلسلها"، بحسب الشمري.

ورغم هذه الجهود، وجدت مجموعات الترويج لهذه النقود المزيفة طريقها للإيقاع بضحاياها.

ومع استمرار الحملات الأمنية، واصلت شبكات البيع الترويج لها باعتبارها دولارات ليبيا المجمدة، ما دفع البنك المركزي العراقي، في عام 2022، إلى إصدار بيان ثان.

وأكد البنك المركزي في بيانه أنه "يحتفظ بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يتداول مثل هذه الأوراق المزيفة أو يروج لها، وبالتنسيق مع الأجهزة المختصة".

الإحجام عن الشكوى

وتواصل فريق "الحرة تتحرى" مع بعض من تعرضوا للاحتيال، ولكنهم آثروا عدم الحديث مثلما عزفوا عن إبلاغ الشرطة، خوفا من أن يجدوا أنفسهم متهمين أمام القانون.

علي سلوم، وهو قاض أول مكتب التحقيق في الكاظمية ببغداد، أكد أنه لا مسؤولية جزائية بحق المشتكي، إذ "تباشر المحكمة بإجراءاتها التحقيقية العاجلة، ومن خلال متابعة الجناة ومحاولة ضبطهم بالجرم المشهود".

وأشار إلى أن المواطن قد يصبح "تحت طائلة المساءلة القانونية لعدة أوجه، من أهمها إذا حاول المواطن مستقبلا الترويج وبيع هذه العملات، مع علمه بتزويرها".

فيما يسرد الضحايا أسبابا أخرى لعدم إبلاغهم عمن تلاعبوا بهم، منها أن أعضاء هذه الشبكات عادة ما يخفون هوياتهم الحقيقية ، خاصة وأنهم يضللونهم باستخدام ما يعرف بـ"أرقام الهواتف الافتراضية والمتاحة للشراء ببضعة دولارات عبر الإنترنت".

وتقول الخبيرة اللبنانية في مجال جرائم المعلومات، جنان خوري، أن استخدام "رموز اتصال لبلد ثان، تتيح للمحتال أن يرتكب جرائمه أكثر وأكثر، لأنه أولا سيكون هو خارج تغطية الدولة".

شبكات دولية

رغم التحريات الرسمية في العراق حسب تصريحات قاضي التحقيق العراقي سلوم، لم تُكشَف حتى الآن شبكات عابرة للحدود، إلا أنه يشير إلى تدفق الدولارات المزورة من دول مجاورة.

وأشار إلى أن "التحقيقات لم تتوصل إلى ارتباط هذه المجموعات، التي تم التحقيق بها وإكمال التحقيق وإحالتهم للمحاكم المختصة، لم يتبين من خلال هذه الدعاوى، تواجد أي ارتباط لها بالخارج. ذكرنا آنفا أنه لا يمكن إدخال أي نوع من أنواع العملات المزيفة أو المجمّدة إلى أي بلد عن طريق الحوالات المصرفية والمعاملات البنكية الأصولية، وإنما يعمدون إلى إدخالها عن طريق شبكات التهريب عبر الحدود".

وتفيد شهادة لأحد المتهمين نشرتها مديرية مكافحة إجرام بغداد إلى تواجد شبكات تمتد إلى خارج العراق.

"طفرة تزييف الدولار"

ولضعف قصة الربط بين هذه النقود والعقوبات على ليبيا، يربط محللون انتشار ما أسموه بـ"حيلة الدولار المجمّد" بطفرة شهدتها دول كتركيا في أنشطة تزييف النقد الأميركي خلال السنوات الأخيرة.

وتكشف البيانات، التي تتيحها شبكة فيسبوك عبر ما يعرف بخاصية شفافية الصفحات، أن بعض القائمين على حسابات بيع الدولارات المزوّرة "موزّعون بين العراق وتركيا".

وقال المحلل في شؤون الأمن القومي التركي، عمر أوزكيريلجيك، إن السلطات في إسطنبول "صادرت أكبر ضبطية مسجلة حتى الآن من الدولارات المزورة، قيمتها مليار دولار كانت ستُشحَن إلى أفريقيا".

وأضاف أن "الأمن التركي نفذ عمليات أخرى ضبط خلالها ما مجموعه 15 مليون دولار مزورة قبل ضخّها في السوق التركية أو تهريبها لسوريا والعراق".

ويوضح أوزكيريلجيك أنه "عادة عندما ننظر إلى تقارير الشرطة التركية، نجد أن ما يقرب من 80 في المئة من الأموال المزيّفة التي تمت مُصادرتها كانت بالليرة التركية على سبيل المثال في العام الماضي، لكنني أتوقع أن ترتفع نسبة الدولار الأميركي في التقرير القادم عن هذا العام".

وتشير بيانات رسمية وتقارير صحفية إلى ملايين الدولارات المزورة تم ضبطها فيما كان طابعوها يحضّرون لتهريبها إلى الخارج.

مدير الأخبار في شبكة "سي إن إن تورك" في إسطنبول، نهاد أولوداغ، يقول إن التحريات كشفت "مطبعة رقمية كاملة للنقود المزيفة، في قبو مركز تجاري بمنطقة الفاتح في إسطنبول. تم ضبط 12 مليون دولار في هذا الموقع من فئتي 50 و100 دولار، وكان المزورون يتهيؤون لطباعة دفعات جديدة على أن يوزّعوها في تركيا وسوريا والعراق".

وأشارت تقارير صحفية تركية إلى أن هذه الشحنات المزوّرة كانت ستُطرح في سوريا والعراق بنصف قيمة الدولار الحقيقي، وهي آلية عرض ما يعرف بالدولارات المجمّدة.

وهو ما يؤكده أيضا المحلل أوزكيزيلجيك، بقوله: "نعلم أن بعض الأموال المزيفة قد تم إرسالها من تركيا إلى العراق، لكننا نعلم أيضا أن بعض المواد الأولية والعاملين في التزوير جاؤوا من العراق إلى تركيا، لذلك ليس من الجيد إلقاء اللوم على جانب واحد، ولكن ما يجب التركيز عليه هو أن هذه الأنشطة تعدّ مجالات تهديد مشتركة ويجب أن تشهد تعاونا مشتركا لمواجهتها".

الخبير الاقتصادي الغويل يرجح بدوره أن هذه "الأرقام متوفرة لدى جهاز الخدمة السرية الأميركي".

ولم يجب جهاز الخدمة السرية الأميركي عن استفسارات "الحرة تتحرى".

ويؤكد مدير معهد السياسات الدولية في واشنطن، شيراك، أنه عادة "ما يتم الربط بين الخدمة السرية بحماية كبار الشخصيات وخاصة رئيس الولايات المتحدة، هذا هو واجبهم الأبرز حماية الشخصيات المهمة وأيضا حماية السفارات الأجنبية".

واستدرك بقوله "لكن مهمتهم الأولى كانت ولا تزال مراقبة الأموال، والبحث عن المزورين وملاحقتهم".

وتسفر جهود جهاز الخدمة السرية حول العالم عن ضبط عشرات الملايين من الدولارات المزيفة سنويا، كما تنشر إحصاءاتها في تقرير دوري.

وكشف التقرير السنوي لجهاز الخدمة السرية الأميركي، لعام 2022، عن مصادرة أكثر من 41 مليون دولار من العملة المزوّرة" دون تحديد الدول التي تمت مصادرتها منها.

وتحذر الأكاديمية الكيك، من مخاطر "الدولار المجمّد" وأثره على مستوى الاقتصاد الكلي، مؤكدة أن تداعياته هي "الأخطر على المستوى الشخصي بخسارة المدّخرات".

مشكلات تونس السياسية والاقتصادية انعكست في أزمة بيئية غير مسبوقة
مشكلات تونس السياسية والاقتصادية انعكست في أزمة بيئية غير مسبوقة

تضمن الدولة التونسية الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ بحكم دستور البلاد، لكن ناشطين يشتكون نقص الإرادة السياسية لتحقيق ذلك.

ويسلط برنامج "الحرة تتحرى" الضوء على محاربة التلوث البيئي في تونس وهو منصوص عليه في الفصل 47 من الدستور التونسي.

تونس ... الملقبة بـ "الخضراء" 

كانت تونس بلدا سباقا، عربيا وأفريقيا، في الانضمام للعديد من الاتفاقيات الدولية للحفاظ على البيئة ومنع التلوث.

الاتفاقيات الدولية عززتها دساتير البلاد، وآخرها الصادر، في أغسطس من عام 2022.

يقول حمدي شبعان، الخبير في تدوير النفايات، إن دستور عام 2022، كان واضحا في المسائل البيئية، "ما ينقصنا هو الإرادة السياسية الفعلية من طرف السياسيين المتواجدين اليوم في صلب الحكم".  

وانعكست مشاكل البلاد السياسية والاقتصادية في أزمة بيئية غير مسبوقة، نتيجة تراكم النفايات المنزلية والصناعية داخل المصبات.

يقول منير حسين، عضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: "نحن لا نعالج النفايات، بل نقوم بنقلها من الأوساط الحضرية القوية، المدن، إلى غير ذلك. ونلقي بها في مصبات، عادة ما يتم اختيار الموقع بجانب مجموعات سكانية صغيرة، لا تملك الإمكانيات السياسية، والإمكانيات المادية للدفاع عن حقوقها". 

وتشير مبروكة ابن براهيم، مواطنة مقيمة في مدينة عقارب، إلى أن سكان المنطقة لم يواجهوا مشاكل حتى اتخذ القرار بتحديد منطقتهم كمكب للنفايات، وتقول: "(كنا) عايشين لا بأس علينا، نقعدوا برا (في الخارج) ونمشوا، لا عندنا ريحة فيتور، ولا عندنا ريحة دخان، ولا ريحة ازبل (نفايات)، ما عندناش، حتى جانا هذا المصب". 

يقول شبعان،  إن عدم الاستقرار السياسي، هو الذي جعل موضوع النفايات في تونس "ما يتطورش".

ويضيف حسين أن "الشركات الكبرى هي التي تسيطر على أغلب المصبات، وتستخلص أموالا ضخمة جدا، وهذه المشاريع، مشاريع المصبات، تقريبا (تشكل) تكلفة على الدولة، أموالا ضخمة جدا، دون أن تقوم بتجويد (بتحسين) الواقع البيئي". 

وبحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، وبغرض مراقبة التصرف في النفايات وإزالتها اعتمد البرلمان التونسي آنذاك قانونا جديدا. 

وينص "القانون 41" في الدستور التونسي على "تثمين النفايات عن طريق إعادة الاستعمال والتحويل، وكل الأعمال الأخرى الرامية إلى استخراج المواد القابلة لإعادة الاستعمال، ولاستخدامها كمصدر للطاقة، وتخصيص مصبّات مراقبة لإيداع النفايات المتبقية، أي بعد استيفاء كل مراحل التثمين الممكنة".

وبعد عام على صدور "القانون 41"، شرعت الحكومة التونسية في إنشاء مصبات مراقبة وصل عددها اليوم إلى عشرة، لكن الحال تغير بعد عام 2011.

ويقول محمد تومي، مسؤول سابق بالوكالة الوطنية للتصرف في النفايات: "في تونس حاليا نعيش أزمة، والأزمة هذه، على الأقل منذ ثماني أو تسع سنوات، ما بعد الثورة بالضبط، أصبحت مشكلة النفايات أزمة". 

ويوضح أنه "قبل الثورة، كان هناك برنامج مُسطّر، فبعد الثورة، المركز الوحيد لمعالجة النفايات الخطرة تم إغلاقه، وبالتالي، وليت (أصبحت) كل النفايات الخطرة تُرمى في المحيط".  

وطبقا لمؤشر الأداء البيئي لعام 2022 الصادر عن جامعة ييل الأميركية، تحتل تونس مستويات متدنية في مجال التعامل مع النفايات، وإعادة تدويرها ضمن 180 دولة شملها التقرير.

تقول بثينة الغانمي، نائبة رئيس لجنة الصناعة والبيئة في البرلمان التونسي المنحل: "هناك مصبات لم تعد مؤهلة، لأنها تحوي الكم الهائل من الفضلات، التي تعد متنوعة، يمكن أن تثمّن هذه النفايات، ويعني يتم استغلالها وتصبح ثروة، لكن الآليات والإمكانيات ربما تفوق توازنات (ميزانيات) وإمكانيات الدولة". 

وبعدد سكان تعدى 12 مليون نسمة، ووفقا لأرقام الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات لعام 2023، تنتج تونس سنويا حوالي 2.6 مليون طن من المخلفات.

وفي تقرير الوكالة التونسية للتصرف في النفايات، فإنه وفقا للدراسات، تتميز هذه النفايات بنسبة عالية من المواد العضوية تتجاوز 60 في المئة، وبنسبة عالية من الرطوبة تتراوح بين 65 و70 في المئة. 

ويرى تومي أن تكلفة حرق تلك النفايات أعلى مما يمكن الاستفادة منه في حال إعادة تدويرها وفرزها، وقال: "مثلا نحن، تونس العاصمة وما جاورها، المواد العضوية في حدود 68 في المئة"، موضحة "معناها ماعدش تعمل (لم نعد نعمل) عملية الفرز، كل شي يوقف، باش تقول إنت تشد الكتلة ككل، ونقول نحرقه، باش (من أجل أن) نخرج طاقة، ما تجيبش تخرج الطاقة، على خاطر، تكلفة الحرق أغلى من الي باش تنتج (الذي يمكن أن ينتج) الطاقة".  

ودفع ازدياد حجم المخلفات سنويا، وكون معظمها غير قابل لإعادة التدوير، الجهات المختصة للجوء لطرق يراها خبراء لا تحافظ على البيئة.

يقول شبعان،"طمر النفايات شر لا بد منه، لكن كم كمية النفايات التي توضع بالمصبات؟ نحن في تونس نردم تقريبا 95 في المئة من جميع النفايات. في الدول الغربية اليوم وصلوا لخمسة في المئة".

وامتنعت الجهات الرسمية عن إجابة تساؤلات "الحرة تتحرى".

يقول تومي، الذي عمل سابقا كرئيس لمديرية التصرف في النفايات في الوكالة الوطنية: "بالنسبة للنفايات المنزلية والمشابهة، ما هيش (ليست) الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات فقط المسؤولة، على خاطر (لأن) النفايات المنزلية والمشابهة تتبع البلديات، هما المسؤولان مباشرة، وهنا، هناك تضارب في القوانين، من يفعل ماذا؟ بعد الثورة كل واحد يقول لك: 'أنا خاطيني (لا علاقة لهذا بي)، ويرمي الكرة للآخر'".

وطبقا لوسائل إعلام محلية، تحتكر شركات "سيغور" و"إيكوتي" و"فاليس" تشغيل كل مصبات النفايات القانونية في البلاد، والبالغ عددها عشرة، مقابل عقود سنوية تبلغ قيمتها 24 مليون دولار أميركي.

ويقول موقع مرصد مجلس النواب التونسي: "ثبت بأن الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات لا تحكم عملية تحديد احتياجاتها، سواء على المستوى الكمي أو النوعي، ويظهر ذلك من خلال التعديل في حاجياتها، وبعد الإعلان عن كراسات الشروط، وبعد الإعلان عن المنافسة.

ويضيف "كذلك شابت كراسات الشروط العديد من النقائص، التي ساهمت في توجيه طلبات العروض نحو مزودي أو مُقدّمي خدمات معينين". 

ويقول شبعان: "عندما يُطلب، 30 مليون دينار للاشتراك في الصفقة، من هي الشركة التي تستطيع أن تنافس الشركات الكبرى (فيما يخص) مجال الخبرة؟ متواجدة في الغرب وليست متوفرة في تونس، وأغلب الشركات هي شركات فرنسية أو إيطالية، متواجدة في تونس، ليست شركات تونسية 100 في المئة، يعني كراسة شروط على المقاس".

حاولت قناة "الحرة" التواصل مع شركات"سيغور" و"إيكوتي" و"فاليس" للتعليق على الأمر، دون رد.

لأكثر من عقدين، ووفقا لأرقام رسمية، أدت عمليات طمر النفايات المستمرة في تونس إلى امتلاء المصبات المرخصة خاصة مع عدم إنشاء أي أماكن جديدة خلال العشر سنوات الماضية.

يقول شبعان إن "برج شكير تجاوز تقريبا 23 سنة في استغلاله"، مشيرا إلى أنه تجاوز أصلا عمره الافتراضي، "إلا أن الدولة التونسية ما تزال متمسكة باستغلال برج شكير، وبنفس الطريقة منذ 23 سنة بدون أي تغيير".

ووفقا لدراسات بحثية يتسبب طمر النفايات العضوية في تلوث كبير لعناصر البيئة: الماء والهواء والتربة".

وفي دراسة أجرتها جامعة كولورادو الأميركية، "يُطلِق تحلل الكتلة العضوية في مدافن النفايات غاز الميثان، الذي يعتبر أكثر فاعلية بمقدار 84 مرة في امتصاص حرارة الشمس من ثاني أكسيد الكربون، مما يجعله أحد أكثر الغازات مساهمة في الاحتباس الحراري وتغير المناخ".

وأضافت "في المتوسط، تقلل مدافن النفايات الكبيرة من قيمة الأراضي المجاورة لها بنسبة 12.9 بالمئة، وتتسبب في مخاطر مثل الروائح والدخان والضوضاء والحشرات وتلوث إمدادات المياه".

ويقول دكتور  هشام العيسى، وهو متخصص في الأمراض السرطانية: "لاحظنا (في) المناطق القريبة من المصبات في صفاقس، نسبة حدوث مرضى (الإصابة بـ) السرطان ما بين 10 و20 في المئة أكثر من الولايات الأخرى".

ونوه إلى أنه تنبه إلى أن الحالات التي ازدادت في المناطق التي تضم مكبات النفايات، "هي أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب وأمراض نقص المناعة، والتشوهات الخلقية لدى الأطفال حديثي الولادة. زيادة (بالإضافة إلى) طفرات جينية، تؤدي إلى مرض مقاوم للعلاج". 

مصب صفاقس

واستقبل مصب النفايات الرئيسي لولاية صفاقس، المعروف باسم "مصب القنة"، أكثر من 600 طن من النفايات يوميا، حتى أواخر عام 2021.

وفي تقرير لجمعية نواة التونسية للصحافة المستقلة، في أكتوبر عام 2018،  أصدرت الوكالة الوطنية لحماية المحيط تقريرا عقب حملة لقياس جودة الهواء بمعتمدية عقارب، أثبت أن التلوث في الهواء تجاوز الحدود المتعارف عليها، خاصة بالنسبة للغبار، ولسولفيد (كبريتيد) الهيدروجين، وأرجع التقرير هذا التلوث إلى احتمال تسبب مصانع هناك في التلوث، إضافة إلى مصب القنة. 

يقول سامي البحري، الناشط بحركة "مانيش مصب": "ثما (هنالك) كوكتيل من الروائح في عقارب من (بسبب) المصب، من المعامل، من الميثان، هو الذي فاقم المشاكل الصحية، مسّنا في صحتنا معناتها، التقارير بتاع الهواء التي عملتها الـ ANPE، خرجت قالت راه (انظروا) يا ناس، الهواء بتاع (في) عقارب راه ملوث، وعملت صيحة فزع، راه (انظروا) الهواء هنا مسموم". 

وإضافة إلى مشكلة تلوث الهواء في عقارب، عانى السكان من أضرار أخرى للمصب، إذ تشير مبروكة ابن ابراهيم إلى أن بعض السكان تعرضوا للسعات الحشرات ولدغات الأفاعي.

وعلى بعد أمتار من مصب القنة، تقيم مبروكة، وابنتها يسرى، التي تدهورت حالتها الصحية، في خريف عام 2019، إثر لسعة بعوضة، ونقلت للمستشفى. 

وتقول مبروكة إن الأطباء المشرفين على ابنتها منعوها من رؤيتها، مشيرين إلى أنها تعرضت لجرثومة معدية ينقلها البعوض.

تقول سميرة العبيدي، المدير العام للتراتيب والنظافة بوزارة البيئة التونسية: "صحيح الأيام هذه، وبعد مرة المطر ومرة السخانة (نشهد أمطارا تارة وموجات الحر تارة)، معمول به (من الطبيعي) إنه تكثر الحشرات، وتكثر الناموس، واللدغة بتعها راه غير طبيعية، لكن نحب (أن) نؤكد واطمئن المواطنين، معندناش (لا تتواجد لدينا) النواقل هذه بتاع الأمراض الخطيرة".

ورغم نفي مسؤولي وزارة البيئة التونسية تواجد أي نوع خطير من الحشرات في البلاد، إلا أنه، وطبقا لتقرير طبي مستقل، أصيبت به عائلة ابن براهيم، إذ توفيت يسرى بسبب التهاب بكتيري ناتج عن لسعة بعوضة. 

وفي 11 من يوليو عام 2019، وبعد سنوات من المعاناة، وتقدمِ قرابة 200 من سكان عقارب بشكاوى قضائية، صدر حكم المحكمة بغلق مصب القنة، وبعد أكثر من سنتين من صدور قرار المحكمة تم التنفيذ.   

لكن إغلاق المصب، نتج عنه تراكم للنفايات في شوارع وأحياء الولاية، ولأكثر من 40 يوما، غابت فيها الحلول لأكبر أزمة فضلات في صفاقس، تقاطعت مع أزمة البيئة في عقارب، جراء مصب القنة. 

تقول زهور الهلالي، المديرة العامة بوزارة البيئة التونسية، إن "الفضلات التي تراكمت في صفاقس، لازمنا نهزوها (يجب حلها)، ومش معقول أنها تقعد متراكمة، هذا السبب، إلى خلانا نعلنوا (وهذا ما دفعنا إلى الإعلان) عن استئناف نشاط مصب القنة بعقارب، هو مصب مراقب، وتنجم تقول (ومن الممكن القول) إنه تسكر (أغلق) بطريقة تعسفية".

وأشعل القرار نار الاحتجاجات في عقارب التي تطورت إلى مواجهات مع قوات الأمن.  

يقول شكري البحري، عضو مجلس النواب التونسي المنحل عن دائرة عقارب، "كل أهالي عقارب خرجوا في الحراك، كل الناس خرجت، باش (كي) تقول 'لا للنفايات، نعم لتطبيق الاتفاقيات، والقرارات القضائية، والقرارات البلدية'. نحن كنا دائما ندافع عن بيئة نظيفة. إذا خرجنا للشارع وقلنا 'لا'، الشيء الذي حدث، عملية فتح بالقوة، وأدى إلى نتائج كارثية". 

وفي 9 نوفمبر من عام 2021، وخلال المواجهات في عقارب، توفي عبد الرزاق لشهب، ونفت وزارة الداخلية التونسية علاقته بالاحتجاجات، وقالت إن الوفاة حدثت في منزله البعيد عن مناطق التظاهر".

لكن عائلته تصر على أنه مات مختنقا بالغاز المسيل للدموع الذي أطلقته الشرطة.

يقول عبد العزيز لشهب، شقيق عبد الرزاق: "مصدقتش (لم أصدق) إن هو طاح، دورت فيه هاكا، راهو يشخر! مخنوق! (رأيته وهو يختنق) ياك الزبلة صبيتها، ومزال تلاحق في العباد! معناها تحب تقتلهم انت! معاناتها الزبلة تتصب في المصب أغلى من العباد! (معنى ذلك أن النفايات أغلى من العباد)".

وفي غضون أيام من اندلاع الاحتجاجات، وصل صدى أزمة عقارب إلى الرئيس التونسي، قيس سعيد، فاستقبل نشطاء من حملة "مانيش مصب".

ويقول شكري البحري، عضو مجلس النواب المنحل عن دائرة عقارب،:"تلقينا دعوة من سيادة رئيس الجمهورية باش نفهموه (كي نفهمه)، ونوصلوا (ونوصل إليه) صوت أهالي عقارب، ومشكلتهم الدائمة مع النفايات، إذا، تفهّم الوضع، تفهم الطلبات، سيادة الرئيس مشكورا، وتعهد لنا، (أن) نعيد اجتماعا مع السيدة وزيرة البيئة، ومع سيادته في ظرف نهارين (يومين)، لإيجاد حل نهائي لمنصب النفايات بالقنة".  

وبعد أيام من لقاء الرئيس، أغلق مصب القنة نهائيا، لكن البعض يرى أن أزمة التلوث في عقارب، وفي تونس كلها لم تنته بعد.

يقول حمدي شبعان، الخبير في تدوير النفايات: "أغلق مصب بصفاقس، لكن ليس هناك حل، على الأقل فيما هناك حل جزئي، لمصب شبه مراقب أو عشوائي منظم، وتشوبه كثير من التساؤلات أيضا، لكن في صفاقس اليوم تقريبا، ثمة هناك مئات من المصبات العشوائية، بمدخل المدينة صفاقس على جميع النواحي ككل، روائح كريهة، هذا بالنسبة لي، كمختص في مجالي، ليس إنجازا صحيحا، قضية بيئية ربحت من طرف المجتمع المدني في غلق المصب، لكنها أحدثت 100 مصب آخر، و100 مشكلة أخرى، وهذا ليس حلا". 

وتفاقمت مشكلة التعامل مع النفايات في هذا البلد المغاربي، في منتصف عام 2020، بوصول أطنان من المخلفات المنزلية القادمة من أوروبا.